من يقود التحول الاقتصادي في تونس؟

الجامعات والمعاهد التونسية تخرج آلاف المهندسين والمبرمجين سنويا ما يجعل رأس المال البشري المتعلم والمنفتح على العالم ثروة وطنية حقيقية إذا ما تم استثمارها بشكل صحيح.
الخميس 2026/02/26
رأس المال البشري المتعلم… ثروة وطنية حقيقية

الجيل التونسي الجديد لم يعد يكتفي بدور الباحث السلبي عن فرص عمل، بل أصبح صانعا نشطا للفرص عبر مشاريع ريادية مبتكرة. هذا ما كشف عنه المشهد الاقتصادي والاجتماعي في تونس الذي قادته طاقات شبابية متعلمة ومنفتحة على العالم خلال العقد الأخير.

هذه الديناميكية المتجددة تمثل ظاهرة اجتماعية واقتصادية تستحق الدراسة والتحليل، خاصة في ظل سياق وطني يجمع بين تحديات هيكلية عميقة وآفاق واعدة للتغيير. تونس، التي اعتمدت لعقود على نموذج تنموي يرتكز أساسا على التوظيف الحكومي والاستثمار الأجنبي التقليدي، تقف اليوم أمام خيارين تاريخيين: إما أن تبقى رهينة النموذج القديم بكل تداعياته الاجتماعية، أو أن تتبنى نهجا جديدا يجعل من ريادة الأعمال الشبابية رافعة استراتيجية للتنمية المستدامة.

البلد الذي يمتلك واحدا من أعلى معدلات التعليم العالي في المنطقة العربية والأفريقية، يعيش اليوم مفارقة صارخة، حيث تبلغ نسبة خريجي الجامعات من بين الشباب التونسي 40 في المئة، لكن في المقابل يعاني الخريجون الشباب من نسب بطالة مرتفعة، خاصة بين حاملي الشهادات العليا. هذا الواقع يعكس فشل النموذج الاقتصادي التقليدي في استيعاب الطاقات الشابة وتوظيفها بشكل منتج، لكنه في الوقت ذاته يفتح الباب أمام فرص تاريخية غير مسبوقة.

المستقبل الاقتصادي لتونس لن يُبنى بالمصانع التقليدية وحدها بل بالأفكار المبتكرة والطاقات الشابة والإرادة التغييرية. ريادة الأعمال الشبابية هي الجسر الذي ستعبر عليه تونس نحو هذا المستقبل

لقد أتاح التحول الرقمي المتسارع آفاقا جديدة أمام الجيل الرقمي التونسي، حيث تمتلك البلاد بنية تحتية رقمية متطورة، مع نسبة ولوج للإنترنت تتجاوز 80 في المئة، وأكثر من سبعة ملايين مستخدم نشط لوسائل التواصل الاجتماعي. كما تخرج الجامعات والمعاهد آلاف المهندسين والمبرمجين سنويا، ما يجعل رأس المال البشري المتعلم والمنفتح على العالم ثروة وطنية حقيقية إذا ما تم استثمارها بشكل صحيح. هذا الواقع عزز اهتمام الشركاء الدوليين بريادة الأعمال الشبابية في تونس، حيث أصبحت محورا رئيسيا في استراتيجيات التعاون الدولي، من خلال مبادرات الاتحاد الأوروبي، ودعم البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وبرامج الأمم المتحدة الإنمائية، التي توجه استثمارات وخبرات لدعم النظام البيئي الريادي في البلاد.

خلال السنوات الثماني الماضية شهدت منظومة ريادة الأعمال تطورًا ملحوظًا تجسد في عدة محاور أساسية، أبرزها الإطار القانوني والتشريعي، حيث شكّل قانون الشركات الناشئة الصادر سنة 2018 علامة فارقة، واضعًا تونس في مقدمة الدول العربية والأفريقية من حيث التشريعات الداعمة لريادة الأعمال. القانون منح إعفاءات ضريبية لمدة ثماني سنوات، وسهّل إجراءات التوظيف، ووفّر تأشيرات عمل للمستثمرين والخبراء الأجانب، إلى جانب إنشاء صندوق خاص لتمويل الشركات الناشئة. كما انتشرت الحاضنات التي وفرت للرواد الشباب مساحات عملية وإرشادًا وتواصلًا مع المستثمرين والشبكات الدولية، إلى جانب دور الجامعات في إنشاء أقسام ومختبرات متخصصة في الابتكار.

آليات التمويل تطورت بشكل ملحوظ لتشمل مؤسسات التمويل الأصغر، وصناديق الاستثمار المغامر التي استثمرت أكثر من 150 مليون دولار في الشركات الناشئة التونسية خلال عام 2023 وحده، بالإضافة إلى منصات التمويل الجماعي الناشئة. وبرزت ريادة الأعمال التونسية في مجالات متخصصة مثل التكنولوجيا المالية، الذكاء الاصطناعي، الصحة الرقمية، والاقتصاد الأخضر. فقد دعم برنامج “آفاق خضراء” التابع للأمم المتحدة أكثر من 5000 شاب لإطلاق مشاريع في الطاقة المتجددة والزراعة المستدامة وإدارة النفايات، ما وضع تونس في المرتبة الثالثة أفريقيا من حيث عدد الشركات الناشئة التقنية.

ريادة الأعمال الشبابية في تونس أصبحت ضرورة استراتيجية، بعد أن أثبت الشباب التونسي عبر نماذج النجاح العديدة أنه يمتلك الطموح والمهارة والإرادة لتحقيق هذا التحول

رغم هذه الإنجازات، تواجه ريادة الأعمال الشبابية في تونس تحديات حقيقية، أبرزها التمويل في مرحلة التوسع، حيث تحتاج الشركات الناشئة الناجحة إلى استثمارات كبيرة للنمو في الأسواق الدولية، بينما لا يتجاوز حجم الاستثمار المغامر 100 مليون دولار سنويًا. كما تظل الإجراءات الإدارية معقدة وبطيئة رغم التحسينات التشريعية. يضاف إلى ذلك غياب التنسيق بين الجهات الفاعلة وتعدد البرامج دون استراتيجية وطنية موحدة، فضلًا عن التحدي الجهوي حيث تتركز أكثر من 80 في المئة من الشركات الناشئة في العاصمة والساحل، بينما تبقى المناطق الداخلية محرومة من هذه الديناميكية.

لتحويل ريادة الأعمال الشبابية من ظاهرة اجتماعية إيجابية إلى استراتيجية تنموية فاعلة، تعكف تونس على إنجاز سياسة وطنية متكاملة تربط بين التعليم والتدريب والتمويل والتشريع والتسويق الدولي. وتشمل إصلاحًا عميقًا لمناهج التعليم العالي والتدريب المهني، وتطوير آليات التمويل عبر صندوق سيادي للشركات الناشئة، مع تبسيط الإجراءات الإدارية من خلال منصة رقمية موحدة، وإقرار قانون إفلاس جديد يحمي الرياديين من العواقب الكارثية في حال فشل المشاريع، وتعزيز التوجه نحو الاقتصاد الأخضر بإنشاء مناطق اقتصادية خضراء في الجهات الداخلية، وبناء شراكات دولية استراتيجية لفتح الأسواق الأوروبية والأفريقية أمام الشركات الناشئة التونسية.

لقد أصبحت ريادة الأعمال الشبابية في تونس ضرورة استراتيجية، بعد أن أثبت الشباب التونسي عبر نماذج النجاح العديدة أنه يمتلك الطموح والمهارة والإرادة لتحقيق هذا التحول، لكن تحويل هذه الطاقات الفردية إلى قوة جماعية منظمة يحتاج إلى رؤية استراتيجية واضحة وإرادة سياسية حقيقية وإطار مؤسسي داعم. أمام تونس فرصة تاريخية لتصبح نموذجًا إقليميًا في ريادة الأعمال والابتكار، لكن هذه الفرصة لن تتحول إلى واقع ملموس إلا إذا تم التعامل مع ريادة الأعمال كاستراتيجية وطنية متكاملة.

المستقبل الاقتصادي لتونس لن يُبنى بالمصانع التقليدية وحدها، بل بالأفكار المبتكرة والطاقات الشابة والإرادة التغييرية. ريادة الأعمال الشبابية هي الجسر الذي ستعبر عليه تونس نحو هذا المستقبل، وهي الاستثمار الأكثر ربحية في رأس المال البشري الوطني.

6