"من وحي التراث".. منحوتات تستلهم التاريخ المصري برؤية معاصرة

صلاح شعبان يقدم صورا جمالية فنية مبتكرة استلهمها من التراث الفني والثقافي المصري على امتداد قرون
الخميس 2026/03/05
كل منحوتة تُناقش موضوعا يُعبّر عنه بمنظور معاصر

في مجموعته النحتية الجديدة التي حملت عنوان "من وحي التراث"، قدّم الفنان التشكيلي المصري الدكتور صلاح شعبان، إحدى عشر عملاً فنيا بمساحات مختلفة تتنوع ما بين الصواني الألومنيوم المستديرة وبين الأواني الألومنيوم بأشكالها المختلفة، استخدمها الفنان ليُقدم على سطحها المعدني جداريات النحت البارز التي تناقش العديد من القضايا الإنسانية والاجتماعية في صورة فنية جديدة ومبتكرة.

المجموعة النحتية الجديدة للفنان الدكتور صلاح شعبان، الأستاذ المساعد بقسم النحت في كلية الفنون الجميلة بجامعة الأقصر – في صعيد مصر – تنتمي لفن النحت البارز المُنفذ بأسلوب الطرق على صواني وأواني من معدن الألومنيوم.

استلهام الأساطير

 استهلم شعبان فكرة مجموعته تلك من التراث المصري العريق، الذي يزخر في مراحله المتعددة - بداية الفن المصري القديم مروراً بالفن القبطي ثم الفن الإسلامي - بالكثير من صور التشكيل على أسطح المعادن. وقد جرى استخدام خامة النحاس للتشكيل عليها بالطرق المباشر لأنها تتميز بخصائص كيميائية تجعلها قابلة للطرق والتشكيل، كما أن لها خصائص لونية مميزة وغنية بالدرجات.

ولما كان الفنان الدكتور صلاح شعبان، كان قد سبق له تقديم مجموعتين نحتيتين من خلال التشكيل المباشر بالطرق على خامة النحاس، فقد اختار في مجموعته الجديدة "من وحي التراث" أن يبحث في أسرار خامة معدنية جديدة ليكشف خباياها وإمكاناتها التشكيلية، وليقدم من خلالها تجربة فنية في 11 عملاً نحتياً أبدعها باستخدام خامة الألومنيوم، والتشكيل بالطرق المباشر عليها في مغامرة جديدة وصفت بالتفرّد والثراء.

وقد تناول شعبان في مجموعته الجديدة موضوعات وقضايا مستلهمة من التراث، حيث اختار أن تُناقش كل لوحة موضوعا يُعبّر عنه بمنظور فني معاصر عبر تقديم ثنائيات متضادة مثل ثنائية الحرب والسلام، والخير والشر، والقهر والثورة، وغير ذلك من الثنائيات.

ومن اللوحات التي شكلها الفنان في تلك المجموعة نجد لوحة تحمل اسم "السنوات العجاف" وهي مستمدة من قصة النبيّ يوسف عليه السلام وتفسيره رؤيا الملك، حيث نجد في العمل في النصف الأعلى من اللوحة بقرتين سمينتين ترعيان في بستان يمتلئ بالخضرة الوفيرة والماء، وفي النصف الأسفل من اللوحة تتشقق الأرض ليخرج منها ثلاث بقرات عجاف تحاول النهوض بصعوبة من شدة ضعفها وضمور أجسادها، وتمد رؤوسها لأعلى لالتهام البقرات السمان.

يختصر الفنان في هذه اللوحة عدد البقرات ليحول الموضوع إلى رؤية رمزية لأحوال الناس أو المجتمعات وتقلب ظروفها بين الرخاء والضيق، ونجد هنا ثنائية الوفرة والخير في البقرات السمان والحاجة والفقر في البقرات العجاف، ليُناقش الفنان موضوعاً طالما تكرر في تاريخ البلدان والمجتمعات والأفراد في صورة فنية معاصرة.

صور مبتكرة

في عمل فني آخر يقدم صلاح شعبان مطروقة تحمل اسم "الكلمة الطيبة"، وفيها يناقش الفنان ثنائية فعل الخير وفعل الشر وأثرهما على مصير الإنسان بعد الموت، حيث يصور  شاهدين لقبرين الأول يجري من تحته نهر جار وتخرج منه شجرة ضخمة وارفة الظلال تمتد فروعها إلى أعلي العمل الفني، وتحمل كل أنواع الثمار، وكأنها شجرة من الجنة ليتحول القبر إلى روضة من رياض الجنة.

وفي القبر الآخر يمتلئ شاهد القبر بالسنة من النيران وتخرج منه شجرة جافة تمتلئ بالأشواك وكأن القبر تحول إلى حفرة من حفر النار، وفي هذه التجربة يحاول الفنان أن ينبه المشاهد إلى خطورة الاستخفاف بالكلمة أو الذنب والتي يحدد من خلالهما مصير الإنسان. 

وفي عمل فني آخر يحمل اسم "التور والساقية" يستلهم الفنان عمله من المثل القائل "تور مربوط في ساقية"، والذي يرمز إلى الذل والقهر، فنجد الثور في العمل الفني يغضب ويثور ويحطم الساقية ويقطع الحبال التي تربطه فيها، في محاوله للرفض والثورة علي الذل والقهر الذي عاناه لتكون ثنائية القهر والثورة هي البطل الرئيسي في هذا العمل الفني، والثورة هنا ليست فقط الثورة على القهر أو على أوضاع سياسية، ولكن الثورة على كل فشل وتحويله إلى نجاح. 

وفي عمل آخر يقدم الفنان رؤيته لتقلب أحوال الإنسان في مطروقة تحمل اسم "القلب وأحواله" وهي عبارة عن إناء "طاسة القلي التي تستخدم في قلي أقراص الطعمية" أو الفلافل، حيث استخدم الفنان تلك الطاسة المستديرة ليتوسطها قلب آدمي مجسم بارز بكل تفاصيله الواقعية وقد خرج منه الأوردة والشرايين لتستدير مع انحناءات الطاسة.

تتحول الشرايين في ناحية إلي أفرع نباتية مزدهرة يخرج منها الورد، وفي الناحية الأخرى تتحول الشرايين إلي أفرع نباتية جافة يخرج منها الشوك الحاد، في إسقاط فني رمزي يستخدم ثنائية الجمال في الورد والقبح ممثلة في الشوك، للدلالة على أحوال القلوب وتقلباتها، فهناك قلوب لا تعرف إلا الحب وتنثر علي من حولها ورود المحبة والأمان، وهناك قلوب قاسية لا يخرج منها سوي الشوك والأذى لمن حولها، وهناك قلوب تتقلب بين الحالتين حسب ظروفها المزاجية، وقد جاء ذلك العمل في محاولة من الفنان للتعبير من خلال رمزية القلب عن مكنونات النفس البشرية في صورة فنية معاصرة ومبتكرة مستمدة من تراثنا الفني. وغير ذلك من الأعمال التي تُناقش قضايا أخرى من خلال صور جمالية فنية مبتكرة استلهما الفنان الدكتور صلاح شعبان من التراث الفني والثقافي المصري.

تداول منقوص للفن

يؤمن الفنان التشكيلي الدكتور صلاح شعبان، أن الحركة التشكيلية العربية، تحظى بوجود نخبة كبيرة من الفنانين الموهوبين، من أصحاب الفكر والرؤى المتفردة، لكن وسائل الإعلام العربية، تهتم بنجوم السينما والغناء، على حساب التشكيليين العرب برغم ما حققه هؤلاء النجوم التشكيليون من انتشار عربي وعالمي، الأمر الذي تسبب في ابتعاد الجمهور عن المعارض والملتقيات الفنية، وخلق هوة كبيرة بين الفنان التشكيلي والمتلقي العربي، وذلك بحسب قوله.

ويرى أن معظم ما تحققه الحركة التشكيلية العربية من نجاحات هو بفضل جهود فردية، وتمويل ذاتي من قبل الفنانين، وأن قلة دعم الحكومات للحركة التشكيلية العربية، جعلت الكثير من النجاحات قاصرة على النجاحات الفردية.

ويرى - كذلك - أن المشهد التشكيلي العربي يعاني أيضا من عدم وجود متاحف للفن الحديث، واقتصار معظم المتاحف العربية، على عرض القطع الفنية الأثرية، مشدداً على أهمية وجود متاحف للفنون التشكيلية المعاصرة.

يذكر أن الفنان الدكتور صلاح شعبان، قد درس الفنون الجميلة بجامعة حلوان، بالقاهرة، ونال شهادة الدكتوراه في فلسفة الفنون، وهو أكاديمي في كلية الفنون الجميلة بمدينة الأقصر، حيث يُدَرِسُ مادة النحت، وعضو بنقابة الفنانين التشكيليين بمصر، بجانب عضويته لأتيليه القاهرة، وجماعة الجنوبي للفنون التشكيلية.

وشارك الدكتور شعبان في قرابة 50 معرضاً تشكيلياً مشتركاً، وأقام خمسة معارض تشكيلية خاصة، وحاز على ثمانية جوائز، بجانب عدد من التكريمات.