من هرمز إلى باب المندب، لا طريق آمنا للخروج من الحرب
لعقود طويلة، قام نظام الطاقة في الخليج على افتراض بسيط: يمكن للنفط والغاز أن يجدا دائمًا طريقًا إلى الأسواق العالمية. غير أن هذا الافتراض يخضع اليوم لاختبار صعب. فالحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة حولت الخليج من ممر للطاقة يتسم بقدر نسبي من القابلية للتوقع، إلى شبكة من الأهداف الإستراتيجية المعرضة للخطر.
ولم يعد التهديد يقتصر على مضيق هرمز، بل أصبحت الأنابيب والموانئ وناقلات النفط والمسارات البحرية البديلة جزءًا من مسرح الصراع. والنتيجة هي حقيقة صعبة: لا يوجد مسار آمن بالكامل للخروج من أزمة الطاقة في الشرق الأوسط.
يبقى مضيق هرمز نقطة الضعف المحورية. فقبل الحرب الراهنة، كان يمر عبره نحو 20 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية يوميًا، أي نحو ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا. كما تعتمد قطر والإمارات العربية المتحدة بشكل كبير على المضيق في تصدير الغاز الطبيعي المسال.
بدت السعودية، لفترة طويلة، أكثر استعدادًا من غيرها من منتجي الخليج، لأنها تملك خط أنبوب النفط الشرقي – الغربي. ويمتد هذا الخط على طول نحو 1200 كيلومتر، وينقل النفط من حقول المملكة الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر، ما يتيح تصدير النفط من دون المرور بمضيق هرمز.
العالم يحتاج إلى طاقته لكن الطرق التي تنقل هذه الطاقة تمر عبر واحدة من أكثر مناطق العالم عرضة لعدم الاستقرار
لكن هذا المسار البديل أصبح هو الآخر تحت الهجوم. فقد أوقفت السعودية مؤقتًا عمل الأنبوب بعد أن أدت هجمات بالطائرات المسيّرة إلى إلحاق أضرار بمنشآت على طول المسار. وكان الأنبوب ينقل نحو أربعة إلى خمسة ملايين برميل يوميًا، أي ما يعادل نحو 4 إلى 5 في المئة من إمدادات النفط العالمية. وتكمن أهمية ذلك في أن هذا الأنبوب صُمم أساسًا لتقليل اعتماد السعودية على مضيق هرمز.
غير أنه حين أصبح هرمز خطرًا، وجد المسار البديل نفسه في مرمى الهجوم. وهذا يغير قاعدة الحساب بأكملها. فقد تمتلك دولة مسارًا بديلاً على الخريطة، لكن قيمته الإستراتيجية تتلاشى إذا كانت الحرب قادرة على الوصول إليه.
يقدم البحر الأحمر مشكلة أخرى. فبإمكان السعودية تحويل جزء من صادراتها من خلال ينبع، لكن السفن التي تغادر البحر الأحمر يجب أن تمر عبر باب المندب، وهو ممر بحري استراتيجي آخر. وقد أدى تقدم الحوثيين المتحالفين مع إيران في اليمن إلى زيادة المخاطر في هذا الممر.
وإن تعاظم نفوذ الحوثيين وسيطرتهم على مناطق ومواقع إستراتيجية على الساحل الغربي لليمن يضع دول الخليج أمام خيار معقد. فإذا ظل مضيق هرمز مقيدًا، وأصبح باب المندب أكثر خطرًا، فقد تجد دول الخليج نفسها أمام ضغط استراتيجي من جهتين. وهنا يكمن جوهر فخ الطاقة في الخليج. فللخليج مسارات متعددة، لكن كثيرًا منها يعتمد في نهاية المطاف على عدد محدود من الممرات البحرية الضيقة.
يمتلك النفط، على الأقل، بعض القدرة على الاستفادة من شبكات الأنابيب البديلة. أما الغاز الطبيعي المسال، فهو أقل مرونة. فقطر تعد واحدة من أكبر مصدري الغاز الطبيعي المسال في العالم، لكن جزءًا كبيرًا من صادراتها يجب أن يمر عبر مضيق هرمز.
المسارات البديلة كخط أنبوب السعودية الشرقي – الغربي أو البحر الأحمر لم تعد آمنة إذ أصبحت بدورها أهدافًا للهجمات مما يضاعف المخاطر
وتقدر وكالة الطاقة الدولية أن قطر والإمارات تستحوذان معًا على نحو 20 في المئة من صادرات الغاز الطبيعي المسال العالمية التي تمر عبر المضيق. ولا يوجد مسار بحري بديل بسيط لهذه الشحنات. وهذا يولد مشكلة خطيرة لأوروبا وآسيا. فالاقتصادات الآسيوية تتعرض بشكل خاص للمخاطر، لأنها تستورد الغالبية العظمى من شحنات الطاقة القادمة من الخليج.
وتعد الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية من أهم الوجهات للنفط الذي يمر عبر هرمز. وإذا استمر الاضطراب لفترة طويلة، فلن يبقى أزمة إقليمية في مجال الطاقة، بل سيتحول إلى أزمة تضخم عالمية.
تغير الحرب أيضًا اقتصاديات نقل الطاقة. فحتى إذا كانت الناقلة قادرة من الناحية الفنية على الإبحار، فقد يتردد ملاكها في إرسالها إلى منطقة تشهد حربًا. وترتفع أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب، وتزداد تكاليف الشحن، وتصبح جداول التسليم أقل قابلية للتوقع.
وهذا الغموض في حد ذاته يصبح أحد أشكال الضغط الاقتصادي. فقد دفعت الاضطرابات الأخيرة مشتري الغاز الطبيعي المسال إلى البحث عن مرونة أكبر وضمانات إضافية من مصدري الخليج. كما أصبحت زيادة تكاليف التأمين عنصرًا مهمًا في العقود الجديدة للطاقة. ولذلك، لا يحتاج الخليج إلى فقدان كل برميل من النفط أو كل شحنة من الغاز حتى يتضرر الاقتصاد العالمي. فالأسواق تستجيب لاحتمال الاضطراب قبل أن تختفي الإمدادات الفعلية.
اعتمدت دول الخليج تقليديًا على الولايات المتحدة بشكل كبير في مجال الأمن. وما زالت القدرة العسكرية الأميركية عنصرًا أساسيًا في حماية المنطقة، لكن الأزمة الراهنة تظهر حدود هذه الحماية. فالمشكلة جغرافية في الأساس. فبإمكان القوات الأميركية حماية السفن، وشن هجمات على أهداف عسكرية، والمساعدة في الدفاع عن منشآت الطاقة. لكنها لا تستطيع جعل كل أنبوب وكل ناقلة وكل ميناء وكل ممر بحري محصنًا ضد الهجوم.
الفخ الحقيقي أن أمن الطاقة في الخليج مرتبط بممرات بحرية ضيقة يمكن تهديدها في وقت واحد، ما يجعل الاقتصاد العالمي رهينة جغرافيا مضطربة.
ولهذا السبب، تتجه حكومات الخليج بشكل متزايد إلى بحث خيارات أخرى، من خلال توسيع شبكات الأنابيب والموانئ والسكك الحديدية وممرات التجارة. وتوسع الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، مسارات بديلة لتقليل اعتماد صادراتها من الطاقة واقتصادها الأوسع على ممر واحد معرض للخطر. لكن بناء البنية التحتية وتنويع المسارات يحتاج إلى سنوات. أما الحرب فتتحرك بسرعة أكبر بكثير.
لذلك، فإن مشكلة الطاقة في الخليج أعمق من مجرد إغلاق مضيق هرمز. فكل مسار بديل ينشئ اعتمادًا استراتيجيًا جديدًا. يمكن تهديد هرمز من جانب إيران، ويمكن تهديد البحر الأحمر من جانب اليمن، كما يمكن استهداف الأنابيب من الجو، وتعطيل الموانئ، ومهاجمة الناقلات في عرض البحر.
وقد أنشأت جغرافيا الخليج نظامًا يصبح فيه أمن الطاقة مرتبطًا بعدد من الممرات البحرية الضيقة التي يمكن تهديدها في وقت واحد. ولذلك، لا يوجد مسار آمن للخروج من الحرب الراهنة في الشرق الأوسط.
والتحدي العاجل هو استعادة حرية الملاحة. أما التحدي الأطول أمدًا، وهو الأصعب، فيتمثل في إعادة تصميم جغرافيا الطاقة في الخليج، بحيث لا يستطيع مضيق واحد، أو أنبوب واحد، أو مواجهة عسكرية واحدة، تهديد الاقتصاد العالمي بأسره. وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى الخليج عالقًا بين أعظم نقاط قوته الاقتصادية وأكبر نقاط ضعفه الإستراتيجية: العالم يحتاج إلى طاقته، لكن الطرق التي تنقل هذه الطاقة تمر عبر واحدة من أكثر مناطق العالم عرضة لعدم الاستقرار.