من مصلى إلى صرح للتعايش: عندما تتحول إرادة التسامح إلى واقع ملموس

من "أبوظبي" إلى "مراكش" مرورًا بـ"روما" يتشكّل مسار تطوّري لفكرة التعايش يتطلب جهداً جماعياً من السياسي والعالم والأكاديمي.
السبت 2025/11/01
بيان معماري وسياسي وثقافي موحد

من الأخبار التي لفتت الانتباه مؤخراً، إعلان الفاتيكان عن إنشاء غرفة مخصصة للصلاة داخل مكتبته الرسولية، لاستقبال الزوار والطلبة المسلمين. هذه الخطوة، التي قد تبدو بسيطة، تمثل علامة دالة على تراكم مسار طويل من الحوار الديني، يتجاوز البعد الرمزي ليلامس واقعاً عملياً: كيف تتحول المبادئ المجردة الواردة في وثائق الحوار الكبرى إلى ممارسات حياتية تلبّي حاجة الإنسان لأداء صلاته في مكان يرتاده للعلم.

هذا المسار الطويل من “النص إلى الفعل” ليس وليد اللحظة، بل هو جهد تراكمي تجسّد في مشاريع كبرى، أبرزها “بيت العائلة الإبراهيمية” في أبوظبي، الذي يضم مسجداً وكنيسة وكنيساً تحت سقف واحد، ليشكّل نموذجاً حياً للتعايش. في هذا الإطار، تشكّل وثيقة Nostra Aetate الصادرة عن المجمع الفاتيكاني الثاني (1965)، وإعلان مراكش (2016) لحقوق الأقليات الدينية في الديار الإسلامية، النموذجين التأسيسيين اللذين مهّدا الطريق لمثل هذه المبادرات. هذا المقال لا يهدف فقط إلى استعراض هاتين الوثيقتين، بل إلى تحليل شروط تحوّلهما من خطاب نظري رفيع إلى سياسات عملية فاعلة، وكيف يمكن لصنّاع القرار والأكاديميين الاستفادة من هذه النماذج لبناء مجتمعات أكثر تماسكاً، خاصة مع تصاعد النزاعات الطائفية والاستقطاب.

لم تولد أي من الوثيقتين في فراغ، بل كانتا استجابة ضرورية لصدمات كبرى هزّت ضمير الإنسانية. فقد جاءت وثيقة Nostra Aetate—ترجمتها العربية “في عصرنا”—في أعقاب جرح عميق خلّفته الحرب العالمية الثانية والمحرقة (الهولوكوست). واختيارها لم يكن مجرد توصيف زمني، بل إعلان عن انفتاح الكنيسة الكاثوليكية على واقع العالم الحديث، وتأكيد أن علاقتها بالديانات الأخرى يجب أن تُقرأ في ضوء تحديات الحاضر، لا في أسر الانغلاق اللاهوتي الماضي.

غرفة الصلاة في الفاتيكان و"بيت العائلة الإبراهيمية" في أبوظبي هما شاهدان حيّان على أن الترجمة العملية لقيم التعايش ممكنة ومؤسسية

كانت أوروبا، والغرب عموماً، أمام مفارقة مأساوية: كيف لحضارة أنجبت قيماً للتنوير والإنسانية أن تنتج أيضاً نظاماً للإبادة؟ هذا السؤال الأخلاقي وضع الكنيسة الكاثوليكية، بتاريخها الطويل من العداء اللاهوتي لليهود، أمام مواجهة مع النفس. لم يكن المجمع الفاتيكاني الثاني مجرد إصلاح ديني داخلي، بل كان محاولة لاستعادة الشرعية الأخلاقية للكنيسة في عالم ما بعد “أوشفيتز”.

بالمقابل، وُلد إعلان مراكش من رحم صدمة مختلفة ولكنها بنفس الدرجة من الحدة: صعود التنظيمات المتطرفة مثل “داعش”، التي مارست، باسم الإسلام، أبشع أشكال العنف والاضطهاد ضد الأقليات الدينية في العراق وسوريا وغيرها. مشاهد تهجير المسيحيين والإيزيديين وتدمير تراثهم وضعت العالم الإسلامي أمام سؤال مصيري: أين الإسلام الحقيقي من هذه الفظائع؟ لم يكن الإعلان، برعاية الملك محمد السادس وتنظيم منتدى أبوظبي للسلم، رد فعل دفاعياً فحسب، بل كان محاولة استباقية لإعادة تأسيس خطاب إسلامي يستعيد جوهر قيم التعايش والمواطنة.

تميّزت كلتا الوثيقتين باعتمادهما على مرجعيات تأصيلية عميقة، وليس على مجرد ردود فعل ظرفية.

وثيقة “في عصرنا” قامت على ثورة لاهوتية حقيقية. لقد انتقلت من نموذج “الخلاص الحصري” إلى نموذج “الحقيقة المشتركة”، فاعترفت بأن “بذرة الكلمة” موجودة في الديانات الأخرى، وأن الحقيقة الإلهية لا تُختزل في الكنيسة الكاثوليكية وحدها. القرار التاريخي بتبرئة اليهود جماعياً من “دم المسيح” لم يكن تصحيحاً تاريخياً فقط، بل كان قلعاً لجذر لاهوتي غذّى معاداة السامية لقرون. تقديرها للإسلام، بالإشارة إلى إيمان المسلمين بالله الواحد وإجلالهم ليسوع ومريم، كان محاولة لقطع الطريق على العداء التاريخي المتراكم.

أما إعلان مراكش فاستند إلى تراث إسلامي أصيل، مركزاً على “مقاصد الشريعة”، وخاصة مقصد حفظ النفس والدين والعقل. واعتمد بشكل أساسي على “صحيفة المدينة” التي أقامها النبي محمد كأول دستور للمدينة المنورة، ينظّم العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين (اليهود) على أساس المواطنة (“أمة واحدة من دون الناس”). بهذا، قدّم الإعلان حجة دينية داخلية قوية ضد خطاب التكفير والإقصاء، مؤكداً أن ممارسات الجماعات المتطرفة هي انحراف عن المقاصد الأساسية للإسلام وخرق للعهود التاريخية التي أقامها.

على القادة الدينيين والعلماء تجاوز مرحلة البيانات، وتطوير خطاب وعظي يستند صراحة إلى "صحيفة المدينة" ومقاصد الشريعة في دعوته للتعايش، ومواجهة الخطاب المتطرف

التحدي الجوهري هو فجوة التنفيذ بين النص والسياسة. وهنا يكمن التحدي الأكبر الذي يجب أن يهم صنّاع القرار والأكاديميين: كيف ننتقل من بلاغة النص إلى ميكانيزمات التطبيق؟ غرفة الصلاة في المكتبة الرسولية هي مثال حي على هذه الترجمة العملية.

إن نجاح وثيقة “في عصرنا” النسبي لم يأتِ من النص نفسه، بل من البُنى والمؤسسات التي عملت على تفعيله لعقود. الفاتيكان أنشأ مجامع للحوار مثل المجلس الحبري للحوار بين الأديان، وأدرجت الكنائس المحلية مضامين الوثيقة في مناهجها التعليمية والوعظية. دولياً، أصبحت الوثيقة مرجعاً في العلاقات الدبلوماسية للكرسي الرسولي، مما سهّل حوارات مسيحية–يهودية–إسلامية على أعلى مستوى. غرفة الصلاة للمسلمين اليوم هي ثمرة متأخرة لهذا المسار المؤسسي، تجسّد مبدأ الاعتراف بالآخر في أبسط تجلياته الإنسانية.

على هذا النحو، يقدّم “بيت العائلة الإبراهيمية” في أبوظبي نموذجاً ريادياً لتفعيل روح “إعلان مراكش” على أرض الواقع. أقامت الإمارات صرحاً مادياً يجسّد فكرة “المواطنة المتساوية” والشراكة المجتمعية بين أتباع الديانات الإبراهيمية تحت مظلة دولة واحدة. هذا المشروع—الذي يضم مسجد الإمام الطيب، وكنيسة القديس فرنسيس، وكنيس موسى بن ميمون—ليس مجرد مبانٍ متجاورة، بل هو بيان معماري وسياسي وثقافي موحّد. إنه يجسّد المنهج الذي حاربت به الإمارات الإسلام السياسي المتطرف: ليس فقط بالمواجهة الأمنية، بل باحتلال ساحة القيم ونشر ثقافة التسامح كبديل فكري وحضاري.

هذا هو الدرس الأساسي لإعلان مراكش. فقيمته الرمزية كبيرة، لكن تأثيره الميداني مرهون بجملة من الإجراءات:

الإرادة التشريعية: يجب على الحكومات في الدول ذات الأغلبية المسلمة مراجعة تشريعاتها الخاصة بحرية الدين والمعتقد، ومواءمتها مع روح الإعلان. يشمل ذلك قوانين الأحوال الشخصية للأقليات، وقوانين بناء دور العبادة، وقوانين مكافحة خطاب الكراهية.

إصلاح المناهج التعليمية: لا يكفي أن يوقّع العلماء على الإعلان، بل يجب أن تدخل مضامينه، المبنية على صحيفة المدينة ومقاصد الشريعة، إلى قلب المناهج الدراسية في المدارس والجامعات الدينية، لتحلّ محل النصوص التفسيرية التاريخية التي قد تحمل إجحافاً.

"بيت العائلة الإبراهيمية" في أبوظبي يعد نموذجاً ريادياً لتفعيل روح "إعلان مراكش" على أرض الواقع. أقامت الإمارات صرحاً مادياً يجسّد فكرة "المواطنة المتساوية" بين أتباع الديانات الإبراهيمية تحت مظلة دولة واحدة

التمكين الاقتصادي والاجتماعي: حماية الأقليات لا تقتصر على حماية معابدها، بل تشمل ضمان تكافؤ الفرص في الوظائف العامة، والتمثيل السياسي العادل، والمشاركة الكاملة في النسيج الاقتصادي للبلاد.

دور وسائل الإعلام: تشجيع إنتاج محتوى إعلامي وثقافي يبرز نماذج التعايش التاريخية والحديثة، ويكافح الصور النمطية السلبية.

لقد قدّمت وثيقة “في عصرنا” وإعلان مراكش للإنسانية درسًا مهمًا: الأديان قادرة على مراجعة ذاتها عندما تصل إلى حافة الهاوية. لكن هذه المراجعات تبقى ناقصة إذا لم تتحول إلى سياسات ملموسة. غرفة الصلاة في الفاتيكان و”بيت العائلة الإبراهيمية” في أبوظبي هما شاهدان على أن الترجمة العملية ممكنة، من خلال خطوات صغيرة متكررة تُكرّس ثقافة جديدة.

لذلك، نرى ضرورة اعتبار إعلان مراكش و”بيت العائلة الإبراهيمية” إطارًا استراتيجيًا لصناعة السياسات، وندعو إلى تشكيل لجان وطنية، خاصة في الدول ذات التنوع الديني، مهمتها رصد أوضاع الأقليات واقتراح تشريعات تُحوّل مبادئ الإعلان إلى قوانين نافذة.

وعلى المؤسسات الأكاديمية والبحثية دراسة مسار وثيقة “في عصرنا” و”بيت العائلة الإبراهيمية” كنماذج لتحوّل الخطاب الديني إلى ممارسة مؤسساتية. وندعو مراكز الفكر والجامعات إلى عقد مقارنات معمّقة بين هذه النماذج، وتقييم أثرها بعد سنوات من صدورها، وتقديم مؤشرات قياس للتقدم المُحرز.

على القادة الدينيين والعلماء تجاوز مرحلة البيانات، وتطوير خطاب وعظي يستند صراحة إلى “صحيفة المدينة” ومقاصد الشريعة في دعوته للتعايش، ومواجهة الخطاب المتطرف ليس أمنيًا فقط، بل دينيًا وفقهيًا.

إن الانتقال من “أبوظبي” إلى “مراكش”، مرورًا بـ”روما”، يُمثّل مسارًا تطوريًا لفكرة التعايش. والانتقال من “مراكش” إلى المستقبل، مرورًا بغرفة صلاة في مكتبة الفاتيكان وصرح تعايش في أبوظبي، يتطلب جهدًا جماعيًا يتحمّل فيه السياسي مسؤوليته في التشريع، والعالم مسؤوليته في التفسير، والأكاديمي مسؤوليته في البحث والنقد. فقط عندها نكون قد استفدنا من الدرس الذي قدّمته لنا هذه الوثائق والمشاريع العظيمة.

6