مصر لا تبحث عن توازن… مصر تصنعه

مصر ليست دولة تُضاف إلى قائمة الوسطاء، مصر إذا دخلت هذا الموقع يجب أن تعيد تعريفه بالكامل.
الجمعة 2026/05/08
المعادلة التي تُبنى حولها التوازنات

مرّ أكثر من شهرين على الحرب، وهذا زمن كافٍ لاختبار كل الأفكار التي طُرحت بوصفها حقائق راسخة، ما قيل عن “توازن” تصنعه إيران سقط أمام الوقائع، الاشتباك الإيراني مع الإمارات العربية المتحدة ودول الخليج العربية كشف أن ما يُقدَّم كتوازن لا ينتج استقرارًا، وإنما يفتح مساحات جديدة للفوضى ويضغط على أمن المنطقة وممراتها الحيوية، السؤال هنا لا يُطرح على طهران، بل على من يصرّ داخل العالم العربي على إعادة تدوير هذه السردية، ومنهم شخصيات بحجم عمرو موسى والتيار الذي يرى أن وجود إيران ضرورة لمعادلة إسرائيل، هذا الطرح لا يختبر قوة إيران، وإنما يختبر مكانة مصر نفسها.

مصر التي أعادت تعريف الأمن القومي العربي بعد حرب السويس عام 1956 لم تكن يومًا بحاجة إلى وسيط يوازن عنها، كانت هي المعادلة، كانت المركز الذي تُبنى حوله التوازنات، لا الذي يُستكمل بها، الإصرار على استدعاء إيران كعامل توازن يعني القبول الضمني بتراجع هذا الدور، هذه ليست مجرد قراءة خاطئة للمشهد، وإنما أزمة في تعريف الذات السياسية العربية، وأزمة أعمق في فهم معنى الدولة المركزية في الشرق الأوسط.

ولفهم عمق هذا الدور، يكفي أن نعود إلى لحظة تأسيسية لا تزال حاضرة في الوعي العربي، وخاصة في عدن، مصر الناصرية لم تكن مجرد دولة تواجه استعمارًا، كانت دولة تعيد رسم خرائط المنطقة، بعد 1956، لم تكتفِ بإسقاط معادلة الهيمنة الغربية، وإنما دعمت مسارات التحرر في الجنوب العربي، ودفعت بريطانيا إلى تسريع الجلاء، ما مهّد لإعلان الاستقلال الوطني الأول في 1967، تلك اللحظة لم تكن حدثًا محليًا عابرًا، كانت لحظة تأسيس لخرائط سياسية لا تزال قائمة حتى اليوم في شبه الجزيرة العربية.

هذه الحرب لن تكون عابرة فما يجري اليوم يرسم ملامح مئة عام قادمة وما يُتخذ من قرارات الآن ستجني نتائجه أجيال كاملة المسألة لم تعد خيارًا تكتيكيًا

جمال عبدالناصر نفسه كان يدرك أن قوة مصر لا تُقاس فقط بحدودها، وإنما بقدرتها على التأثير في المجال العربي كله، حين قال: “ما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة”، لم يكن يتحدث فقط عن مواجهة عسكرية، وإنما عن فكرة الدولة القادرة على فرض حضورها وعدم القبول بالتراجع أو الارتهان لمعادلات يصنعها الآخرون، لهذا تحولت مصر في عهده إلى مركز ثقل حقيقي، حتى لدى خصومها، لم تكن القاهرة تبحث عن مكان داخل المشهد، كانت هي المشهد نفسه.

ما صنعته مصر في ذلك الزمن لم يكن ظرفيًا، وإنما ممتدًا في أثره حتى اليوم، ولهذا تبدو المفارقة قاسية حين تتحول القاهرة في اللحظة الراهنة إلى جزء من شبكة وساطات مزدحمة، تتقاطع فيها أدوار باكستان وتركيا والسعودية، دون أن يظهر الثقل المصري بوصفه مركزًا مستقلًا يقود المسار، مصر ليست دولة تُضاف إلى قائمة الوسطاء، مصر إذا دخلت هذا الموقع يجب أن تعيد تعريفه بالكامل، الوساطة بالنسبة لها ليست وظيفة دبلوماسية، وإنما امتداد مباشر لمفهوم الأمن القومي.

يمكن لمصر أن تكون وسيطًا، هذه ليست المشكلة، الإشكال الحقيقي في شكل هذه الوساطة، الوسيط الذي يتحرك تحت عباءة الآخرين يفقد قدرته على التأثير، الوسيط الذي يتحرك بشخصيته المستقلة يفرض شروط المسار ويعيد صياغة قواعد اللعبة، الفارق ليس في الأدوات، وإنما في الإرادة السياسية.

أنور السادات فهم هذه الحقيقة بطريقته الخاصة أيضًا، الرجل الذي خاض حرب أكتوبر 1973 ثم ذهب إلى السلام كان يتحرك من منطق الدولة التي تريد استعادة موقعها لا من منطق الدولة الباحثة عن دور رمزي، السادات قال ذات يوم: “إن 99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا”، وهي جملة كثيرًا ما أسيء فهمها، لم تكن إعلان استسلام، وإنما قراءة باردة لطبيعة النظام الدولي، ومحاولة لنقل مصر من مربع الشعارات إلى مربع التأثير الفعلي، حتى قراراته الأكثر جدلًا كانت نابعة من إدراك أن الدولة الكبيرة لا تستطيع أن تعيش على الهامش.

المشكلة الآن أن بعض النخب العربية تتعامل مع إيران بوصفها “ضرورة توازن” في مواجهة إسرائيل، وكأن العالم العربي فقد ثقته بنفسه إلى هذا الحد، هذه الفكرة لا تعكس قوة إيران بقدر ما تعكس حجم التراجع في مفهوم الدور العربي التقليدي،  الرهان على طهران باعتبارها مركز توازن إقليمي يعني عمليًا الاعتراف بأن القاهرة لم تعد قادرة على لعب دورها التاريخي، وأن النظام العربي بات بحاجة إلى قوة غير عربية لضبط الإيقاع.

الدول الكبرى لا تنتظر مكانها ولا تُمنح أدوارًا وإنما تذهب لتأخذ موقعها، هذا ما فعلته مصر في لحظاتها الكبرى وهذا ما تحتاج إلى استعادته اليوم

الحرب الحالية قدّمت اختبارًا صريحًا لهذه الفكرة، إيران لم تنتج توازنًا، ولم تمنع صراعًا، ولم تُقدّم نموذجًا للاستقرار، على العكس، الاشتباك حول مضيق هرمز كشف كيف يمكن لمشروع أيديولوجي مسلح أن يتحول إلى تهديد مباشر للاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والممرات البحرية، من يتمسّك بفكرة “التوازن الإيراني” بعد كل ما جرى، يتجاهل الوقائع أو يهرب منها.

يقابل ذلك الأدوار الأخرى ليست محايدة كما تبدو، باكستان تتحرك داخل شبكة علاقات معقدة مع طهران، وتركيا تتحرك وفق حساباتها الخاصة، والسعودية ما تزال تدير المشهد بمنطق الاحتواء والاسترضاء وإدارة الأزمات لا بمنطق إعادة تعريف النظام الإقليمي، هذا ما يفتح المجال أمام سؤال أكبر هو لماذا تترك مصر هذا الفراغ؟ ولماذا تقبل أن تتحول إلى جزء من مشهد تقوده أطراف أقل وزنًا منها تاريخيًا وسياسيًا؟.

اللحظة الحالية تفرض إعادة تعريف شاملة للموقع المصري، مصر ليست في مواجهة إيران، وليست في حالة اشتباك مع إسرائيل، مصر في موقع مختلف تمامًا، موقع الدولة التي تصنع المسار، لا الدولة التي تبحث عن توازن داخل مسار صنعه الآخرون، هذا الفارق هو ما يحدد إن كانت القاهرة فاعلًا أو متلقيًا.

هذه الحرب لن تكون عابرة فما يجري اليوم يرسم ملامح مئة عام قادمة، وما يُتخذ من قرارات الآن ستجني نتائجه أجيال كاملة، المسألة لم تعد خيارًا تكتيكيًا، وإنما قرار استراتيجي يحدد موقع مصر في النظام الإقليمي الجديد.

إما أن تكون مصر في المقدمة، مركز ثقل يصنع المعادلة ويحدد اتجاهها، أو تبقى داخل المنطقة الرمادية، تبحث عن دور بين أدوار الآخرين، الدول الكبرى لا تنتظر مكانها، ولا تُمنح أدوارًا، وإنما تذهب لتأخذ موقعها، هذا ما فعلته مصر في لحظاتها الكبرى، وهذا ما تحتاج إلى استعادته اليوم.

التاريخ واضح، ومصر تعرفه جيدًا، حين تكون مصر نفسها، لا تبحث عن توازن .. بل تصنعه.

6