مشكلة صنعتها التكنولوجيا، حلها مزيد من التكنولوجيا
ثمة مفارقة كامنة في قلب تطبيق نوسكرول الذي أطلقته مؤخراً شركة ناشئة في نيويورك: المشكلة التي يسعى إلى حلها هي في جزء منها مشكلة صنعتها التكنولوجيا، والحل الذي يقترحه هو مزيد من التكنولوجيا. الفكرة في جوهرها بسيطة ومغرية: بدلاً من أن تُمضي ساعات في تصفح منصات التواصل الاجتماعي بحثاً عما يستحق القراءة في خضم ما لا يستحقها، يتصفح عنك وكيل ذكاء اصطناعي ويرسل إليك رسالة نصية حين يعثر على ما يستحق اهتمامك. “لا منشورات كثيرة، لا إرهاق عقليا، لا غضب، فقط إشارة” -هكذا يُعلن التطبيق عن نفسه، وهو شعار يُخاطب إرهاقاً حقيقياً يعانيه الملايين من مستخدمي منصات التواصل كل يوم.
مؤسس التطبيق ندال هولاندر لم يأتِ بفكرته من فراغ نظري، بل من تجربة شخصية يُشاركه فيها الملايين من الأشخاص: قضاء وقت طويل على منصة إكس لتصفح كميات هائلة من المحتوى الذي يتراوح بين المزعج والتافه والسام بحثاً عما هو مفيد ومهم، ثم الإحساس في نهاية الجلسة بشيء يُشبه الوجبات السريعة -اكتظاظ بلا اكتفاء. وهذا الإحساس موثق علمياً وليس مجرد انطباع: الخوارزميات صُممت أصلاً لتعظيم وقت المشاهدة لا لتعظيم جودة ما تُشاهده، وما يُحرّك الخوارزمية هو التفاعل الانفعالي -الغضب والدهشة والخوف- لا القيمة المعلوماتية للمحتوى. وفي هذا السياق يعترف نوسكرول ضمنياً بأن هذه المنصات باتت تحتاج وسيطاً يحمي المستخدم منها.
حين تفوّض إلى الذكاء الاصطناعي مهمة تصفية ما تقرأ وفق ما تعتقد أنك تريده، تُضيّق بوعي تام نافذتك على العالم
لكن هذا الاعتراف بالذات يفتح أسئلة أعمق مما تُجيب عنه الشركة في موادها الترويجية. فالسؤال الأول هو: من يُحدد ما يستحق اهتمامك؟ التطبيق يعمل على أساس تفضيلاتك السابقة، ومتابعاتك الحالية، والموضوعات التي تُخبره بها. وهذه المعطيات تعكس ما أنت عليه الآن؛ ما كنت تقرأه، وما كنت تتابعه، وما كان يستوقفك حتى اليوم. لكن قيمة الصدفة في التصفح الحر كانت دائماً أنك تعثر على ما لا تعلم أنك تحتاجه، تقرأ رأياً يتحدى ما تؤمن به، تقع على معلومة تغير إطار رؤيتك لموضوع تظن أنك تعرفه. وكيل الذكاء الاصطناعي لن يُرسل لك ما لا تعرف أنك تريده، لأنه لا يعرف ما لا تعرفه. إنه يُحسّن ما تريد لا يُوسّع ما تريد.
السؤال الثاني مرتبط بالفقاعة المعلوماتية. خوارزميات التوصية التي تعمل بها منصات التواصل الاجتماعي اليوم متهمة منذ سنوات بتضخيم فقاعات الصدى، تلك الحالة التي يرى فيها المستخدم محتوى يُعزز ما يؤمن به ونادراً ما يعرضه لوجهات نظر مختلفة. ونوسكرول، حتى لو تجاوز هذه الخوارزمية، يُعيد بناء نسخة منها مُعدَّلة على مزاجك الشخصي، لأنك أنت من تُخبره بما تريد متابعته. الفارق أن فقاعة الصدى القديمة بنتها الخوارزمية بناءً على سلوكك الضمني، أما الجديدة فتبنيها أنت بنفسك بشكل صريح ومقصود. وهذا لا يُلغي الإشكالية بل يجعلها أعمق: لأنك حين تفوّض إلى الذكاء الاصطناعي مهمة تصفية ما تقرأ وفق ما تعتقد أنك تريده، تُضيّق بوعي تام نافذتك على العالم.
الإشكالية الثالثة أكثر جذرية وتتعلق بطبيعة الاهتمام البشري ذاته. ما يجعل القراءة تجربة إنسانية ثرية ليس فقط المعلومة التي تصل في نهايتها، بل المسار الذي تسلكه للوصول إليها: الارتباك أمام رأي مختلف، التوقف عند صورة تستوقفك دون أن تعرف لماذا، قراءة تعليق يثير تساؤلاً لم يكن موجوداً عندك قبل ثوانٍ. هذا المسار هو حيث تتشكّل المعرفة الحقيقية لا في الخلاصة المُقطّرة التي تصلك في رسالة نصية. حين يُقرر الذكاء الاصطناعي ما يستحق أن تراه، فإنه لا يُوفّر وقتك فحسب، بل يُقرر نيابة عنك ما يستحق الاهتمام في العالم؛ وهذا نقل للسلطة المعرفية من الإنسان إلى الآلة يستحق التأمل قبل الترحيب.
التطبيق الذي يُعيد للمستخدم شيئا من السيطرة على ما يدخل إلى ذهنه ليس فكرة تافهة، حتى لو كانت إشكالية
ومع ذلك، يجب الإقرار بأن نوسكرول يعالج مشكلة حقيقية لا يصح تجاهلها. فالإرهاق المعلوماتي ظاهرة موثقة تُنتج أضراراً نفسية وإدراكية حقيقية. الدراسات تُشير إلى أن متوسط وقت الانتباه البشري تراجع بصورة ملموسة في العقد الأخير، وأن الاستهلاك المفرط لمحتوى منصات التواصل يرتبط ارتباطا وثيقا بتراجع القدرة على التركيز وارتفاع مستويات القلق. وحين يصف هولاندر تجربته على منصة إكس بأنها “سامة ثقافياً” و”مزعجة للغاية”، فإن الملايين الذين يعودون إلى هواتفهم كل بضع دقائق دون قرار واعٍ يفهمون تماماً ما يقصده. والتطبيق الذي يُعيد للمستخدم شيئاً من السيطرة على ما يدخل إلى ذهنه ليس فكرة تافهة حتى لو كانت إشكالية.
المسألة الجوهرية إذن لا تكمن في ما إذا كانت أدوات كنوسكرول مفيدة أم ضارة بشكل مطلق، بل في كيفية استخدامها وبأي وعي. التطبيق كأداة يمكن أن يُوفر وقتاً ثميناً ويُصفي ضجيجاً حقيقياً ويُتيح للمستخدم استهلاك المعلومات بطريقة أقل استنزافاً. لكنه يمكن في الوقت ذاته أن يُرسّخ جهلاً مُنظّماً، إذا تحوّل من أداة لتصفية الضجيج إلى بوابة وحيدة يمر عبرها كل ما يصل إليك من العالم. والفارق بين الاثنين ليس في التطبيق بل في مستخدمه: هل يستخدمه كمرشح يُوفر الوقت بينما يظل مُدركاً لما يُقرره الذكاء الاصطناعي نيابة عنه، أم يُسلّم إليه قراره المعرفي بالكامل؟
ثمة سؤال أخير يطرحه نوسكرول دون أن يقصد: ماذا يعني أن تصبح منصات التواصل الاجتماعي سامة إلى درجة أنها تدفع المستخدمين إلى بناء أدوات ذكاء اصطناعي لحماية أنفسهم منها؟ الإجابة الصادقة هي أن هذه المنصات لم تُصمَّم أصلاً لخدمة مستخدميها بل لخدمة معلنيها، وأن نموذج الاقتصاد الانتباهي الذي تقوم عليه يجعل من الضرورة بالمعنى الهندسي أن يكون المحتوى مُستفزاً ومُعرقلاً للتفكير الهادئ. وإذا كانت المشكلة في بنية المنصات لا في طريقة استخدامنا لها، فإن الحل الفردي -مهما كان ذكيا- يعالج الأعراض لا المرض. نوسكرول يُعطيك طريقة أقل ألماً للتعامل مع ظاهرة يجب أن تُعاد هيكلتها، لا مجرد التكيف معها.
التطبيق الجديد ليس بدعة شريرة ولا إنقاذاً ذكياً. إنه علامة على عصر بات فيه الإنسان محتاجاً إلى وسيط يحميه من البيئة الرقمية التي صنعها بنفسه. وهذه الحاجة وحدها تستحق وقفة تأملية قبل أن نُثبّت التطبيق على هاتفنا ونُفوّض إلى الذكاء الاصطناعي مهمة رسم حدود ما نعرفه عن العالم.