مجلة "بوليغلوت"… مشروع ثقافي يعبر اللغات ويؤسس لحوار الحضارات

المجلة تطلق رؤية حضارية تزاوج بين الإبداع الأدبي والبحث الفكري، جاعلة من التعدد اللغوي والقضية الفلسطينية جوهر رسالتها الإنسانية.
الثلاثاء 2026/07/07
مشروع ثقافي يؤمن بأن الإبداع ملك للإنسانية جمعاء

في زمنٍ تتزايد فيه الحاجة إلى تعزيز الحوار الثقافي والتقارب بين الشعوب، تبرز المجلات الثقافية بوصفها أكثر من مجرد منصات للنشر؛ إذ تغدو فضاءاتٍ لإنتاج المعرفة وصياغة الوعي ومدّ جسور التواصل بين اللغات والثقافات. ومن هذا الأفق تنطلق مجلة “بوليغلوت” (POLYGLOTTE)، الصادرة في باريس عن منشورات “بوليغلوت”، حاملةً مشروعًا ثقافيًا يجعل من التعدد اللغوي والانفتاح الحضاري جوهر رؤيته، ومن الإبداع لغةً إنسانية مشتركة تتجاوز الحدود الجغرافية والحواجز اللغوية.

يسيّر هذا المشروع الشاعر والرسام والمسرحي ناصر الدين بوشقيف، الذي ينظر إلى الثقافة باعتبارها رسالة إنسانية قبل أن تكون نشاطًا إبداعيًا. فمن خلال تجربته المتنوعة في الشعر والفن التشكيلي والمسرح، سعى إلى بناء مشروع يزاوج بين الفنون المختلفة، انطلاقًا من إيمانه بأن الإبداع، على اختلاف أشكاله، قادر على مساءلة الواقع والتعبير عن قضايا الإنسان، وترسيخ قيم الحوار والانفتاح.

القضية الفلسطينية

تحتل القضية الفلسطينية موقعًا محوريًا في رؤية بوشقيف الثقافية، لا باعتبارها شأنًا سياسيًا فحسب، وإنما بوصفها قضية إنسانية تمس الضمير العالمي؛ ولذلك تتردد في نصوصه ولوحاته وأنشطته الثقافية رمزًا للحرية والكرامة والعدالة، وهو حضور ينعكس بوضوح في توجهات المجلة واختياراتها الفكرية والأدبية.

ويأتي العدد الثالث من مجلة “بوليغلوت”، الصادر للفترة الممتدة من مايو إلى أكتوبر 2026، في نحو أربعمئة صفحة، ليؤكد نضج هذا المشروع واستمراره. فالعدد، بما يضمه من نصوص أدبية ودراسات نقدية وبحوث فكرية ومواد فنية، يبدو أقرب إلى كتاب ثقافي متكامل منه إلى مجلة دورية بالمعنى التقليدي، وهو ما يمنحه قيمة توثيقية ومعرفية تتجاوز الطابع الإخباري أو الموسمي.

البنية العامة لهذا العدد تكشف عن مشروع متكامل يزاوج بين الإبداع والبحث الأكاديمي وبين الأدب والفنون والفكر

للإشارة فإن اسم المجلة، المشتق من الكلمة الفرنسية Polyglotte، دلالة تتجاوز مفهوم التعدد اللغوي إلى رؤية ثقافية ترى في كل لغة نافذة على العالم، وفي كل ترجمة لقاءً بين حضارتين. ومن هذا المنطلق أولت المجلة الترجمة مكانة مركزية، باعتبارها أداة لتبادل الخبرات وتوسيع آفاق المعرفة، ووسيلة لإيصال الإبداع إلى قراء ينتمون إلى فضاءات ثقافية متعددة.

تتجلى هذه الرؤية بوضوح في الملف الشعري الذي يزخر به العدد، حيث يضم قصائد كُتبت بالفرنسية أو تُرجمت إليها من العربية ولغات أخرى. ولا يكتفي الملف بعرض تجارب شعرية متنوعة، بل يؤكد أن القصيدة تمتلك قدرة فريدة على تجاوز الحدود اللغوية والجغرافية، لتصبح مساحة مشتركة للتجربة الإنسانية. فالترجمة هنا ليست نقلًا حرفيًا للنص، بل إعادة خلقه في لغة جديدة، مع الحفاظ على روحه وجمالياته.

وفي هذا السياق تحضر القضية الفلسطينية في عدد من النصوص الشعرية بوصفها قضية إنسانية وأخلاقية، يستحضرها الشعراء دفاعًا عن قيم الحرية والعدالة والكرامة، في تأكيد على أن الأدب يظل أحد أكثر أشكال التعبير قدرة على مقاومة النسيان وصون الذاكرة الإنسانية.

مشروع ثقافي

لا يتوقف ثراء العدد عند الجانب الإبداعي، بل يمتد إلى الدراسات الفكرية والنقدية التي تمنحه بعدًا أكاديميًا واضحًا. ومن أبرزها الدراسة المعنونة بـ”الشعر في ضيافة الفلسفة: تساؤلات حول الحدود وإمكانية اللقاء – تجربة المبدعة نعيمة فنّو نموذجًا نقديًا” للناقد والأكاديمي محمد نفاد، الذي حلّل العلاقة بين الشعر والفلسفة، مبيّنا أن المجالين يلتقيان في مساءلة الوجود والبحث عن المعنى، رغم اختلاف أدواتهما التعبيرية. وتخلص الدراسة إلى أن الشعر يمثل شكلًا من أشكال التفكير، وأن الفلسفة لا تنفصل عن الخيال بوصفه أفقًا لإنتاج المعرفة.

كما يضم العدد دراسة بعنوان “أفكار حول الفن المفاهيمي” لناصر الدين بوشقيف، تتناول أحد أبرز اتجاهات الفن المعاصر الذي يجعل الفكرة أساس العمل الفني قبل الشكل أو التقنية، مؤكدة أن قيمة الفن لا تُقاس بجمالياته البصرية وحدها، وإنما بقدرته على إثارة الأسئلة وتحفيز التفكير وإعادة النظر في المسلمات.

فضاء معرفي يتجاوز الحدود
فضاء معرفي يتجاوز الحدود

كما يمتد انفتاح المجلة إلى فنون أخرى، وفي مقدمتها المسرح، من خلال باب يضم نصوصًا ودراسات باللغة الفرنسية، بعضها مترجم، إلى جانب أبواب مثل “نظرات على الشعر من هنا وهناك” و”سينما… الهنا والآخر”، بما يعكس حرص هيئة التحرير على تقديم مشهد ثقافي متنوع يجمع بين الأدب والفكر والفنون، ويؤكد أن الحوار مع الآخر هو السبيل الأعمق لفهم الذات وتوسيع آفاق الوعي.

تكشف البنية العامة لهذا العدد عن مشروع تحريري متكامل يزاوج بين الإبداع والبحث الأكاديمي، وبين الأدب والفنون والفكر، في رؤية تجعل الثقافة فعلًا إنسانيًا عابرًا للحدود. ومن ثم لا تبدو “بوليغلوت” مجرد مجلة ثقافية، بل مشروعًا حضاريًا يسعى إلى ترسيخ ثقافة الحوار، وإحياء دور الترجمة بوصفها جسرًا بين الشعوب، وتعزيز حضور الأدب والفنون باعتبارها أدوات للتقارب الإنساني.

يؤكد هذا العدد، بما يزخر به من تنوع وثراء، أن “بوليغلوت” تمضي بثبات في ترسيخ مشروع ثقافي يؤمن بأن الإبداع ملك للإنسانية جمعاء، وأن الكلمة الصادقة، والقصيدة، واللوحة، والدراسة الرصينة، قادرة على بناء جسور التفاهم بين الثقافات، والإسهام في صياغة فضاء إنساني أكثر انفتاحًا وعدلًا وتسامحًا.

8