ماذا لو اختفت الموسيقى من العالم؟
ماذا لو استيقظنا غدا على عالم اختفت منه الموسيقى تماما؟ تخيل أنك تستيقظ صباحا، ولا تجد شيئا من حولك يصدر موسيقاه الخاصة، لا البحر ولا العصافير ولا المذياع ولا “البلاي ليست” الخاصة بك في هاتفك، ولا حتى شيخ الحي الذي اعتدت سماعه يرتل القرآن بمكبر المسجد، ولا ترنيمات والدتك أو زوجتك وهي تعد فطور الصباح، ولا مزمار السيارات ولا حتى أغنيات فنانك المفضل. لا شيء سوى صمت مطبق. كيف سيكون شكل هذا العالم؟
للوهلة الأولى قد يبدو الأمر بسيطا. سيقول البعض إن الهدوء جميل، إن الموسيقى مجرد وسيلة للترفيه، وإن الحياة ستستمر بشكل طبيعي في غيابها. المتشددون الدينيون سيفرحون لأنهم تخلصوا من “المزامير“، سنذهب إلى أعمالنا، وسننجز مهامنا، وستدور عجلة العالم كما اعتادت أن تفعل. لكن بعد ساعات قليلة فقط سنبدأ في اكتشاف حجم الفراغ الذي تركته الموسيقى.
سنكتشف أن الموسيقى ليست شيئا نسمعه فقط، بل هي الحياة التي نعيشها. إنها الخلفية الخفية لأيامنا، ترافقنا في الطريق إلى العمل، وفي لحظات الدراسة، وفي النوادي الرياضية، وفي المقاهي، وفي القرآن الذي نتعلم ترتيله، ترافقنا حتى في لحظات الوحدة والحزن.
في غيابها، سيصبح الصمت أثقل مما نتخيل، سنرى الأمهات يهززن أسرّة أطفالهن في صمت مطبق. ستختفي الهدهدة وأغاني المهد التي كانت تحفز الصغير على النوم بأمان، سيكبر الأطفال بعقول حادة، وبخيال جاف، وروح قاسية، حيث لا توجد أناشيد مدرسية تعلمهم حب الوطن ولا أناشيد دينية تذكرهم بقصص الأنبياء والرسل.
سنشاهد الأفلام وكأن قلبها قد انتُزع. حتى الطقوس اليومية والمناسبات الاجتماعية ستفقد بهجتها. ستصبح حفلات الزفاف أشبه باجتماعات عمل رسمية، وستبدو المهرجانات والاحتفالات الوطنية باهتة ومجردة من الحماس.
سندرك أن الموسيقى هي الخيط الخفي الذي يربط قلوبنا في اللحظات المشتركة، وغيابها يعني تمزيق هذا الخيط، يعني أن قلب الحياة توقف عن النبض.
الموسيقى ليست مجرد فن إنما وجدت من قبل الإنسان ليعبر بها عن الحياة، إنها ذاكرة الشعوب والأفراد. لكل واحد منا أغنية تذكره بشخص معين، أو مدينة معينة، أو مرحلة معينة من حياته. حين نسمع النغمات الأولى تعود السنوات كلها دفعة واحدة. لذلك فإن اختفاء الموسيقى ليوم واحد سيكون أشبه باختفاء جزء من أرشيفنا العاطفي.
ربما سنفهم آنذاك الفكرة التي تقول إن البشر لم يخترعوا الموسيقى للترفيه فقط، بل لمواجهة أشياء أكبر بكثير، منها الوحدة والخوف والحزن، وحتى الموت. فمنذ آلاف السنين غنى الناس في الأفراح كما غنوا في الجنائز. غنوا في الحروب، وفي الحقول، وفي السفن، وفي المعابد. وكأن الموسيقى كانت دائما محاولة إنسانية لإضفاء معنى على الفوضى والعدم والخوف من الحياة.
المفارقة أن اختفاء الموسيقى قد يجعلنا نسمع أصواتا أخرى كنا نتجاهلها: ضجيج الأفكار والمخاوف داخل رؤوسنا. ربما لهذا السبب بالذات نلجأ إلى الموسيقى كثيرا، لتجعلنا أكثر قدرة على احتمال الصمت وضجيج الأفكار.
بغياب الموسيقى سنكتشف أن ما اعتبرناه أمرا عاديا كان في الحقيقة إحدى أعظم النعم الإنسانية، فالموسيقى ليست مجرد أصوات مرتبة في إيقاع جميل، بل لغة عالمية اخترعها البشر ليقولوا بها ما تعجز الكلمات عن قوله.
نحن الآن لا ندرك قيمة الموسيقى لأنها لم تغادرنا يوما، ولأنها تخضع لمعايير تسويقية تضر بها أكثر مما تنفع، وربما لو اختفت ليوم واحد فقط، لأدركنا أنها ليست زينة للحياة، بل جزء من الحياة نفسها. جرب بنفسك، اسجن نفسك في دوامة العمل والأفكار وروتينك اليومي وأفرغ حياتك من الموسيقى وكل منافذها إليك وصف لي أي حال نفسي ستكون عليه، الأكيد أنك ستصدم من كم التوتر والعنف والغضب والضغط النفسي الذي سيصيبك.
علميا، تعد الموسيقى محفزا طبيعيا لهرمونات السعادة مثل الدوبامين والسيروتونين. وباختفائها قد نشهد ارتفاعا ملحوظا في معدلات القلق والاكتئاب العالمي. سنفقد جرعة المهدئ السحرية التي نلجأ إليها بعد يوم عمل شاق، أو تلك الألحان التي تواسينا في لحظات الانكسار. سنفقد لحظات استمتاعنا الخاص، سنقرأ كتبنا دون لحن يرافقنا في الخلفية.
على الصعيد العملي ستتأثر الإنتاجية بشكل مباشر، فالموسيقى رفيقة ملايين البشر للتركيز أثناء الدراسة، أو لزيادة الحماس أثناء ممارسة الرياضة، أو حتى لتسهيل الأعمال اليدوية واليومية الروتينية. غياب الإيقاع سيجعل الوقت يمر ببطء شديد، وستتحول المهام اليومية إلى أعباء ثقيلة ومملة.
والموسيقى تعد أيضا اللغة الوحيدة التي تفهمها كل الشعوب دون ترجمة، واختفاؤها يعني خسارة أداة جبارة للتواصل بين الثقافات. دونها، ستزداد الجدران بين الحضارات سمكا وسينغلق كل مجتمع على لغته المنطوقة فقط.
ربما ستزدهر الفنون البصرية والشعر لتعويض الفراغ السمعي، لكن يوما تلو الآخر سيعيد البشر اختراع الإيقاع من جديد، عبر التصفيق، أو الطرق المنتظم على الأسطح، أو الضرب بأرجلهم، لأن الحاجة إلى التعبير الإيقاعي تسري في عروقنا.
سر الموسيقى أنها ليست مجرد رفاهية يمكن الاستغناء عنها، إنما هي الترياق اليومي الذي يقينا من مغبة السقوط في بئر القلق والعدمية. لو اختفت الموسيقى، حتما لن يتوقف كوكب الأرض عن الدوران حول الشمس، لكن البشر سيدركون أنهم خسروا سرا كبيرا من أسرار الحياة.