ماذا تستطيع تونس أن تصبح خلال العقد المقبل؟

لقد أثبت التاريخ أن الدول تستطيع أن تلعب أدوارًا تفوق حجمها عندما تمتلك رؤية واضحة ومؤسسات فعالة ورأس مال بشريًا قادرًا على الإبداع.
الأحد 2026/07/19
تونس… من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص

هناك لحظة في تاريخ الدول يصبح فيها الحديث عن الأزمات إدمان، حتى يكاد المجتمع ينسى أن السياسة وُجدت أصلًا لصناعة المستقبل لا لإدارة التعثر. في هذه اللحظة تحديدًا، لا يكون السؤال كيف يمكن احتواء الأزمة، بل كيف يمكن التحرر من عقلية إدارتها. هذا هو السؤال الذي يقف اليوم أمام تونس.

فعلى امتداد أكثر من عقد، ظلت البلاد تتحرك داخل دائرة مغلقة من التحديات السياسية والاقتصادية والمالية، حتى بدا وكأن النقاش العام لم يعد يدور حول مشاريع التنمية، بل حول كيفية تفادي الأزمة التالية. تحولت الأولويات من الاستثمار إلى التوازنات المالية، ومن صناعة المستقبل إلى معالجة تداعيات الحاضر. ومع مرور الوقت، أصبحت إدارة الأزمة ثقافة أكثر منها ظرفًا استثنائيًا.

لكن التاريخ الاقتصادي يعلمنا أن الأمم لا تنهض عندما تختفي أزماتها، بل عندما تتوقف عن جعل تلك الأزمات مركز تفكيرها. فالدول الناجحة لا تملك دائمًا موارد أكثر من غيرها، وإنما تمتلك قدرة أكبر على تحويل نقاط الضعف إلى مصادر قوة، والقيود إلى فرص.

من السهل اختزال المشهد في نسب النمو والعجز والمديونية، لكن الصورة الأعمق تكمن في سؤال آخر: ماذا تستطيع تونس أن تصبح خلال العقد المقبل؟

صناعة الفرص لا تبدأ بالاقتصاد وحده وإنما تبدأ بطريقة الخطاب العام فالمجتمعات التي تكرر الحديث عن أزماتها تنتهي إلى تصديق أنها عاجزة عن تجاوزها

هذا السؤال يكتسب أهمية مضاعفة لأن العالم نفسه يعيش مرحلة إعادة تشكيل غير مسبوقة. فالعولمة التي عرفناها خلال العقود الماضية تتغير، وسلاسل الإمداد يعاد توزيعها، والذكاء الاصطناعي يعيد تعريف الإنتاج، والطاقة النظيفة أصبحت معيارًا للاستثمار، فيما تتحول إفريقيا إلى واحدة من أكثر مناطق العالم جذبًا لرؤوس الأموال.

وسط هذه التحولات، تونس في موقع متميز لا تملكه كثير من الدول. فهي ليست مجرد دولة متوسطية، بل نقطة التقاء بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي، وبين التجارة البحرية والاقتصاد الإفريقي الصاعد. وما كان يُنظر إليه لعقود باعتباره موقعًا جغرافيًا عاديًا، هو اليوم أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية.

فالشركات الأوروبية التي تبحث عن تقليص المسافات، وتنويع قواعد الإنتاج، والحد من مخاطر سلاسل الإمداد البعيدة، تحتاج إلى شركاء قريبين يمتلكون كفاءات بشرية وتكاليف إنتاج تنافسية واستقرارًا مؤسساتيًا. وهذه معادلة تستطيع تونس أن تدخلها بقوة.

الاقتصاد الحديث لا يُقاس بالموانئ والطرق وحدها، بل بالعقول. وهنا تكمن إحدى أهم ثروات تونس. فمنذ عقود، نجحت البلاد في بناء قاعدة تعليمية أنجبت مهندسين وأطباء وباحثين وخبراء ينتشرون اليوم في كبريات الشركات والجامعات العالمية. والمفارقة أن ما يُقدَّم عادة باعتباره مشكلة، أي هجرة الكفاءات، يحمل في داخله دليلًا على جودة رأس المال البشري التونسي. فالدول لا تستورد العقول التونسية بدافع المجاملة، بل لأنها تثق في كفاءتها.

ويبقى التحدي الحقيقي هو تحويل هذا الرصيد العلمي إلى محرك للنمو داخل البلاد. فاقتصاد المعرفة لا يحتاج إلى مناجم ضخمة ولا إلى حقول نفط هائلة، بل إلى بيئة تشجع الابتكار، وتربط الجامعات بسوق العمل، وتمنح الشباب فرصة لتحويل أفكارهم إلى مشاريع قادرة على المنافسة إقليميًا وعالميًا.

وليس من قبيل المصادفة أن الدول التي قفزت اقتصاديًا خلال العقدين الأخيرين لم تفعل ذلك عبر الصناعات التقليدية، وإنما عبر الاقتصاد الرقمي والخدمات الذكية والتكنولوجيا. وهنا تمتلك تونس فرصة قد تكون الأهم في تاريخها الاقتصادي الحديث.

الاقتصاد الحديث يقوم على سرعة القرار بقدر ما يقوم على حجم الاستثمار. والمستثمر، قبل أن يبحث عن الحوافز الضريبية، يبحث عن وضوح الرؤية، واستقرار القوانين، وسرعة الإجراءات، وقدرة المؤسسات على تنفيذ التزاماتها. والثقة، في النهاية، ليست مفهومًا معنويًا، بل أحد أهم الأصول الاقتصادية لأي دولة.

ولا يقل قطاع الطاقة المتجددة أهمية عن الاقتصاد الرقمي. فمع تسابق العالم نحو إزالة الكربون، تمتلك تونس ثروة طبيعية تتمثل في الشمس والرياح، وهما موردان لا ينضبان ويمكن أن يتحولا إلى مصدر جديد للنمو. وإذا استطاعت البلاد أن تربط مشاريع الطاقة النظيفة بالصناعة والتصدير والتعاون مع أوروبا، فإنها لن تحقق أمنًا طاقيًا فحسب، بل ستدخل نادي الاقتصادات الخضراء التي ستقود النمو العالمي خلال العقود المقبلة.

وفي السياق نفسه، تبدو السياحة بحاجة إلى إعادة تعريف، لا إلى زيادة في أعداد الزوار فقط. فالعالم لم يعد يبحث عن الشاطئ وحده، بل عن التجربة الثقافية والهوية المحلية والاقتصاد الإبداعي. وتونس تملك تاريخًا يمتد من قرطاج إلى القيروان، ومن المدن العتيقة إلى الصحراء، ومن المطبخ المتوسطي إلى الفنون والحرف التقليدية. وهذه ليست عناصر تراثية فحسب، بل أصول اقتصادية إذا أُحسن توظيفها ضمن رؤية حديثة.

من السهل اختزال المشهد في نسب النمو والعجز والمديونية، لكن الصورة الأعمق تكمن في سؤال آخر: ماذا تستطيع تونس أن تصبح خلال العقد المقبل؟

غير أن صناعة الفرص لا تبدأ بالاقتصاد وحده. المجتمعات التي تكرر الحديث عن أزماتها تنتهي إلى تصديق أنها عاجزة عن تجاوزها. أما المجتمعات التي تناقش مستقبلها أكثر مما تناقش أزماتها، فإنها تخلق مناخًا نفسيًا مختلفًا، يشجع الاستثمار والابتكار والمبادرة.

وهنا تبرز مسؤولية الإعلام، والجامعات، والقطاع الخاص، في الانتقال من خطاب إدارة الخسائر إلى خطاب بناء المكاسب. عندما يؤمن المجتمع بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل، يصبح أكثر استعدادًا للمخاطرة والاستثمار والعمل.

ولا يعني ذلك التقليل من حجم التحديات التي تواجه تونس. فالضغوط المالية قائمة، وسوق العمل يحتاج إلى تحديث، والإدارة مطالبة بمزيد من الكفاءة. لكن الفرق بين الدول الناجحة وغيرها ليس غياب المشكلات، بل طريقة التعامل معها.

إن التحول الحقيقي الذي تحتاجه تونس ليس تحولًا اقتصاديًا فحسب، بل تحول في فلسفة التنمية ذاتها. فالبلاد لم تعد بحاجة إلى الاكتفاء بإدارة العجز، بل إلى إنتاج فائض من الأفكار. ولم تعد بحاجة إلى البحث عن حلول مؤقتة، بل إلى بناء نموذج اقتصادي جديد يقوم على المعرفة والابتكار والانفتاح الإقليمي.

لقد أثبت التاريخ أن الدول الصغيرة تستطيع أن تلعب أدوارًا تفوق حجمها عندما تمتلك رؤية واضحة ومؤسسات فعالة ورأس مال بشريًا قادرًا على الإبداع. وليس ثمة ما يمنع تونس من أن تكون إحدى هذه التجارب، إذا اختارت أن تنظر إلى موقعها، وشبابها، وكفاءاتها، بوصفها استثمارات للمستقبل لا مجرد معطيات ديموغرافية.

في النهاية، الأمم ليست محكومة بأزماتها، بل بالطريقة التي تفكر بها في تجاوزها. وتونس اليوم تقف أمام فرصة نادرة للانتقال من مرحلة إدارة المخاطر إلى صناعة الإمكانات. فالعالم لا ينتظر المترددين، بل يكافئ أولئك الذين يمتلكون الشجاعة لإعادة تعريف أنفسهم. وربما يكون هذا هو التحدي الأكبر أمام تونس في السنوات المقبلة: ألّا تكتفي بالنجاة من الأزمات، بل أن تجعل من كل أزمة بداية لفرصة جديدة، ومن كل فرصة خطوة نحو مشروع وطني أكثر ثقة، وأكثر انفتاحًا، وأكثر قدرة على المنافسة في عالم لا يعترف إلا بمن يصنع مستقبله بيده.

7