ليبيا: لا جيش بلا دولة… ولا دولة تحت السلاح

الدرس واضح: المؤسسة العسكرية لا تصمد بالعدد والرتب، وإنما بالشرعية التي تخضع لها، وبالعقيدة العسكرية التي تضبطها.
الأحد 2026/08/02
ليبيا تحتاج إلى جيش موحد أكثر من أي وقت مضى

في الدول التي تحترم معنى المؤسسة العسكرية، لا تُمنح الرتبة كترضية سياسية، ولا تتحول النجوم على الكتف إلى طريق مختصر نحو النفوذ. الرتبة هناك مسار طويل من التدريب والانضباط والتدرج والخدمة. والجيش، مهما بلغت قوته، يبقى أداة من أدوات الدولة؛ يخضع لقرارها السياسي، ويحمي حدودها، ولا ينازع السلطة المدنية حقها في الحكم.

أما في ليبيا، فقد اختلطت المعاني إلى حد بات يصعب معه أحيانًا التمييز بين الضابط وقائد التشكيل، وبين المؤسسة ومركز النفوذ. صارت هناك رتب لا يعرف المواطن من أي مسار جاءت، وقيادات لا يعرف الناس لمن تدين بالولاء الحقيقي، وقوى تحمل اسم الدولة بينما تستمد حضورها من السلاح أو المال أو العائلة أو الأمر الواقع.

وإذا كان توحيد السلطة السياسية هو المدخل لإنهاء الانقسام، فإن السؤال التالي يصبح حتميًا: كيف يمكن توحيد أدوات القوة، ولأي سلطة يجب أن تخضع؟ من هنا يبدأ السؤال الذي يجب أن يسبق كل حديث عن توحيد المؤسسة العسكرية: تحت أي سلطة سياسية سيتم هذا التوحيد؟ ومن يملك حق إصدار الأمر باسم ليبيا؟ وهل نحن أمام مشروع لبناء جيش وطني، أم أمام محاولة لمنح غطاء رسمي لقوى لم تتحول بعد إلى مؤسسات وطنية؟

ليبيا تحتاج إلى جيش موحد أكثر من أي وقت مضى، لكنها تحتاج إلى جيش حقيقي، لا إلى تجميع مسلحين تحت عنوان جديد. توحيد الجيش ضرورة، لكن البدء به قبل توحيد السلطة السياسية قد يمنح الفوضى غطاءً رسميًا. فالجيش في الدولة الحقيقية يحمي السياسة ولا يصنعها، وينفذ القرار السيادي ولا يحتكره، ويحرس الحدود من دون أن يرسم مستقبل السلطة.

ليست هذه مسألة نظرية. فقد أثبتت تجارب كثيرة أن بناء الهياكل العسكرية وضخ المال والسلاح لا يصنعان مؤسسة مستقرة إذا بقيت السلطة السياسية هشة والولاءات منقسمة. وفي السودان، رأى الجميع كيف تحول ملف دمج القوات، حين غابت السلطة المدنية الواضحة والقيادة الواحدة، إلى صراع مفتوح بين مراكز قوة مسلحة. الدرس واضح: المؤسسة العسكرية لا تصمد بالعدد والرتب، وإنما بالشرعية التي تخضع لها، وبالعقيدة العسكرية التي تضبطها.

وهذا يفتح جرحًا ليبيًا لا يجوز أن يبقى مسكوتًا عنه. ففي ليبيا ما بعد 2011، لم تعد الرتبة دائمًا نتيجة مسار عسكري معروف. دخلت الحرب والفوضى والسياسة والولاءات على معناها. مُنحت رتب عسكرية لبعض من لم يمروا بمسار التدريب والخدمة والتدرج المعروف، ودخل بعض قادة التشكيلات المسلحة إلى المؤسسات الرسمية بقوة الواقع أكثر من استحقاق المسار المهني. وفي المقابل، هناك ضباط حقيقيون، كبار في السن والخبرة والمسار، يجدون أنفسهم أحيانًا تحت قيادات لا تملك تاريخهم ولا تكوينهم ولا انضباطهم المهني.

ليبيا لا يمكن أن تبني جيشًا وطنيًا حقيقيًا قبل توحيد السلطة السياسية المدنية فالسلاح بلا دولة يتحول إلى نفوذ عائلي ومراكز مصالح تهدد الاستقرار

هذا الخلل لا يظهر دائمًا في العلن، لكنه يعيش داخل المؤسسة كاحتقان صامت. والصمت داخل المؤسسات المسلحة لا يعني الرضا. قد يكون خوفًا، أو انتظارًا، أو شعورًا بالعجز، وإذا طال أمده قد يتحول إلى خطر مؤجل.

المقصود هنا حماية معنى الجيش نفسه. فالرتبة حين تفقد معناها المهني تصبح نفوذًا لا انضباطًا. وحين يصبح اللواء أو الفريق نتيجة ميزان قوة أو قرابة أو صفقة، بدلاً من الخدمة والتدرج، فإن المؤسسة تنكسر من الداخل حتى لو بدا شكلها متماسكًا من الخارج.

والأخطر أن بعض حملة الرتب العالية يتحركون بين صورتين: يأخذون من العسكرية هيبتها وسلاحها ونجومها، ويأخذون من المدنية صورتها ومرونتها وقبولها الخارجي. ليست المشكلة في البزة أو البدلة، وإنما في ازدواجية الدور: رتبة تمنح النفوذ، وواجهة مدنية تمنح القبول، ودولة عاجزة عن تحديد من يملك الأمر ومن يخضع للمساءلة.

ثم هناك سؤال المال. السلاح في ليبيا لم يعد ينتج الأمن بالقدر الذي ينتج المال والنفوذ. كثير من القوى التي دخلت المشهد باسم الحماية أو الثورة أو الاستقرار أو مكافحة الفوضى تحولت مع الوقت إلى مراكز مصالح. وتُثار حول بعضها أسئلة عن حضورها في العقود، والمعابر، والاعتمادات، والموانئ، وحركة المال، ومؤسسات الدولة. لذلك لم يعد السؤال فقط: من يحمل السلاح؟ بل ماذا أنتج هذا السلاح؟ هل أنتج أمنًا، أم طبقة جديدة من الثراء والرتب والنفوذ؟

ويظهر المال أيضًا في سباق المرتبات والمزايا. فمع انقسام القرار العسكري، أصبحت الزيادات أحيانًا وسيلة لتثبيت الولاء؛ كلما رفعت جهة ما تمنحه لمنتسبيها، سارعت الجهة الأخرى إلى مجاراتها. وليس الاعتراض على حق العسكري في أجر عادل، وإنما على غياب نظام وطني موحد، واستخدام المال العام للحفاظ على الولاءات داخل مؤسسات منقسمة. وهكذا تدفع الدولة من ميزانيتها، بينما يتوزع الولاء بين مراكز القوة.

ولا تكفي مظاهر الثراء أو المناسبات الاجتماعية الفاخرة لإصدار حكم قانوني على أحد، لكنها تكفي لطرح سؤال سياسي وأخلاقي: كيف تحولت بعض القيادات المسلحة إلى مراكز مالية ضخمة؟ وما علاقة السلاح بالمال العام والتهريب والنفوذ داخل مؤسسات الدولة؟

وإذا كان السلاح خطرًا حين يتحول إلى مال، فهو أخطر حين يتحول إلى ملكية عائلية. المشكلة لا تقف عند وجود عائلة نافذة هنا أو هناك، وإنما عند ارتباط القوة العسكرية نفسها باسم عائلة أو دائرة ضيقة. عندها تتحول المؤسسة إلى شبكة ولاء، وما يبدو استقرارًا اليوم قد ينقلب إلى فوضى غدًا.

ماذا يحدث إذا غاب الفرد المركزي، أو اختلفت العائلة، أو انقسمت الدائرة التي تملك السلاح والمال والقرار؟ هل ينتقل السلاح تلقائيًا إلى الدولة، أم يتوزع بين ورثة النفوذ ومراكز القوة؟ ليبيا عرفت حكم الفرد، ودفعت ثمن غياب المؤسسات بعد سقوطه. فهل يكون الطريق إلى الدولة بخلق عائلات مسلحة جديدة، أو دوائر قوة لا تخضع لرقابة حقيقية؟

الرتبة العسكرية تفقد معناها حين تُمنح بالولاء لا بالمسار المهني والجيش يصبح أداة للفوضى إذا لم يخضع لشرعية سياسية موحدة تحدد القرار والسيادة

هنا يدخل الجوار أيضًا. دول الجوار لا تتعامل مع ليبيا بعاطفة، بل بمنطق أمنها القومي: الحدود، والهجرة، والسلاح، والتهريب، والجماعات العابرة، والطاقة. لذلك يتعامل بعضها مع قوى الأمر الواقع، لأنها ترى فيها، في لحظة معينة، الطرف القادر على ضبط مساحة أو معبر أو خط تماس.

هذا مفهوم من زاوية مصالح الدول. لكن ما يصلح كترتيب مؤقت لا يصلح كرؤية لمستقبل ليبيا. قد يختار الجيران التعامل مع “أفضل المتاح” أو “أفضل السيئ”، لكن ليبيا لا يجوز أن تبني مستقبلها على ما يحتاجه الجوار حقًا، بل على دولة ليبية قوية داخل الحدود.

لذلك، فتوحيد المؤسسة العسكرية ضرورة وطنية لها ترتيب وشروط: توحيد السلطة السياسية المدنية أولًا، ومنحها شرعية واضحة ومهمة محددة، ثم بناء عقيدة عسكرية وطنية، وسلسلة قيادة واحدة، ومراجعة مهنية للرتب والمسارات والولاءات، ووضع برنامج منضبط للدمج أو التسريح أو إعادة التأهيل، مع محاسبة من تثبت مسؤوليته عن الجرائم أو الاعتداء على المال العام. أما البدء بجمع البنادق قبل تحديد صاحب القرار السياسي، فهو نقل للأزمة إلى داخل المؤسسة العسكرية نفسها.

والفارق كبير بين احترام العسكري المهني وبين تسليم القرار السياسي لمن يملك القوة. الضابط الذي خدم وتدرج يحتاج إلى مؤسسة تحميه من الفوضى، لا إلى سوق رتب جديدة ينافسه فيها أصحاب الولاء والسلاح. وحماية الجيش تبدأ بإخراجه من الصفقات، وإبعاده عن هندسة الحكم.

ولا يجوز لقوى الأمر الواقع أن تكون شريكًا مؤسسًا في تشكيل السلطة السياسية المقبلة. يمكن أن تكون ملفًا أمنيًا يُعالج بالقانون، عبر الدمج أو التسريح أو إعادة التأهيل أو التفكيك، مع محاسبة من تثبت مسؤوليته عن الجرائم. لكنها لا يجوز أن تتحول إلى مصدر للشرعية السياسية. فمن يحمل السلاح يجب أن يخضع للدولة، لا أن يشارك في اختيار الدولة التي سيخضع لها.

ليبيا تحتاج إلى جيش يعرف أن ولاءه للوطن لا للأفراد، وإلى سلطة سياسية مدنية موحدة، محددة المهمة والمدة، تملك وحدها حق توجيه أدوات الدولة. والبداية الصحيحة ليست من جمع البنادق، بل من توحيد السلطة السياسية التي ستخضع لها البنادق. عندها فقط تصبح الدولة فوق القائد، وفوق العائلة، وفوق السلاح.