لطفية الدليمي.. رحيل كاتبة عاشت للحرية وآمنت بقوة الأدب

الكاتبة جعلت حياتها مصداقاً لأمثولة كازانتزاكيس "لا آملُ في شيء، لا أخشى شيئاً، أنا حرّ"
الأحد 2026/03/08
ضمير حي وروح متجددة

عمّان- نعت الأوساط الثقافية العراقية والعربية الروائية العراقية لطفية الدليمي، التي وافتها المنية بعد صراع مع المرض في أحد مستشفيات العاصمة الأردنية عمّان، عن عمر ناهز الثمانين عاماً، بعد مسيرة إبداعية حافلة امتدت لأكثر من خمسين عاماً في كتابة القصة والرواية والترجمة وكتابة المقالات (منها ما كتبته على صفحات "العرب").

تشكّلت نشأتها الأولى، كما تقول في حوار سابق لمجلة "الجديد"، بفعل مؤثرات البيئة والتعليم والقراءة الذاتية المتحرّرة من الكوابح الثقيلة، لكنها تزعمُ أنّ الدافعية الذاتية في استكشاف العالم، والتأثير في تشكّله يبقى العنصر الأكثر تأثيراً من سواه.

على عكس الكثير من الكتّاب والكاتبات العربيات ومجايليها بم تغرق الدليمي في دائرة النظرة الإيديولوجية للعالم، ولم تأنس للأحادية الثقافية، بل كانت متجددة الرؤى متوهجة الخطاب النقدي الذي تواجه به كل الظواهر الفكرية والعلمية والأدبية، لا يقودها في ذلك إلّا ضمير حي وإنسانية شفيفة وعقل يعالج القضايا بجرأة.

لقد جعلت الكاتبة حياتها، كما تقول، "مصداقاً لتلك الأمثولة التي طلب الكاتب اليوناني المعلّم نيكوس كازانتزاكيس في وصيته أن تُنقش على شاهدة قبره ‘لا آملُ في شيء، لا أخشى شيئاً، أنا حرّ‘”.

ولدت الدليمي في بغداد عام 1943، وأكملت دراستها في مدارسها، ثم حصلت على شهادة بكالوريوس آداب في اللغة العربية. عُرفت ككاتبة ومترجمة وصحفية عراقية بارزة، وناشطة في الدفاع عن حقوق المرأة، وتُعد من أبرز الأصوات الثقافية التي دافعت عن قضايا المرأة في العراق والوطن العربي.

عملت في تدريس اللغة العربية لسنوات عدة، ثم شغلت منصب محررة للقصة في مجلة “الطليعة” الأدبية العراقية، كما تولّت إدارة تحرير مجلة “الثقافة الأجنبية” العراقية. وكتبت لسنوات طويلة أعمدة صحفية في الصفحات الثقافية، منها كتاباتها لعمود أسبوعي في صفحات "العرب" الثقافية. كما نشرت قصصها ومقالاتها في معظم الصحف والمجلات الثقافية العربية.

وفي عام 1978 درست اللغة الإنجليزية وآدابها في جامعة لندن – كلية غولدسمث. كما أسست عام 1992، مع عدد من المثقفات العراقيات، “منتدى المرأة الثقافي” في بغداد.

تُرجمت قصصها إلى عدد من اللغات، بينها الإنجليزية والبولونية والرومانية والإيطالية، كما تُرجمت روايتها “عالم النساء الوحيدات” إلى اللغة الصينية. وشاركت في العديد من الندوات والفعاليات الثقافية داخل العراق وخارجه، وقدمت شهادات عن تجربتها الإبداعية في مدن عراقية وعربية.

وشاركت الدليمي في معرض الكتاب الدولي في مدينة فرانكفورت الألمانية بدعوة من معهد غوته، حيث قدّمت محاضرة عن تجربتها الإبداعية عام 2004. كما شاركت في مهرجان القارات الثلاث في جزر الكناري – ندوة الرواية عام 2004.

وقدمت رسائل دكتوراه وأطاريح ماجستير عديدة عن قصصها ورواياتها في عدد من الجامعات العراقية والعربية والعالمية. وكانت عضواً مؤسساً في “المنبر الثقافي العراقي”، وعضواً مؤسساً في “الجمعية العراقية لدعم الثقافة”.

وفي عام 2004 أسست مركز “شبعاد” لدراسات حرية المرأة في بغداد، كما ترأست تحرير مجلة “هلا” الثقافية الشهرية التي صدرت في بغداد عام 2005، قبل أن تتوقف بعد صدور أربعة أعداد عام 2006. وشاركت في العديد من المؤتمرات والملتقيات والندوات الثقافية في تونس والأردن والمغرب وسوريا والإمارات العربية وإسبانيا وفرنسا وسويسرا وألمانيا.

غادرت الدليمي العراق عام 2006 إلى الأردن، ثم إلى فرنسا للمشاركة في مؤتمر حول حرية الإعلام بدعوة من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) وهيئة الإعلام العراقية. وأقامت بصفة لاجئة في باريس أواخر عام 2006 وخلال عام 2007، قبل أن تغادر نهاية عام 2008 إلى العاصمة الأردنية عمّان، حيث أقامت حتى وفاتها.

وخلفت الدليمي إرثاً أدبياً واسعاً؛ إذ نشرت أكثر من ثلاثين عملاً في مجالي القصة والرواية، إضافة إلى أكثر من عشرين عملاً مترجماً، فضلاً عن أعمال درامية في المسرح والتلفزيون.