كيمبرلي رينولدز: أدب الأطفال تصوّر ثقافي أكثر من كونه نوعًا أدبيّا
يبدو أدب الأطفال في ظاهره الأدبي والثقافي نوعا بسيطا وواضحا، لكنه في واقع الأمر يمثل حقلًا شديد التعقيد، متعدد الأوجه، ومتداخلًا مع تصوراتنا عن الطفولة والتعلم والثقافة والتاريخ والهوية. هذا ما تكشف عنه المؤلفة كيمبرلي رينولدز في كتابها "أدب الأطفال: مقدمة قصيرة جدًّا".
تؤكد الكاتبة كيمبرلي رينولدز في كتابها “أدب الأطفال: مقدمة قصيرة جدا”، الذي ترجمه ياسر حسن وصدر عن مؤسسة هنداوي، أن “مصطلح أدب الأطفال يشير إلى المواد التي تُكتب لكي يقرأها الأطفال والشباب، وتنشرها دور نشر متخصصة، وتُعرض وتُخزَّن في الأقسام الخاصة بكتب الأطفال واليافعين في المكتبات العامة ومتاجر بيع الكتب. ولكن بالنسبة إلى من يبحثون في أدب الأطفال ويدرسونه، فإن هذا المصطلح مليء بالتعقيدات، إلى درجة أن بعضهم وصفه بالمستحيل.” إن هذه الفقرة ليست مجرد مقدمة تفسيرية للكتاب، بل تمثل خيطًا نظريًّا ينظم رؤية الكتاب بأكمله.
وتسعى رينولدز إلى فضح تلك البساطة الظاهرية التي يُحيط بها المجتمع أدب الأطفال، وتحطيم التصورات النمطية التي تراه مجرد أداة تربوية أو وسيلة ترفيهية، لتميط اللثام عن الحقول الأيديولوجية التي يتموضع داخلها هذا النوع الأدبي، وتكشف كيف يتفاعل أدب الأطفال مع أنظمة السلطة والتعليم والسوق والهوية.
وتوضح أن أدب الأطفال هو نتاج للكبار، يكتبونه، ويشرفون عليه، ويوزعونه، ويراقبون من خلاله ما يجب أن يعرفه الطفل، وما يُسمح له بتخيله أو التفكير فيه. وهو ما عبّرت عنه بقولها إن “العلاقة بين الطفل والقارئ الراشد في هذا الأدب، علاقة مستحيلة.”
حدود هشة
تشير الكاتبة إلى أنه “لا يوجد إنتاج أدبي واحد ومترابط ومحدد يشكل أدب الأطفال، ولكن بدلا من ذلك، يوجد العديد من أعمال أدب الأطفال التي تم إنتاجها في فترات مختلفة، وبطرق مختلفة، ولأغراض مختلفة، وعلى يد ألوان مختلفة من الناس، باستخدام صيغ ووسائط مختلفة.” إن هذه الرؤية تنسف أي تصور عن وجود “قانون نوعي” لأدب الأطفال، وتدفعنا بدلًا من ذلك إلى تتبّع كيف تطورت نظرتنا إلى الأطفال أنفسهم، وإلى الطفولة، من العصور القديمة إلى الحاضر، عبر كل وسائط التعبير الممكنة: من القصص الشعبية والأساطير، إلى الروايات والمسرحيات والأفلام، وصولًا إلى ألعاب الفيديو ومنشورات المعجبين على الإنترنت.
ولأن الطفولة ليست مفهومًا ثابتًا، بل هي بناء اجتماعي وثقافي متغير، فإن النصوص الموجّهة للأطفال كانت دائمًا عرضة لإعادة التقييم. تقول رينولدز “ما اعتُبر ملائمًا للأطفال في زمنٍ ما، قد يُعتبر اليوم غير مناسب، أو على الأقل غير مثير للاهتمام لهم. لقد كانت الكتب تُنتج للكبار في الأصل ثم يتبناها الصغار، والآن يحدث العكس أيضًا.”
وتلفت إلى هشاشة الحدود بين أدب الكبار وأدب الصغار، حيث يُمكن لنص أن ينتقل بين الفئتين تبعًا للسياق الثقافي واللحظة التاريخية. ألم تصبح رواية مثل “سارقة الكتب” أو “برسبوليس” محل قراءة عميقة للكبار، رغم أنها صُنِّفت في البداية ضمن فئة اليافعين؟
وتضيف أن القضايا التي يتناولها أدب الأطفال المعاصر توضح أن “الفوارق التي تفصل بين الكتابة للكبار والكتابة للأطفال قليلة؛ فالفرق لا يكمن في الموضوع الذي يتم تناوله، بل في طريقة سرد القصص. وكقاعدة عامة، تميل كتب الأطفال والشباب إلى الغموض عند الإشارة إلى أفعال أو أحداث مزعجة، ويمكن للقراء ملء الفراغات وإضافة التفاصيل قدر استطاعتهم أو رغبتهم، لكن لا يُطلب منهم إطلاقًا مواجهة أمور وحشية أو إباحية. وهذه الحساسية تُعد جزءًا من فهم مستمر بين المؤلفين والقراء، وبين أولياء أمور ومُدرّسي هؤلاء القراء: ألا وهي أن أدب الأطفال سيقدم طريقة آمنة لاستكشاف الأفكار والمشكلات.”
وتتساءل: ما الذي يجعل أحد النصوص مخصصًا للأطفال؟ وتجيب “ربما تكون هذه الاعتبارات الأخلاقية المرتبطة بالقراء الصغار، الذين ليست لديهم خبرة كافية، هي المعيار الذي يحدد ما إذا كان هذا العمل ينتمي إلى مجال أدب الأطفال أم لا.”
عودة إلى الجذور
تتعمق رينولدز في تتبع البعد التاريخي لهذا الأدب، فتأخذنا إلى القرن السابع عشر، حيث يُعد كتاب “العالم المرئي بالصور” لجون آموس كومينيوس من أولى المحاولات الجادة لتأليف كتاب مصوَّر لتعليم الأطفال. يبدأ كومينيوس بالأبجدية، ثم يسعى من خلال مزيج من الكلمات والصور إلى تمثيل كل شيء في العالم، من المخلوقات والنباتات، وحتى المفاهيم المجردة مثل الثالوث القدوس. إنه يجسد فكرة أن التعليم يمكن أن يتم عبر التسلية. وهنا تشدد على أن تلك الثنائية -التعليم والتسلية- ستظل محورًا أساسيًا في الجدل حول أدب الأطفال، وستشكل توترًا دائمًا بين ما يُفترض أنه مفيد وما يُفترض أنه ممتع.
ومن خلال العودة إلى كتابات مثل “دليل للأطفال” لجيمس جانواي، توضح رينولدز كيف هيمن الطابع الأخلاقي والوعظي على الأدب الموجَّه للأطفال لقرون. لقد كان الغرض من أدب الأطفال هو “إنقاذ الأرواح”، كما تقول المؤلفة ساخرة، لا إثارة الخيال.
◙ الطفولة ليست فقط ما نعيشه بل هي ما نظل نحمله معنا، ونكتبه، وننسجه على هيئة قصص للأطفال
وتكشف أن “السؤال عمّا هو مناسب للأطفال لا يتعلق فقط بالمحتوى، بل بكيفية تأثير القصص في فهمهم للصواب والخطأ. فعلى مدار تاريخ أدب الأطفال، استخدم الكبار هذا الأدب كوسيلة لتحفيز القراء على التفكير بطرق معينة، ولتقدير سلوكيات وأنشطة معينة، والابتعاد عن أشخاص معينين. ونظرًا لأن هذا النوع موجَّه إلى جمهور شديد التأثر وفي مرحلة تكوين الشخصية، فمن الضروري الانتباه إلى الطبقات المتعددة -والمتعارضة أحيانًا- للنشاط والتفكير الأخلاقيين اللذين تتم في أجوائهما عملية الكتابة للأطفال والشباب، علاوةً على حقيقة أن الأطفال لديهم الآن أكثر من أي وقت مضى إمكانية الوصول إلى العديد من مصادر المعلومات والأفكار.”
وترى أن التحول التدريجي في كتب الأطفال بدأ مع ظهور النشر التجاري في القرن الثامن عشر، حيث بدأت معه الكتب تتخذ طابعًا أكثر قربًا من اهتمامات القراء الصغار. فظهرت كتب صغيرة الحجم، ملوّنة، مزوّدة برسومات، تُباع مع كرات للصبية أو دبابيس للفتيات، وصارت وسائل التسويق تلعب دورًا في بناء “هوية أدبية” للطفل القارئ.
وتلفت إلى أنه رغم ذلك لم يكن الحضور المكثف للطفل داخل النصوص دائمًا انعكاسًا لحقيقته الاجتماعية. ففي الأدب الكلاسيكي -مثل روايات القرن التاسع عشر- يظهر الطفل ككائن أبيض، من الطبقة الوسطى، له والدان، يعيش في بيت دافئ. وتوضح أنه خلال النصف الأول من القرن العشرين سيطرت رؤية خاصة للغاية عن الطفولة على أدب الأطفال الأنجلو-أميركي؛ فشخصيات الأطفال كانت في مقتبل البلوغ، من أبناء البيض ومن الطبقة المتوسطة، في عائلات تقليدية، ثقافتها أبوية، والطبيعة فيها ملاذ آمن. لكن هذه الصورة بدأت تتشقق مع ظهور موجة الواقعية في أدب المراهقين، وبدأت شخصيات الأطفال تُصوَّر كمنبوذين، أو ضحايا للعنف، أو متورطين في أسئلة الوجود، كما في رواية “الغرباء” لسوزان هينتون، أو “ساحة جامبل” لجون رو تاونسند.
وفي تأملها لطبيعة هذا الأدب، تقول “لقد ظل الأطفال منتجين للقصص، والألغاز، والنكات، والأشعار، حتى وإن لم يتح لهم النشر. أما الآن، فقد صارت لهم منصاتهم، ومنتدياتهم، وصفحاتهم، وأصبحوا يكتبون، ويشاركون، ويُقيّمون.” وهذا ما تعتبره تغيرًا جذريًا في موقع الطفل، لا فقط كمتلقٍّ، بل كفاعل داخل المشهد الثقافي.
مستقبل أدب الأطفال
أحد أبرز الجوانب التي تطرحها رينولدز هو التفكير في مستقبل أدب الأطفال في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة. تقدم رؤية متوازنة تجمع بين التفاؤل بإمكانيات التكنولوجيا والحذر من تحدياتها، مؤكدة أن أدب الأطفال سيظل مرآة لتطلعات المجتمع ومخاوفه، بغضّ النظر عن الوسيط الذي يُقدَّم من خلاله. فمع تطور التكنولوجيا سيستمر هذا الأدب في التغير، لكنه لن يتخلى عن وظيفته الجوهرية في التعبير عن تحولات المجتمع ومخاوفه.
وهنا تلخّص جوهر رؤيتها، إذ ترى أن التكنولوجيا لا تعيد تشكيل شكل أدب الأطفال فحسب، بل تفتح أبوابًا جديدة للتفاعل مع القراء الشباب، مع الحفاظ على دوره الأساسي في تحفيز الخيال وتشكيل القيم. وتُبرز رينولدز أيضًا كيف أن التكنولوجيا قد وسّعت نطاق الوصول إلى أدب الأطفال، ما جعله متاحًا لجمهور أوسع عبر الحدود الجغرافية.
ولا تقدم المؤلفة رؤية تفاؤلية ساذجة حول التكنولوجيا؛ إنها تدرك أن التحول إلى الوسائط الرقمية يحمل تحديات، خاصة في ما يتعلق بالحفاظ على جوهر أدب الأطفال كتجربة تأملية وإبداعية.
وتشير إلى أن “أدب الأطفال هو أكثر من مجرد قصص للصغار؛ إنه وسيلة لفهم العالم، وتشكيله، وتحديه.” هذه العبارة تلمح إلى ضرورة الحفاظ على العمق الفكري والعاطفي للقصص، حتى في ظل التطورات التكنولوجية.
ولا تنحو رينولدز منحى يقينيّا، بل تفتح أفقا للتفكير النقدي. وتخلص إلى أن “الكثير من العاملين في هذا المجال يتفقون مع رأي الناقد الأدبي جون رو تاونسند القائل إن التعريف العملي الوحيد لكتاب الأطفال هو أنه الكتاب الذي يظهر في قائمة كتب الأطفال الخاصة بأحد الناشرين. لكن هذا التعريف لم يعد كافيًا اليوم، لأن الكتب تعبر بين القوائم، وتتجاوز الفئات، وتخترق الأعمار.”
وختاما تقول رينولدز”الطفولة ليست فقط ما نعيشه في الصغر، بل هي أيضًا ما نظل نحمله معنا، ونكتبه، ونرويه، وننسجه على هيئة قصص للأطفال.”