كيف تعيد الإمارات إحياء الوجدان الحضاري؟
يشهد العالم اليوم تصاعدًا في النزاعات المرتبطة بالهوية والذاكرة والرموز الحضارية، حتى باتت حماية التراث الثقافي تُقرأ بوصفها قضية استقرار إنساني، لا مجرد مبادرات ثقافية أو عمرانية. وفي ظل التحذيرات الدولية المتزايدة من فقدان الذاكرة الحضارية للشعوب، باعتبارها إحدى النتائج غير المرئية للحروب الحديثة، برزت الدبلوماسية الثقافية كأحد المسارات المتنامية في إعادة بناء التوازن والاستقرار داخل العلاقات الدولية.
وفي هذا السياق، جاءت التحركات الإماراتية الأخيرة في دمشق، عبر مبادرة ترميم وإعادة تأهيل الجامع الأموي الكبير، بوصفها امتدادًا لرؤية تتجاوز إعادة إعمار المواقع التاريخية إلى حماية المعنى الحضاري المرتبط بها. ففي مايو 2026، شهدت العاصمة السورية زيارة معالي نورة بنت محمد الكعبي، وزيرة دولة، إلى الجامع الأموي الكبير في دمشق، تلاها الإعلان عن مكرمة من سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، “أم الإمارات”، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، لترميم الجامع الأموي الكبير، أحد أهم الشواهد الحضارية في التاريخ الإسلامي. وهي خطوة تعكس إدراكًا متزايدًا بأن الحروب لا تُدمّر المدن وحدها، بل تُهدد أيضًا ذاكرة الشعوب وشعورها بالاستمرارية والانتماء.
ومن هنا، تتحرك الدبلوماسية الثقافية بوصفها إحدى أكثر لغات الحوار عمقًا واستدامة؛ فالإصرار على ترميم الصروح الحضارية في هذا التوقيت يحمل دلالة واضحة على البحث عن مسارات قادرة على تجاوز الانسدادات الراهنة، انطلاقًا من قناعة بأن الاستقرار السياسي والاقتصادي لا يمكن أن ينشأ في فراغ، بل يتطلب أولًا استعادة الحاضنة الثقافية المشتركة. وهكذا يتحول الحفاظ على التاريخ من فعل ثقافي إلى أداة لإعادة فتح أبواب الحاضر وصياغة تحولات الغد.
الإمارات تعيد تعريف الدبلوماسية الثقافية عبر ترميم الصروح الحضارية مؤكدة أن حماية التراث ليست فعلًا عمرانيًا فقط بل ضمانة للذاكرة والاستقرار والهوية الإنسانية المشتركة
غير أن هذا الحضور الإماراتي لا يمكن قراءته بوصفه استجابة ظرفية للأحداث، بل امتدادًا لمسار حضاري طويل، أصبحت فيه القوة المرنة جزءًا متناميًا من أدوات التأثير والاستقرار في العلاقات الدولية؛ قوة لا تقوم على الصدام أو الاستعراض، بل على القدرة على إعادة تشكيل مساحات الثقة والتأثير عبر الثقافة، والذاكرة، والشراكات الإنسانية طويلة المدى.
وقد تجلّى هذا النهج خلال السنوات الأخيرة في عدد من المبادرات المرتبطة بالمناطق التي أنهكتها الصراعات، من إعادة إعمار الجامع النوري الكبير ومئذنته الحدباء في الموصل، إلى إعادة تأهيل كنيسة الساعة وكنيسة الطاهرة، ضمن مبادرة “إحياء روح الموصل”، في مقاربة ترى أن إعادة بناء الحجر ليست منفصلة عن ترميم الوجدان والهوية والذاكرة الجماعية. فحين تعود مئذنة غابت سنوات، لا يُرمَّم حجر فحسب، بل يعود جزء من ذاكرة مدينة كاملة، ومن شعور أهلها بأن تاريخهم ما زال حيًا رغم كل ما مرّ به.
وامتد هذا النهج كذلك إلى المشاركة، بالشراكة مع فرنسا، في تأسيس التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع “ألِف”؛ في خطوة تعكس انتقال هذا المسار من المبادرات المحلية إلى بناء شراكات دولية لحماية الذاكرة الإنسانية في مناطق النزاع.
وضمن هذا السياق التراكمي، تبرز الجهود الثقافية والمعرفية لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الذي قاد على مدى عقود مشروعًا عربيًا استثنائيًا لحماية المخزون الحضاري والمعرفي، خصوصًا في جمهورية مصر العربية، عبر مبادرته لترميم المجمع العلمي المصري عقب الحريق الكارثي الذي تعرّض له عام 2011، إلى جانب دعمه لمشروعات حفظ الوثائق والذاكرة الثقافية العربية.
من الموصل إلى دمشق وفلسطين تتجسد رؤية الإمارات في تحويل الحجر إلى ذاكرة حية حيث يصبح التراث أداة لصون الانتماء وتجاوز الانقسامات العالمية
كما امتد الحضور الإماراتي إلى مبادرات ثقافية ومعرفية عابرة للجغرافيا، من بينها ترميم مسرح الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان في قصر فونتينبلو بفرنسا، والذي أُعيدت تسميته تقديرًا لمساهمة أبوظبي في ترميمه، إلى جانب دعم مواقع ومكتبات ومراكز ثقافية في مناطق مختلفة من العالم، في انعكاس لرؤية تعتبر التراث الإنساني إرثًا مشتركًا يتجاوز الحدود والانقسامات السياسية.
وعند العودة إلى الجذر الفكري لهذا المسار، تبدو رؤية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، حجر الأساس في هذا الوعي الحضاري؛ إذ أدرك مبكرًا أن حماية المقدسات والمعالم التاريخية ليست شأنًا عمرانيًا فحسب، بل مسؤولية أخلاقية وثقافية تحفظ للشعوب ذاكرتها واستمراريتها. ومن هنا جاءت مبادراته في فلسطين، عبر تمويل ترميم قبة الصخرة، ودعم ترميم كنيسة المهد، وإعادة إعمار مسجد عمر بن الخطاب، في تجسيد مبكر لفكرة التعايش وصون التعدد الديني والثقافي.
إن المتأمل في هذا الامتداد الحضاري يلحظ أن الإمارات لا تتعامل مع التراث بوصفه ماضيًا ساكنًا، بل باعتباره جزءًا من الأمن الثقافي والإنساني للمجتمعات. فحين تُرمَّم المعالم التاريخية، وتُحمى المكتبات والمقدسات، فإن ما يُصان في الحقيقة ليس الحجر وحده، بل المعنى الذي يمنح الإنسان شعوره بالانتماء والاستمرارية وسط عالم يزداد اضطرابًا.
فالحروب لا تبدأ حين تسقط المدن فقط، بل حين تفقد الشعوب ذاكرتها.