كيف أعادت الحرب تعريف الشرق الأوسط؟
ها نحن أمام حقيقة ما يمكن وصفه بـ”القنبلة النووية اليمنية”. فإذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يقود عملية عسكرية غير مسبوقة لمنع النظام الإسلامي في إيران من امتلاك القنبلة النووية، فإن عليه أيضًا أن يفكك القنبلة الحوثية في اليمن. فهذا “النووي اليمني” وُلد عمليًا في 7 يوليو 1994، عندما خرج نظام الرئيس علي عبدالله صالح من غزو الجنوب متباهياً بأنه بات يملك جغرافيا لا تقل في قيمتها الاستراتيجية عن امتلاك سلاح نووي، بعدما أصبحت تحت سيطرته مفاتيح باب المندب وخليج عدن وبحر العرب.
نجحت الطائرة الإيرانية في كسر الحصار السعودي بهبوطها في مطار الحديدة، وهذه حقيقة يصعب حجبها بالحملات الدعائية. فقد تعهد المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية تركي المالكي بمنع الطائرة من الهبوط، لكنها وصلت بالفعل. هذا التطور كسر عمليًا الهدنة السعودية الحوثية التي صمدت منذ أبريل 2022، وهي الهدنة التي شكلت الركيزة الأساسية للاتفاق السعودي الإيراني برعاية صينية عام 2023، قبل أن يسلم وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان المرشد الإيراني السابق علي خامنئي رسالة خطية عُدت تأكيدًا على التزامات الرياض تجاه التفاهمات مع طهران.
المتغير الذي ينبغي النظر إليه، بعيدًا عن التشويش الذي تمارسه مختلف الأطراف، يتمثل في معادلة التناظر بين مضيق هرمز وباب المندب. هنا تكمن زاوية القراءة الصحيحة لمشهد أعادت الحرب من خلاله صياغة تعريفات كبرى على المستويين الإقليمي والدولي. فمقتل المرشد الإيراني في 28 فبراير 2026 دفع طهران إلى تحويل مضيق هرمز إلى رهينة تفاوض، في امتداد لنهج ارتبط بالثورة الخمينية عام 1979، حين احتجزت السفارة الأمريكية رهائن لمدة 444 يومًا، واستمرت الأزمة حتى وصول الرئيس رونالد ريغان إلى البيت الأبيض.
الحرب أعادت صياغة التوازنات الاستراتيجية في المنطقة حيث تحوّل مضيق هرمز وباب المندب إلى رمزين للقوة والضغط وأصبح التحكم بهما ورقة تفاوضية تعيد تعريف الأمن الإقليمي والدولي
شكّلت “خارطة الطريق” الأممية للسعودية مخرجًا سياسيًا من الملف اليمني بأقل الخسائر الممكنة، بينما كانت جماعة الحوثي تنظر إليها بوصفها محطة على طريق انتزاع الشرعية السياسية. أغفلت الرياض، عن قصد أو عن سوء تقدير، أن الجماعة، منذ ظهورها عام 2007، لم تحمل مشروع تمرد فحسب، وإنما مشروع سلطة في شمال اليمن. وعندما حاولت عام 2015 فرض سيطرتها على الجنوب، اصطدمت بالتدخل الإماراتي الداعم للقوات الجنوبية، فتوقفت عند حدود لم تستطع تجاوزها.
كانت موازين القوى تتحرك لمصلحة جماعة الحوثي. فالهدنة مع السعودية لم تمنحها فرصة لالتقاط الأنفاس فحسب، وإنما أتاحت لها تحويل مكاسبها العسكرية إلى وقائع سياسية. استهدفت إسرائيل بصواريخ باليستية بعيدة المدى، واشتبكت مع البحرية الأمريكية في البحر الأحمر، بينما اختارت السعودية عدم المشاركة في عملية “حارس الازدهار”، وهو ما وفر للجماعة مساحة إضافية لترسيخ حضورها لاعبًا إقليميًا يصعب تجاوزه في أي ترتيبات تخص اليمن والمنطقة.
يمتلك الإيرانيون اليوم رغبة متزايدة في إعادة تشكيل الوضعين السياسي والعسكري في الشرق الأوسط، بعدما فشلوا عسكريًا في حماية بنيتهم التحتية، وعجزوا عن فرض قواعد اشتباك مركزية، خصوصًا بعد أن كسرت الإمارات تلك القواعد وأرست معادلة ردع تقوم على “العين بالعين والسن بالسن”. وقد غيّرت هذه المعادلة موازين المنطقة، ودفعت طهران إلى توظيف باب المندب لتشتيت الأمريكيين وتخفيف الضغط العسكري على إيران. غير أن هذا التحرك يجب قراءته أيضًا ضمن الطموح الحوثي المتصاعد لانتزاع شرعية سياسية، ولو على حدود الجمهورية العربية اليمنية السابقة لعام 1990.
كسر قواعد الاشتباك السعودية الإيرانية في اليمن هو آخر ما يمكن أن يرغب فيه الرئيس الأمريكي، إذا صحت التقارير التي تحدثت عن منحه الرياض دعمًا سياسيًا قبل التصعيد. لكن السؤال الأكثر إلحاحًا هو: هل أجرت السعودية تقييمًا واقعيًا لقدرتها على حسم مواجهة جديدة مع جماعة الحوثي؟ فالمشهد الميداني لم يعد كما كان في السنوات الأولى للحرب، وخريطة التحالفات تبدلت، وأدوات القوة التي استندت إليها الرياض سابقًا تغيرت بصورة ملحوظة، بينما أصبحت القوى اليمنية الحليفة تعمل في بيئة عسكرية وسياسية أكثر تعقيدًا، مع تباين في المرجعيات والقدرات القتالية.
لم يعد السؤال اليوم كيف ستنتهي المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وإنما ماذا سيبقى من المقاربة التي أدارت بها الرياض الملف اليمني طوال السنوات الماضية. فالحرب الأخيرة لم تكتف بإعادة تعريف التوازنات بين هرمز وباب المندب، وإنما وضعت اليمن نفسه أمام لحظة تعريفات كبرى، لحظة يصبح فيها من الضروري إعادة تقييم كل المسلمات التي حكمت إدارة الحرب منذ انطلاقها.
أخطأت الرياض عندما تعاملت مع الحرب باعتبارها ملفًا يمكن إدارته عبر التسويات المرحلية أكثر من كونه معركة لإعادة بناء توازن استراتيجي دائم. دفعت الإمارات، صاحبة المشروع العسكري الأكثر فاعلية على الأرض، إلى الخروج من التحالف، ثم راهنت على تشكيلات سلفية وقوى محلية لم تمتلك التأهيل العسكري ولا الخبرة العملياتية الكافية لحسم معركة بهذا الحجم، فيما تعرضت القوات الجنوبية، التي أثبتت قدرتها على القتال واستعادة الأرض، إلى حملات إقصاء واستنزاف سياسي وعسكري، وكأن معيار الشراكة أصبح القبول بالتسويات لا الكفاءة في الميدان.
اليمن خرج من الحرب بواقع جديد فباب المندب لم يعد مجرد ممر ملاحي بل منصة مساومة إيرانية موازية لهرمز ما جعل الاستقرار البحري قضية عالمية تتجاوز حدود الصراع المحلي
كانت النتيجة أن الحوثيين خرجوا من سنوات الحرب أكثر تنظيمًا، وأكثر خبرة، وأكثر قدرة على توظيف الجغرافيا اليمنية في المشروع الإيراني. ولم يعد باب المندب مجرد ممر ملاحي دولي، وإنما تحول إلى ورقة مساومة إيرانية موازية لمضيق هرمز، وإلى منصة ضغط على الأمن الإقليمي والتجارة العالمية. هنا تتجلى الكلفة الحقيقية لسوء التقدير، لأن ما بدا في حينه تنازلات تكتيكية لتقليل الخسائر، انتهى بإنتاج تهديد استراتيجي أكبر بكثير من التهديد الذي دخل التحالف العربي الحرب لمواجهته.
لذلك، فإن أي مقاربة أميركية أو إقليمية جديدة لا يمكن أن تكتفي باستهداف القدرات العسكرية للحوثيين أو احتواء النفوذ الإيراني. المطلوب مراجعة سياسية شاملة لمسار الحرب اليمنية، تبدأ بمحاسبة القرارات التي أوصلت البلاد إلى هذه اللحظة، وإعادة تعريف الشركاء الحقيقيين القادرين على حماية باب المندب، وإدراك أن الأمن البحري لا يصنعه الاتفاق مع الجماعات المسلحة، وإنما تصنعه دولة تمتلك السيادة وقوى عسكرية أثبتت قدرتها على الدفاع عن الأرض، لا قوى جرى تصنيعها على عجل لإدارة معركة بحسابات سياسية قصيرة الأمد.
لقد أعادت الحرب تعريف الشرق الأوسط من هرمز إلى باب المندب، لكنها أعادت أيضًا تعريف السؤال اليمني نفسه. لم يعد الخطر محصورًا في مشروع إيران النووي، وإنما امتد إلى المشروع الذي بنته طهران على السواحل اليمنية. وإذا كان العالم يتعامل مع منع امتلاك القنبلة النووية باعتباره ضرورة لحماية الأمن الدولي، فإن تفكيك “القنبلة الحوثية” لم يعد أقل إلحاحًا، لأن تركها على حالها يعني أن يبقى باب المندب رهينة لكل أزمة إقليمية مقبلة، وأن يظل اليمن ساحة يوظفها الآخرون بدل أن يكون دولة تستعيد قرارها وسيادتها.
علينا أن نتذكر أن أثقل خسارة تكبدتها جماعة الحوثي لم تكن في الغارات الجوية، وإنما في هزيمتها أمام عدن عام 2015، ثم في تقدم ألوية العمالقة المدعومة إماراتيًا حتى الكيلو 16 على أبواب الحديدة. تلك الوقائع أثبتت أن الحوثيين يُهزمون عندما يواجهون قوة برية منظمة تمتلك عقيدة قتالية واضحة، لا عندما يقتصر الضغط على الضربات الجوية وعمليات اغتيال القيادات. فحتى إسرائيل، رغم نجاحها في أغسطس 2025 في تصفية عدد من كبار المسؤولين الحوثيين، لم تستطع تغيير المعادلة الميدانية، لأن سقوط الرؤوس لا يعني سقوط المشروع ما دام يحتفظ بالأرض والسلاح والقدرة على إعادة إنتاج قياداته.
إذن، أمام هذه الواقعية، يقف اليمن، جنوبًا وشمالًا، أمام لحظة تعريفات كبرى، لم يعد فيها ممكناً إدارة هذا الملف بالأدوات والسياسات التي قادت إلى هذا المأزق. فقد أثبتت السنوات الماضية أن الرهان على الهدن والتسويات المرحلية، مع إضعاف القوى التي نجحت في مواجهة الحوثيين ميدانياً، لم ينتج سلامًا، وإنما منح الجماعة فرصة للتحول إلى ذراع إقليمية تهدد أمن البحر الأحمر وباب المندب. لذلك، فإن أي مقاربة جديدة لا تبدأ بمراجعة أخطاء الماضي ومحاسبة المسؤولين عنها، محكوم عليها بإعادة إنتاج الأزمة بصورة أكثر خطورة. لقد أعادت الحرب تعريف الشرق الأوسط، وسيكون اليمن أول الملفات التي ستفرض تعريفاتها الجديدة.