قراءة نقدية لمقال «فورين بوليسي» عن الملك عبدالله
في مقاله المنشور في «فورين بوليسي» تحت عنوان «أين الملك عبدالله؟»، يحوّل آرون ماغيد تراجع الظهور الإعلامي للملك عبدالله الثاني وكثرة سفره إلى دليل على «قيادة متراجعة».
المشكلة ليست في ملاحظة غياب الملك عن الكاميرات، بل في تحويل هذا الغياب إلى دليل على غياب سياسي من دون إثبات العلاقة بين الاثنين. فماغيد يرصد السلوك الإعلامي، ثم يبني عليه حكماً سياسياً أوسع من الأدلة التي يقدمها؛ وهنا تكمن مشكلته المنهجية: الانتقال من مؤشر إعلامي إلى استنتاج سياسي واسع.
والأكثر إثارة أن الكاتب نفسه يقدم ما يضعف استنتاجه. فهو يقر بأن حكم الملك ما زال آمناً، وأن قوات الأمن الأردنية حافظت على ولائها، وأنه «لم يظهر أي تهديد حقيقي وملموس» لسلطة الملك. لذلك يصعب اعتبار قلة المقابلات وحدها دليلاً على «تراجع القيادة».
والمنطق نفسه ينطبق على السفر. يقدم ماغيد كثرة وجود الملك خارج الأردن بوصفها ابتعاداً، من دون خط أساس منهجي يقارن عدد أيام السفر في 2026 بالسنوات السابقة، أو يثبت أن الزيادة ــ إن وجدت ــ تعني انسحاباً من إدارة الدولة.
الأردن ليس دولة يمكن فصل دبلوماسيتها الخارجية عن أمنها الداخلي. فهو يقع عند تقاطع ملفات فلسطين وسوريا والعراق وإسرائيل، ويرتبط بشراكات أمنية مع واشنطن وأوروبا ودول الخليج. لذلك تصبح حركة الملك الخارجية جزءاً من إدارة الأمن الوطني، لا دليلاً تلقائياً على الغياب.
والأهم أن هذه العدسة تتجاهل واحدة من أخطر القضايا التي واجهها الأردن: ملف تهجير الفلسطينيين. ففي 11 فبراير/شباط 2025، أكد الملك عبدالله الثاني بعد لقائه دونالد ترامب رفض الأردن تهجير الفلسطينيين من غزة والضفة الغربية، وشدد على إعادة إعمار غزة من دون تهجير سكانها. كان ذلك اختباراً سياسياً مباشراً للعلاقة الأردنية ـ الأميركية، وضغطاً يمس الأمن الوطني والديموغرافي للمملكة.
المشكلة ليست في ملاحظة غياب الملك عن الكاميرات، بل في تحويل هذا الغياب إلى دليل على غياب سياسي من دون إثبات العلاقة بين الاثنين
فأين كان «الغياب» هنا؟ الملك كان في قلب واحدة من أخطر القضايا التي تمس مستقبل الأردن مباشرة. وقد يختلف المرء مع طريقة إدارة الملف أو ينتقد مستوى التواصل الداخلي حوله، لكن وصف هذا المسار كله بأنه «غياب» يتجاهل جوهر السياسة نفسها.
ومن هنا تصبح الجلبة التي أثارها مقاله في الشارع الأردني مفهومة، لأن المسألة لا تتعلق فقط بما قاله عن ظهور الملك، بل بالزاوية التي اختار أن يقرأ الأردن من خلالها. فماغيد كاتب أميركي من خلفية يهودية، ويكتب من داخل بيئة فكرية وإعلامية تضع إسرائيل في قلب المعادلة الأمنية للمنطقة. وهو لا يتعامل مع إسرائيل باعتبارها ملفاً ثانوياً، بل يمنحها موقعاً مركزياً في فهم أمن الأردن وعلاقته بالولايات المتحدة، ثم يقرأ موقع الأردن من داخل هذا الترتيب. وحين يُقدَّم تراجع الظهور الإعلامي بوصفه دليلاً على تراجع القيادة، فإن النقد لا يبقى عند حدود الأداء الإعلامي، بل يتحول في التلقي المحلي إلى مساس بصورة القيادة ورمز الدولة، في بلد يعيش أصلاً تحت ضغط أمني وديموغرافي متواصل.
الأثر السياسي للمقال، إذن، لا يكمن في أنه يهدد النظام أو يسقط شرعيته، بل في أنه ينقل مركز السؤال من أمن الأردن وموقعه ومصالحه الوطنية إلى مدى حضور الملك أمام الحليف الغربي. وهذه هي المشكلة الأعمق في هذا المنظور: أنه يخدم قراءة تريد أن ترى الأردن بوصفه حلقة في معادلة إسرائيل وأميركا، فتدفع النقاش نحو صورة القيادة ودورها، بدلاً من أن يُقرأ الأردن كدولة لها حساباتها الخاصة، وتُقاس قيادتها بقدرتها على حماية أمنها، ورفض التهجير، وحفظ تماسكها وسط أزمات الإقليم.
كما يختزل ماغيد العلاقة الأردنية ـ الأميركية في معادلة الدعم والقواعد، وكأن واشنطن تدفع والأردن ينفذ، متجاهلاً أن الشراكة، رغم عدم تكافؤها في القوة، تقوم على مصالح متبادلة؛ فالأردن شريك أمني وسياسي مهم بحكم موقعه ودوره في أمن الحدود ومكافحة الإرهاب والملف الفلسطيني واستقرار الإقليم. لذلك فإن الحفاظ على هذه الشراكة لا يعني التخلي عن القرار الوطني، بل استخدام موقع الأردن داخل المعادلة الإقليمية لحماية مصالحه، وهي نقطة لا تنسجم مع القراءة التي تختزل الأردن في وظيفة أمنية لصالح الآخرين.
أما الملفات الداخلية التي يستند إليها ماغيد لتعزيز سردية «تراجع القيادة»، كالإصلاح السياسي والاقتصاد والبطالة وأداء البرلمان، فتحتاج إلى وضعها في إطارها الدستوري والسياسي الصحيح. فالملك عبدالله الثاني ليس رئيس حكومة يدير التفاصيل التنفيذية اليومية، بل رأس الدولة وضامن استقرارها واستمراريتها، ورمز وحدتها، والمرجعية التي تقف فوق التجاذبات الحكومية والبرلمانية. لذلك فإن عدم انخراطه في كل تفصيل حكومي لا يعني غياباً عن الحكم، بل يعكس طبيعة دوره في إدارة الدولة من موقعها الأعلى لا من موقعها التنفيذي اليومي. وحتى في مسألة التواصل التي يجعل منها ماغيد دليلاً على الابتعاد، واصل الملك خلال 2026 زياراته للمحافظات ولقاءاته المباشرة مع المواطنين، إلى جانب اللقاءات والفعاليات الاجتماعية.
الأردن يواجه بالفعل أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة، لكن وجود الأزمات لا يعني فقدان القدرة على الحكم؛ بل إن وظيفة القيادة في دولة صغيرة ومحاصرة إقليمياً هي منع الأزمة من التحول إلى انهيار. وماغيد نفسه يعترف بأن النظام بقي آمناً، والأجهزة الأمنية متماسكة، ولم يظهر تهديد حقيقي لسلطة الملك. وفي منطقة انهارت فيها دول، واندلعت حروب أهلية، وتفككت مؤسسات، فإن بقاء الدولة الأردنية متماسكة ليس تفصيلاً يمكن تجاوزه، بل أحد أهم المؤشرات التي يجب أن يبدأ منها أي تقييم جاد للقيادة.
لذلك فالسؤال الحقيقي ليس «أين الملك عبدالله؟»، بل: كيف استطاع الأردن أن يظل واقفاً وسط كل هذه العواصف، وما الثمن السياسي والاقتصادي الذي دفعه مقابل ذلك؟
هناك، بعيداً عن اختزال الدولة في عدسة الكاميرا، يبدأ التحليل الحقيقي.