عريس واحد يزعج قبيلة
في تونس، تبدأ حكاية العرس الشعبي دائما بسهرة رائقة للجميع، لكنّ هناك فصلا آخر أكثر إثارة يبدأ غالبا بعد منتصف الليل، حين يتحول الفرح من مناسبة عائلية إلى ماراثون طويل من الأغاني والرقص والطلبات، يخوضه الجميع: العريس، والفنان، والضيوف، وحتى الجيران الذين لم يخططوا أصلا للمشاركة في هذا “العرس المفتوح”.
في هذه الأعراس، يكون العريس واحدا فقط، لكن أصحاب اللحظات الخاصة بالعشرات، كل ضيف يعتقد أن الفرح لا يكتمل إلا إذا حصل على أغنيته الشخصية أو رقصته المفضلة، وكأنه حجز فقرة خاصة في مهرجان عالمي.
هناك من يريد أغنية تذكره بأيام الشباب، وآخر يرى أن المناسبة لا تستقيم إلا بإيقاع سريع يحرك الأقدام، وثالث يصر على أن يسمع الجميع صوته وهو يردد الكلمات وسط الساحة، حتى لو كان صوته يحتاج إلى “ترميم فني” قبل أن يصل إلى الميكروفون.
أما الفنان، ذلك الذي يدخل العرس بكامل أناقته حاملا ابتسامته المهنية، فيكتشف سريعا أنه لم يأتِ فقط للغناء، بل لتولي مهمة أشبه بإدارة أزمة جماهيرية.
يغني الأغنية مرة، فتأتيه طلبات الإعادة لأن أحدهم كان منشغلا، أو لأن صاحب الطلب لم يبدأ الرقص بعد، أو لأن “المعني بالأغنية” لم يدخل الساحة في اللحظة المناسبة.
ومع مرور الساعات، يتحول الفنان إلى مشروع صمود بشري. يغير الإيقاع، يرفع الحماس، يختار الأغنية المناسبة لكل مجموعة، ويحاول إرضاء الجميع. يصبح مغنيا وقائدا للأوركسترا ومفاوضا اجتماعيا في الوقت نفسه، فكل ضيف لديه رأي موسيقي، وكل مجموعة لديها قائمة أمنيات، وكل واحد مقتنع بأن الأغنية التي اختارها هي التي ستمنح العرس شهادة النجاح.
في بعض الأعراس، يصبح الميكروفون أشبه بمنصة انتخابية مفتوحة، لكن بدل الأصوات الانتخابية هناك طلبات غنائية. يتنافس الحاضرون على اقتراح الأغاني، وكأن الفوز سيكون لمن ينجح في جعل الفنان يعيد اختياره أكثر من مرة. أما الفنان، فيكتفي بابتسامة دبلوماسية تخفي خلفها سؤالا واحدا، “هل ستنتهي هذه التخميرة قبل شروق الشمس؟”.
والتخميرة في العرس الشعبي التونسي ليست مجرد رقصة أو فقرة عابرة، بل طقس اجتماعي له قواعده الخاصة، إنها اللحظة التي يشعر فيها كل شخص أنه نجم السهرة ولو لدقائق قليلة، فهناك من يستعرض مهاراته في الرقص، ومن يستعيد ذكريات قديمة مع أغنية معينة، ومن يجد في هذه المساحة فرصة للهروب من روتين الحياة اليومية.
لكن خلف جدران الفرح، توجد حكاية أخرى يكتبها الجيران، فالعريس يحتفل بليلة العمر مرة واحدة، أما سكان الحي فقد يجدون أنفسهم يعيشون تفاصيل العرس كاملة، من أول تجربة لمكبرات الصوت، إلى آخر زغرودة أو شجار يعلن أن الفرح قرر أخيرا أن يضع نقطة النهاية.
الجيران في هذه الحكاية فريقان، فريق يرى أن الفرح الشعبي جزء من تقاليد الحي، وأن بعض الليالي تستحق التسامح، وفريق آخر يراقب عقارب الساعة كما يراقب حكم مباراة نهايتها المنتظرة. فكلما اقترب الفجر، بدأ السؤال المصيري، هل انتهت الأغنية الأخيرة فعلا، أم أنها مجرد مقدمة لجولة جديدة؟
ومع ذلك، لا يمكن اختزال العرس الشعبي التونسي في الضجيج والسهر الطويل، فهو قبل كل شيء مساحة اجتماعية تحفظ الكثير من العادات، وتجمع العائلات، وتمنح الناس فرصة للفرح الجماعي. ففي هذه المناسبات تختلط الموسيقى بالذكريات، وتتحول الأغاني إلى سجل غير مكتوب لحكايات الناس، ويصبح كل حاضر جزءا من المشهد، حتى أولئك الذين لم تصلهم دعوة رسمية لكنهم تابعوا الحفل من خلف النوافذ المفتوحة.
وفي زمن أصبحت فيه المناسبات أكثر اختصارا وسرعة، يصر العرس الشعبي التونسي على الاحتفاظ بفلسفته الخاصة: الفرح لا يُقاس بعدد الساعات، بل بعدد الأغاني التي طُلبت، وعدد الأشخاص الذين رقصوا وأكلوا، وكم مرة اضطر الفنان إلى إعادة الأغنية نفسها لأن أحدهم قال “مرة أخرى.. عاود”.