عادل الأسطة.. أكاديمي لا تهمه الولاءات

تاج النقد الأدبي الفلسطيني على امتداد عقود.
الجمعة 2025/12/05
في مسيرته في التعليم لم يلتفت إلى الفصائلية أو الحزبية على الإطلاق، ولم يتعامل مع الطلاب من منطلقهما

لا تميز تجربة الدكتور عادل الأسطة غزارة إنتاجه من كتب روائية وقصصية ونقدية ومقالته الأسبوعية في جريدة “الأيام” الفلسطينية فقط، بل يتعدى ذلك لمنشوراته اليومية التي يطلق عليها اسم “خربشات” على صفحته الشخصية، التي تصل أحيانا إلى ثلاثة منشورات وأكثر، يوميا، فمعظمها يكتسي حُللاً إبداعية ونقدية موشّاة بسخريةٍ لطيفة، ولعل أكثرها شهرة وانتشارا يومياته في ظل جائحة كورونا حيث أصدر كتابا من جزأين بعنوان “الست كورونا” يحتوي على 200 مادة، كما له يومياته عن حرب الإبادة في غزّة خطّ إبانها أكثر من 760 مادّة تطرّق فيها إلى آخر أخبار المذبحة في القطاع ومعاناة الناس اليومية.

من يتابع كتابات الدكتور عادل الأسطة سيجد روحه تتجول في شوارع وساحات ومقاهي نابلس وأسواقها. يشرب القهوة معه ويتناول الكنافة النابلسية الشهيرة والحلبة بلا سكر.

المقاومة بالقرطاس والقلم

الأسطة يركز مؤخرا على الرواية والقصة القصيرة ولا يهتم إلا بشاعرين دون غيرهما: محمود درويش ومظفر النواب
الأسطة يركز مؤخرا على الرواية والقصة القصيرة ولا يهتم إلا بشاعرين دون غيرهما: محمود درويش ومظفر النواب

رغم معاناته من مرض السكري، وعيشه وحيدا في شقته في مدينة نابلس، إلا أن الأسطة له اسم وازن في حقل النقد الأدبي الفلسطيني والعربي من شعر وقصة ورواية، ومن الطبيعي وضعه في المقدمة رفقة الدكتور فيصل دراج، فلا يكاد يذكر اسم رواية أو قصة فلسطينية إلا ومرت تحت مجهر الدكتور عادل، وانبرى لسبر أغوارها وتشريح شخصياتها. كما تشمل هذه الإحاطة غالبية الروايات العربية والعالمية، وينطبق هذا الأمر على القصيدة العربية، وبالتحديد تجربة كل من محمود درويش ومظفر النواب.

درّس عادل الأسطة، المولود في مخيم عسكر شرق نابلس 1954 بعد لجوء عائلته من يافا، مادة النقد الأدبي الحديث في جامعة النجاح الوطنية، وتقاعد في مارس من عام 2019.

تجسّد بداية الدكتور الأسطة في العمل الجامعي خلال السنوات الخمس ما بين 1982 و1987، مرحلة مهمّة وثريّة ليس فقط له وللأكاديميين، بل وللطلاب الدارسين ولجيل فلسطيني تعليمي كامل، حين كان التعليم في الجامعة ضربا من ضروب الكفاح، وسبيلا من سبل المقاومة الشعبية المشروعة التي تحظى باحترام العالم أجمع.

وعليهِ، نحن نقف أمام تجربة مهمّة ووطنية بامتياز، حينما عُهد إلى الدكتور عادل في الأعوام التدريسية الأولى أي في المرحلة التي سبقت سفره إلى ألمانيا لإكمال دراسته.

تلك الفترة الزمنية شهدت نقصا كبيرا في الكادر التعليمي وأعضاء هيئة التدريس المتخصصين، وهكذا درّس بكل حماس وحيوية؛ مساقات تاريخ النقد الأدبي عند العرب وأدب مصر والشام والشعر العباسي والنثر العباسي والعروض ومساقات اللغة العربية والمدخل إلى تذوق النص الأدبي والأدب الفلسطيني.

كما كانت هذه فرصة ذهبية له لإعادة بناء ثقافته في الأدب العربي، وبدوره شغل الدكتور فراغ خمسة من حملة الدكتوراه يوم أبعدوا. وكان يمضي غالبية وقته في التدريس في الجامعة.

وبالعودة إلى السبب الرئيسي لنقص الكادر التدريسي يتبين لنا بجلاء إصرار إسرائيل على تطبيق قانون رقم 854 الذي يطلب من المحاضرين القادمين بتصاريح إسرائيلية ولا يملكون هوية ضفة غربية وقطاع غزة، أن يوقّعوا على وثيقة ترفض الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، وهذا ما رفضته الجامعات الفلسطينية.

الكاتب يرى أن الجامعات العربية تخضع للمجتمع ولا توجد رغبة ملموسة في قلب الموازين ووضعها في سياقها العادي

بدورها شددت إسرائيل على تطبيق القرار ورفض المحاضرون الانصياع وطلبت منهم منظمة التحرير ألا يوقعوا، وكانت النتيجة عدم السماح لعدد كبير من أعضاء هيئة التدريس بالبقاء في الضفة الغربية، فضلا عن الحواجز المنتشرة أمام الجامعات والتضييق على الأكاديميين والطلبة معا. وهكذا أصبحت الجامعة تعاني من أزمة في المحاضرين. وحينها قدّم الأسطة، كونه حاملا للماجستير، طلبا للعمل في الجامعة بعدما كان يدرّس المرحلة الإعدادية في مدارس وكالة الغوث، وبالفعل أصبح ضمن هيئة التدريس، وأمضى 37 عاما من حياته بين جدران الجامعة وضوضاء قاعات التدريس.

وفي سياق متصل زادت إجراءات الاحتلال الإسرائيلي المتمثلة في إغلاق بعض المدارس الثانوية نتيجة تظاهر طلابها واشتباكهم مع دوريات جنود الجيش الإسرائيلي المحتل، ما أوجب على إدارة الجامعة افتتاح شعب تدريسية لهم عصرا في قاعات التدريس في الجامعة وتبرّع الأساتذة بتدريسهم، ما جعل الأسطة ينفق في الجامعة ساعات إضافية، فقد كان العمل التطوعي شائعا في سبعينات القرن العشرين، وكان ينظر إليه نظرة إيجابية، إذ عدّ شكلا من أشكال مقارعة الاحتلال ومقاومته. وبسخريته المعتادة وصف الدكتور عادل نفسه بأنه كان “خمسة دكاترة معا.” وبالرغم من تعاظم المسؤولية وثقل العبء الملقى على عاتقه، كان يقوم بالعمل المطلوب منه بإقبال شديد وبرغبة وبلا تذمر.

وفي ذات الفكرة، كان الاحتلال أحيانا يفرض الإقامة الجبرية على بعض القيادات الطلابية، ولا يسمح لها بدخول نابلس والجامعة، وقسم من هذه القيادات كان من مدن أخرى مثل الخليل، ولما تعذّر قدوم هؤلاء الطلاب إلى الجامعة لتأدية امتحاناتهم، ذهب الأساتذة إلى بيوت هؤلاء في مدنهم وقراهم دون تذمر وبكل ود وإخاء.

تهمة الانحياز لليسار

عادل الأسطة لا يتوقف عن النشاط الأدبي
عادل الأسطة لا يتوقف عن النشاط الأدبي

لا آتي بجديد حين أقول إن جامعة النجاح في نابلس جامعة وطنية بامتياز، ولذلك كان نشر الوعي الوطني مهمة من مهماتها وهدفا من أهدافها، ولما كان الأسطة يدرّس مساق الأدب الفلسطيني الحديث فقد ساعده ذلك في اختيار الأدباء ونصوصهم دون اعتراض من أحد، وبقي يدرّس من يريد من الأدباء وما يريد من النصوص حتى اليوم الأخير من عمله الجامعي.

وفي ذات الفكرة، كان المد الإسلامي قد بدأ يتصاعد في الجامعة والضفة والعالم الإسلامي، ومما أخذ على الأسطة وانتقد به أنّه درّس أدباء وطنيين وقوميين ويساريين، ولم يدرّس أديبا ذا توجه إسلامي قط.

درّس الدكتور الأسطة إبراهيم طوقان وأبوسلمى ونجاتي صدقي وإسحاق موسى الحسيني وغسان كنفاني وإميل حبيبي ومحمود درويش وجبرا إبراهيم جبرا وفدوى طوقان وسميرة عزام ومحمود شقير وتوفيق فياض ويحيى يخلف وليانة بدر وأكرم هنية، وللأمانة لم يكن بين هؤلاء كاتب إسلامي التوجه، وبهذا يكون محقّا من انتقد الدكتور عادل في هذه المسألة، وبالأخص بوجود شاعر إسلامي فلسطيني كبير تدرّس قصائده في الكثير من المناهج العربية مثل محمود مفلح على سبيل المثال لا التحديد.

وفي اتجاه آخر، كانت إجابة الدكتور المعتادة بأنه يراعي في اختياراته الجانب الأدبي لا التوجه الفكري، وأن الأدب الفلسطيني طغى عليه الفكر اليساري والوطني منذ النكبة، بل وما قبلها، وحتى اليوم، وأن الأدب الإسلامي ظل حتى نهايات القرن العشرين شبه غائب وشبه ضعيف. مع الأخذ بعين الاعتبار أن الأدبيات الوطنية واليسارية في فلسطين كانت آنذاك في صعود. وفي تصريح خاص لـ”العرب” قال الدكتور عادل الأسطة ” كتبت عن وليد سيف وحللت قصيدة تميم البرغوثي ‘القدس’ وحتى وليد الهودلي كتبت عن بعض رواياته.”

ويواصل “هذا بخصوص الأدب ذي التوجه الإسلامي، ولكني نشأت مع أدباء الأرض المحتلة والأدب الفلسطيني اليساري ولم ألتفت إلى كتاب يساريين كثر مثل غسان زقطان وإبراهيم نصرالله وعمر عبدالرحيم وسالم جبران، ومع ذلك في كتابتي عن الرواية والقصة القصيرة كتبت عن وطنيين وقوميين ويساريين وغير منتمين، وأنا منذ عقود أركز على الرواية والقصة القصيرة ولا أهتم إلا بشاعرين دون غيرهما: محمود درويش ومظفر النواب.”

خضوع الجامعة للمجتمع

غزارة إنتاجه من كتب روائية وقصصية ونقدية
غزارة إنتاجه من كتب روائية وقصصية ونقدية

من يقرأ للدكتور عادل الأسطة سيلاحظ أنه يسعى بكل جد واجتهاد لإحداث نقلة نوعية ليس فقط على مستوى التعليم الجامعي، بل في بُنية المجتمع الفلسطيني والعربي. وذلك من خلال إعلاء العلم ووضعه في المقدمة، وانتقاده لعيوب المجتمع واستعداده لتحمل نتائج ردات فعل المجتمع وأشباه المثقفين.

يرى الأسطة أن الجامعة تخضع للمجتمع ولا توجد رغبة ملموسة من القائمين عليها في قلب الموازين ووضعها في سياقها العادي.

من الطبيعي قيادة الجامعة للمجتمع لا العكس، كما يعتقد أن أكثر الجامعات العربية تخضع لمجتمعاتها، وأنها لا تقودها إلى عالم آخر أوسع أفقا، ويبدو هذا بالنسبة إلى الدكتور الأسطة في سياسة الجامعة المقرّرة يوم تأسيسها، فأهدافها المعلنة تقرّ بأن الجامعة مثلا وطنية عربية إسلامية وما شابه، وقد تتعارض سياسات الجامعة مع أهم ما يجب أن تحققه وهو إشاعة التفكير العلمي وإخضاع ما يدرس للعقل لا للعواطف والمشاعر وما شابه. أضف إلى ذلك أن موقع جامعة النجاح داخل المدينة ترك مجالا لتدخّل السكان في ما يجري فيها، وما زاد الطين بلة حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال.

لم يقتصر الأمر على المجتمع، فقد كانت الفصائل غالبا ما تتدخل في العلاقة بين الأستاذ وبعض الطلاب المنتمين إليها، وإذا كان المُحاضر قريبا من هذا الفصيل أو ذاك، فإن الطلب من الكادر التدريسي بمساعدة أعضاء الفصيل يزداد، وهذا كله يفقد العملية التعليمية في الجامعة الكثير من استقلاليتها وانحيازها للعلم.

فالولاء في جامعاتنا، حسب رأي الدكتور عادل، قُدم كثيرا على الكفاءة. الجامعات العربية للأسف تريد ولاءات ولا تريد كفاءات. كما أن الطلاب يميلون بشدة نحو الدكتور المنتمي إلى فصيلهم ويحمل نفس التوجهات، ولو عكسنا المرآة على باقي الجامعات في الوطن العربي لوجدنا الكثير مما يقوله الدكتور عادل واقعيا جدا، وهذا أمر لا يحتاج إلى استنتاج.

وما تجدر الإشارة إليه هو أن الدكتور عادل طيلة مسيرته في التعليم لم يلتفت إلى الفصائلية أو الحزبية على الإطلاق، ولم يتعامل مع الطلاب من منطلقهما، وقد حرص على أن يكون أكاديميا صرفا، وهذا يتجلى في غزارة إنتاجه الأدبي والنقدي.

شيء من السياسة

الجامعات العربية في رأي الأسطة تريد ولاءات لا كفاءات
الجامعات العربية في رأي الأسطة تريد ولاءات لا كفاءات

عُرفت عن الدكتور عادل الأسطة جرأته البالغة في النقد، حيث كان أوّل من انتقد استمرار الدكتور رامي الحمد الله رئيسا لجامعة النجاح وفي ذات الوقت رئيسا للوزراء.

كما تتجلى هذه الجرأة باصطياده للأعمال الأدبية للسياسيين الفلسطينيين الكبار، وهنا أتحدث عن المجموعة القصصية لرئيس الوزراء الفلسطيني السابق محمد أشتيه “إكليل من الشّوك” 2009 ورواية الراحل يحيى السنوار زعيم حركة حماس في غزّة “الشّوك والقرنفل” 2004 حيث عمد إلى تشريح الكتابات وأسقط بعض صفات شخوصها على الكاتب.

وفي اتجاه آخر، من يتابع كتابات الدكتور الأسطة يجد أنّه يتفادى انتقاد حركة حماس وما وصل إليه الشعب الفلسطيني من كوارث بسبب هجوم طوفان الأقصى. وعند سؤالي له بخصوص هذه الجزئية المعقدة، ردّ الدكتور في تصريح خاص لـ”العرب” قائلا “بخصوص حماس أنا لست حمساويا وكتبت عنها وعن فتح والفصائل الأخرى في سياق الرواية والخربشات. في حرب غزة أنا معني برصد معاناة الناس في الحرب والظلم الواقع على شعبنا هناك وهمجية الاحتلال وتوحشه. هناك من ينتقد حماس وموقفي من الفصائل كلها بدا في نص ‘ليل الضفة الطويل’ و’الوطن عندما يخون’. وغالبا ما حملت رداءة وضعنا الداخلي إلى فتح وحماس وخلافهما معا. في الحرب لم أنتقد حماس. صحيح. أنا أرصد معاناة شعبنا بالدرجة الأولى.”

 

8