ضياع لغتنا العربية.. حقيقة أم مجرد وهم اجتماعي؟

الإشكال الحقيقي، في جوهره، ليس في مكانة اللغة العربية اليوم بقدر ما هو في طريقة تعاملنا معها.
الخميس 2026/04/16
العربية لا تعيش لحظة أفول بل لحظة اختبار

يتردد على الألسنة، وفي وسائل الإعلام، وفي المجالس الثقافية، سؤال يكاد يتحول إلى مسلّمة غير قابلة للنقاش: هل تراجعت مكانة اللغة العربية؟ ويُطرح هذا السؤال غالباً بنبرة قلق وحسرة، وكأن العربية تقف اليوم على حافة الانقراض أو فقدان الدور. غير أن التمعن الهادئ في هذا الخطاب يكشف أن المسألة أعقد من مجرد حكم قطعي بالتراجع، وأن كثيرا مما يُتداول قد يكون وهما اجتماعيا أكثر منه حقيقة موضوعية، أو على الأقل حقيقة جزئية جرى تعميمها.

لا شك أن الشعور بتراجع العربية لم يأتِ من فراغ. فالتغيرات العميقة التي شهدها العالم في العقود الأخيرة، من عولمة متسارعة وهيمنة لغات بعينها في مجالات الاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا، أسهمت في خلق بيئة لغوية جديدة. في هذه البيئة، باتت اللغات الأجنبية، وعلى رأسها الإنجليزية، حاضرة بقوة في التعليم العالي وسوق العمل والتواصل الرقمي، الأمر الذي جعل كثيرين يعتقدون أن العربية انزاحت إلى الهامش، ولم تعد قادرة على منافسة لغات العصر.

غير أن هذا الانطباع، على وجاهته الظاهرية، يحتاج إلى إعادة نظر؛ فمكانة أي لغة لا تُقاس فقط بمدى حضورها في مجالات بعينها، بل بمدى انتشارها، وعدد مستخدميها، وارتباطها بالهوية والثقافة، وقدرتها على التكيف مع التحولات. وإذا نظرنا إلى العربية من هذه الزوايا، فإن صورة “التراجع المطلق” تبدأ في التصدع. فالعربية لا تزال من أكثر لغات العالم انتشارا، ويتحدث بها مئات الملايين، وهي لغة دين وثقافة وتاريخ، وما زالت حاضرة بقوة في الحياة اليومية لمجتمعات كاملة.

الحديث عن تراجع مكانة العربية يحمل قدرا من الحقيقة، لكنه مشوب بمبالغة ووهم اجتماعي تغذّيه المقارنات السطحية والخطابات العاطفية

إن جزءا من وهم التراجع يرتبط بالمقارنة غير المتوازنة بين العربية واللغات الأجنبية في مجالات العلوم الحديثة والتقنيات المتقدمة. فحين نرى أن أغلب الأبحاث العلمية تُنشر بالإنجليزية، وأن كثيرا من المصطلحات التقنية تُستخدم بلغتها الأصلية، نستنتج سريعا أن العربية عاجزة أو متخلفة. لكن هذه النتيجة تتجاهل حقيقة أن هيمنة لغة ما في مجال معين لا تعني بالضرورة ضعف اللغات الأخرى، بل تعكس اختلالات سياسية واقتصادية ومعرفية أوسع. فالعربية، تاريخيا، كانت لغة علم وحضارة حين توفرت لها شروط القوة والإنتاج، وتراجعت حين تراجعت هذه الشروط، لا لخلل ذاتي فيها.

كما أن الخلط بين ضعف استخدام العربية لدى بعض النخب، وبين تراجع مكانتها العامة، أسهم في تضخيم الإحساس بالأزمة. فصحيح أن بعض الفئات الاجتماعية، خصوصا في المدن الكبرى والمؤسسات الخاصة، تميل إلى استخدام اللغات الأجنبية بوصفها رمزا للوجاهة أو الحداثة، لكن هذا السلوك لا يعكس بالضرورة موقف المجتمع ككل. في المقابل، لا تزال العربية اللغة الأساسية للتواصل اليومي، وللإعلام، وللخطاب الديني والثقافي، وللأدب والفنون، وهي المجالات الأكثر تأثيرا في تشكيل الوعي الجمعي.

ولا يمكن تجاهل دور الإعلام الجديد في تعميق هذا الجدل. فوسائل التواصل الاجتماعي، بما تحمله من أنماط تعبير سريعة ومختلطة، أظهرت العربية في صورة غير منضبطة، مليئة بالأخطاء والتهجين. هذا المشهد دفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن العربية تتفكك وتفقد معاييرها. غير أن هذه الظاهرة يمكن قراءتها قراءة مختلفة؛ فهي لا تعكس بالضرورة ضعف اللغة، بل تعكس تحولات في أنماط التواصل، حيث تتراجع الصرامة اللغوية لصالح السرعة والعفوية، وهو أمر عرفته لغات كثيرة ولم يؤدِّ إلى زوالها.

في المحصلة، يغفل خطاب “التراجع” مظاهر حيوية لافتة في حضور العربية. فهناك اليوم إنتاج ضخم للمحتوى العربي الرقمي، من مقالات وبرامج وبودكاست ومواد تعليمية، وهناك إقبال متزايد على تعلم العربية من غير الناطقين بها لأسباب دينية وثقافية واقتصادية. كما أن تقنيات الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغة الطبيعية بدأت تولي العربية اهتماما متزايدا، وهو ما يفتح آفاقا جديدة لاستخدامها في الفضاء الرقمي والعلمي.

العربية لا تعيش لحظة أفول، بل لحظة اختبار: إما أن نستسلم لسردية الضعف فنحوّلها إلى نبوءة تحقق ذاتها، أو أن نعيد اكتشاف اللغة بوصفها رصيدا حيا قادرا على التكيف والإبداع متى توفرت له الإرادة والرؤية

إن الإشكال الحقيقي، في جوهره، ليس في مكانة العربية بقدر ما هو في طريقة تعاملنا معها. فحين نكرر خطاب التراجع والضعف، ونقدّم العربية دائما في صورة الضحية، فإننا نكرّس شعورا بالعجز، ونعفي أنفسنا من مسؤولية الفعل. هذا الخطاب، وإن كان دافعه الغيرة على اللغة، قد يتحول إلى عامل إحباط، خاصة لدى الأجيال الشابة، التي تتلقى رسالة ضمنية مفادها أن العربية غير قادرة على مواكبة العصر.

كما أن التركيز المفرط على أخطاء الأفراد في استخدام العربية، وتحويلها إلى دليل على انهيار اللغة، يعبّر عن نظرة مثالية جامدة تتجاهل طبيعة اللغة بوصفها كائنا حيا يتغير ويتطور. فاللغة لا تموت بالأخطاء، بل تموت حين يتخلى عنها أهلها، وهذا لم يحدث في حالة العربية. ما يحدث هو تغير في طرائق استخدامها، وهو تغير يمكن توجيهه وتطويره بدلاً من الاكتفاء بإدانته.

ولا يعني هذا إنكار وجود تحديات حقيقية تواجه العربية. فضعف تعليم اللغة في بعض المراحل، وتراجع الاهتمام بالقراءة، وقلة الاستثمار في الترجمة والتأليف العلمي بالعربية، كلها مشكلات واقعية. لكنها مشكلات تتعلق بالسياسات الثقافية والتعليمية، لا بجوهر اللغة أو قدرتها. وحين تُعالج هذه القضايا بجدية، تتغير الصورة سريعا، كما أثبتت تجارب تاريخية ومعاصرة.

إن السؤال الأجدى، إذن، ليس: هل تراجعت مكانة العربية؟ بل: كيف نعيد توجيه النقاش من الرثاء إلى الفعل؟ كيف نجعل العربية لغة جذابة في التعليم والإعلام والبحث العلمي؟ وكيف نزرع في الأجيال الجديدة الثقة بلغتها، دون أن نضعها في مواجهة عدائية مع اللغات الأخرى؟ فالتعدد اللغوي ليس تهديدا، بل يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أُحسنت إدارته.

من هنا، يبدو أن الحديث عن تراجع مكانة العربية يحمل قدرا من الحقيقة، لكنه مشوب بمبالغة ووهم اجتماعي تغذّيه المقارنات السطحية والخطابات العاطفية. العربية لا تعيش لحظة أفول، بل لحظة اختبار: إما أن نستسلم لسردية الضعف فنحوّلها إلى نبوءة تحقق ذاتها، أو أن نعيد اكتشاف اللغة بوصفها رصيدا حيا قادرا على التكيف والإبداع متى توفرت له الإرادة والرؤية. وبين الوهم والحقيقة، تبقى العربية مرآة لواقعنا الثقافي، بقدر ما هي أداة لتشكيله.

8