صندوق النقد يفتح ملف الديون والعراق في قلب المشهد
لا تبدأ التحولات الكبرى دائمًا بقرار صاخب، فأحيانًا يكفي أن تتغير طريقة النظر إلى رقم صغير في دفتر دولة حتى تبدأ خرائط كاملة بإعادة ترتيب مواقعها في الظل. ولهذا فإن إعادة “صندوق النقد الدولي والبنك الدولي” النظر في الطريقة التي تُقاس بها قدرة الدول منخفضة الدخل على تحمّل ديونها ليست مجرد عملية حسابية جديدة ولا تحديثًا باردًا لجداول الاقتصاد، إنها تحديد للحظة التي يتحول فيها الدين من وسيلة لتمويل المستقبل إلى قوة قادرة على ابتلاع ذلك المستقبل.
فمنذ المراجعة السابقة عام 2017 تغيّرت طبيعة اللعبة، حيث ازدادت مصادر الاقتراض تنوعًا واتسع حضور الدين المحلي كما ارتفعت تكاليف التمويل، بينما أصبحت الدول الفقيرة تواجه احتياجات متزامنة من “تنمية متأخرة، أزمات مناخية، صدمات غذائية وطاقة” وحروب لا تنتهي عند حدودها العسكرية بل تمتد إلى العملة والموازنة والأسواق. ولهذا يتجه الإطار الجديد إلى النظر بصورة أوسع إلى الدين المحلي والخارجي وإلى قدرة الدولة على تحمّل الصدمات المستقبلية، وليس فقط وضعها المالي في اللحظة الراهنة. ليبدأ من هنا السؤال الذي يتجاوز الاقتصاد ذاته، وهو: ماذا يحدث عندما يصبح الدين أداة لقياس مساحة السيادة؟
فالدولة التي تمتلك هامشًا ماليًا تستطيع أن تتحرك، والدولة التي يضيق هامشها تبدأ خياراتها في الانكماش. وهذا المعنى يفتح الباب إلى “العراق” حتى وإن كان الإطار الجديد موجّهًا أساسًا إلى الدول المؤهلة للتمويل الميسر، ولا يعني ذلك أن العراق سيدخل تلقائيًا تحت هذا التصنيف، لكن أثر التحول أوسع من الدول التي يشملها الإطار مباشرة. لأن إعادة تعريف المخاطر في النظام المالي الدولي تؤثر في الطريقة التي ينظر بها المقرضون والمؤسسات الدولية إلى الدين، والعجز، والقدرة على تمويل التنمية. والعراق يقف في منطقة مختلفة من هذه الخريطة، دولة ذات موارد نفطية كبيرة لكنها شديدة الحساسية لتقلبات أسعار الطاقة ولحركة الإيرادات العامة والإنفاق، ولقدرتها على تحويل الثروة النفطية إلى قاعدة اقتصادية أكثر تنوعًا.
◄ العراق والمنطقة يواجهان تحديات مركبة فالموارد النفطية وحدها لا تكفي والشفافية وتنويع الاقتصاد وإدارة الدين عناصر حاسمة لضمان الاستقرار والسيادة المستدامة
ولهذا فإن الرسالة القادمة من “واشنطن” لا ينبغي قراءتها باعتبارها رقمًا يخص الدول الفقيرة وحدها، بل باعتبارها جزءًا من اتجاه عالمي أوسع. ففي دول المنطقة الأكثر هشاشة تبدو الصورة أكثر قسوة؛ فاليمن، وسوريا، والسودان، وغيرها من الاقتصادات المتضررة من النزاعات والأزمات لا تواجه الدين باعتباره مسألة محاسبية منفصلة عن الحياة، حيث إن كل ارتفاع في كلفة الغذاء والطاقة، وكل تراجع في العملة، وكل صدمة في التجارة والتحويلات، يمكن أن يتحول إلى ضغط جديد على المالية العامة. وفي منطقة تعاني فيها بعض الدول الهشة أصلًا من ضعف الاحتياطيات وارتفاع الاحتياجات التمويلية، يمكن للصدمات الخارجية أن تضيق المساحة المتاحة أمام الحكومات بسرعة، ومن هنا تحديدًا تتضح أهمية التغيير.
إن الإطار الجديد لا يريد فقط أن يسأل: كم تدين الدولة؟ بل يريد أن يعرف: ماذا سيحدث إذا ارتفعت الفائدة؟ وماذا سيحدث إذا انخفضت الإيرادات؟ وماذا سيحدث إذا جاءت أزمة غذاء أو طاقة؟ بالإضافة إلى ماذا سيحدث إذا طال أمد الحرب؟ وماذا سيحدث إذا أصبح المناخ نفسه فاتورة جديدة على خزينة الدولة؟ فكل هذه الأسئلة تجعل الدين أقرب إلى جهاز إنذار مبكر. والأكثر حساسية أن المؤسسات الدولية ستصبح أكثر اهتمامًا بجودة البيانات واتساعها وشفافيتها وبالديون التي قد لا تظهر بسهولة في الصورة التقليدية، بما فيها بعض الالتزامات المرتبطة بالمؤسسات العامة. ومع دخول اختبارات ضغط أكثر تطورًا لن يكون الرقم وحده كافيًا، بل ستصبح قدرة الدولة على الصمود أمام السيناريو الأسوأ جزءًا من الحكم على قدرتها المالية.
ومن هذا المضمون يعود العراق هنا إلى المشهد من باب آخر. فالسؤال بالنسبة إليه كما بالنسبة إلى كثير من دول المنطقة ليس فقط حجم الدين وإنما نوع الاقتصاد الذي يقف خلف الدين. اقتصاد يستطيع أن يمول نفسه من مصادر متعددة ويملك مساحة للمناورة، أما الاقتصاد الذي يرتبط مصدره الرئيسي للدخل بسلعة واحدة فإن تقلب تلك السلعة يمكن أن يتحول إلى تقلب في الموازنة ثم إلى ضغط على الاقتراض ثم إلى ضيق في القرار. وفي هذه النقطة تحديدًا يصبح الاقتصاد لغة أخرى من لغات الجغرافيا السياسية، لأن الدولة التي تحتاج إلى التمويل الخارجي لا تحتاج إلى المال فقط بل تحتاج أيضًا إلى ثقة الأسواق والمؤسسات والدائنين. لذلك فإن إعادة صياغة أدوات قياس الديون هي بداية لمرحلة تصبح فيها الشفافية وتنويع الاقتصاد وإدارة الدين وحماية الإيرادات والقدرة على مواجهة الصدمات عناصر مرتبطة ببعضها أكثر من أي وقت مضى.
فالمشهد ليس مجرد صندوق يعيد ترتيب معادلاته، إنه عالم مالي يحاول أن يكتشف مبكرًا أي دولة تقف على أرض صلبة وأي دولة تمشي فوق طبقة رقيقة من الأرقام. ففي هذا العالم قد لا يكون أخطر ما في الدين هو حجمه، بل اللحظة التي يصبح فيها الدائن قادرًا على رؤية مستقبل الدولة بوضوح أكبر من الدولة نفسها. وبين بغداد وصنعاء ودمشق والخرطوم، وبين عواصم أخرى تخشى أن تتحول أرقامها إلى إشارات خطر، تبدأ قصة جديدة.. قصة لا يكون فيها الدين مجرد رقم مستحق بل خريطة صامتة ترسم مقدار المساحة التي بقيت للدولة كي تقول: نعم أو لا.