صراع الخلافة في إيران: رأس ضعيف وأجنحة متكسرة
لم تكن وفاة المرشد الإيراني علي خامنئي مجرد محطة عابرة في تاريخ الجمهورية الإسلامية، بل مثّلت نقطة الارتطام الكبرى التي كشفت عطب الميزان الداخلي الذي ضبط إيقاع الأجنحة المتقاتلة طوال عقود. واليوم تدير طهران أزمتها تحت عنوان داخلي بالغ الدقة تداولته كواليس الرصد السياسي ووصفته بـ”آتشبس شکننده” (وقف النار الهش). مرحلة يتنازع فيها رأس ضعيف وأجنحة متكسرة على حافة هاوية، لا تستطيع التراجع عن التنازلات فيها، ولا تملك القدرة على تحمل أثمانها.
في الأيام التي تلت إعلان الوفاة، سارعت آلة النظام الإعلامية — وكالة “تسنيم” وصحيفة “جوان” الناطقة باسم الحرس الثوري وصحيفة “إيران” الرسمية — إلى فرض سردية أحادية. حوّلت مراسم التشييع والدفن إلى “استفتاء ميداني شعبي جارف”، وروّجت أرقامًا فلكية عن مشاركة “ملايين” المحتشدين في المحافظات. كانت الغاية واضحة: إرسال رسالة ردع مزدوجة من الدائرة المحيطة بمجتبى خامنئي إلى الداخل المتمرد والخارج المتربص، بأن انتقال السلطة يتم بسلاسة مطلقة. غير أن هذا الضخ المبالغ فيه كشف عكس ما أراد إثباته. فالرعب الدفين من فراغ الشرعية، والغياب المريب لرموز أساسية عن مفاصل التشييع، أثبتا أن معركة توريث النفوذ لـ”مجتبى” تصطدم بجدران سميكة من الشكوك داخل المؤسسة الدينية والحرس نفسه.
لم تقتصر المعارك على الشارع، بل امتدت إلى شاشة التلفزيون الرسمي “صداوسيما”. اتهمت الحكومة الإيرانية علنًا هيئة الإذاعة والتلفزيون بممارسة الرقابة وحذف مقطع أساسي من مقابلة الرئيس مسعود بزشكيان. في ذلك المقطع أشار بزشكيان إلى أن المرشد الراحل أصدر تعليمات سرية للمسؤولين بالتفاوض مع الولايات المتحدة لتجاوز حالة “اللا حرب واللا سلم”، رغم إعلانه العلني رفض أي تفاوض بعد حرب الـ12 يومًا.
وفاة خامنئي فجّرت أزمة شرعية داخلية حيث يتنازع مجتبى والحرس الثوري مع الحكومة والبرلمان على وراثة النفوذ وسط خطاب إعلامي متضخم يخفي هشاشة السلطة
هذا التباين بين الخطاب الرسمي وما يدور خلف الأبواب المغلقة دفع غرف الرقابة التابعة لجناح الحرس و”جبهة الصمود” إلى حذف المقطع على الهواء مباشرة. فجّرت الواقعة مواجهة علنية جديدة كشفت سعي المتشددين لإفشال مسار التسوية الذي يمنح البرلمان والحكومة شرعية إنقاذ الاقتصاد على حساب هيمنة التيار العقائدي.
تجسّد الصراع على حافة الهاوية في السجال المشتعل بين السلطة التنفيذية والتيار الأصولي. فتحت صحيفة “كيهان” — المحسوبة على مكتب المرشد ويرأس تحريرها حسين شريعت مداري — جبهة انتقادات حادة ضد بزشكيان، متهمة إياه بتقديم “هدايا مجانية” لخصوم طهران والكشف عن معلومات عسكرية واقتصادية حساسة تتعلق بقدرات القوة الجوفضائية للحرس.
بالتوازي شنّ النائب حميد رسائي هجمات على معاون الرئيس للشؤون التنفيذية محمد جعفر قائم پناه، على خلفية تصريحه الجريء بأن “حصر القرار النهائي بالولي الفقيه يلغي عمليًا معنى المؤسسات الدستورية”. وردّ التيار المتشدد باتهام الثنائي بزشكيان ومحمد باقر قالیباف بتنفيذ “شبه انقلاب سياسي هادئ” يهدف إلى تقليص صلاحيات موقع القيادة وتضخيم أدوار المؤسسات التنفيذية لمواجهة الطوق الاقتصادي.
في قلب هذا التشظي تحوّل مضيق هرمز من ممر استراتيجي خارجي إلى ساحة صراع داخلي طاحنة. كتب شريعت مداري افتتاحية دعا فيها الأجهزة الاستخباراتية والقضائية إلى ملاحقة معارضي ممارسة إيران سيادتها على المضيق، واصفًا إياهم بالمنادين برواية أمريكا وإسرائيل ومحذرًا من “الطابور الخامس”. استندت الصحيفة إلى روايات استخباراتية تاريخية لتخوين الأصوات الداخلية التي تدعو إلى إبقاء المضيق مفتوحًا أو تخفيف الضغط البحري. في المقابل يرى الجناح الحكومي — بزشكيان وقالیباف وعباس عراقجي — في استمرار الأزمات البحرية عبئًا إضافيًا يسرّع بالانفجار الداخلي، بينما يصرّ تيار الحرب والانتقام على استخدام المضيق وملفات الصواريخ والميليشيات كأدوات ابتزاز لتعويض خسائر النظام وفرض هيبته.
إن ما يجري اليوم في إيران ليس صراعًا تقليديًا بين إصلاحيين ومعتدلين ومتشددين، بل نزاع يائس بين جناحين على طريقة إنقاذ ديكتاتورية مأزومة. مجتبى خامنئي عاجز عن فرض خيار المواجهة الشاملة بمفرده، وفريق بزشكيان وقالیباف عاجز عن انتشال الاقتصاد من قاع الانهيار دون تقديم تنازلات كبرى تصطدم بعقيدة الحرس الثوري. وبين طحن هذا الصراع في القمة وارتفاع منسوب التذمر في الشارع الإيراني، تبقى منظومة الحكم معلّقة على خيط رفيع من “الوقف الهش للنار”، في انتظار اللحظة التي تكسر فيها معادلة الغضب الداخلي هذه الحلقة المفرغة إلى الأبد.