صالح الهجر يحول الخط العربي إلى شهادة بصرية على الذاكرة السورية

التشكيلي السوري يقدم رؤية فنية تنطلق من تجربة شخصية قاسية، ليحوّل ما كان يوما جدرانا شاهدة على الألم إلى فضاء بصري ينبض بالحكايات والذاكرة.
الأربعاء 2026/04/08
حروف شاهدة على آلام كثيرة

دمشق- لا يقدّم الفنان السوري صالح الهجر الخط العربي بوصفه وسيلة للكتابة فحسب، بل يعيد صياغته ضمن رؤية بصرية معاصرة، تتحول فيها الحروف إلى عناصر تشكيلية قائمة بذاتها. في هذا السياق يتراجع البعد القرائي للنص، ليحل محله حضور بصري كثيف يزاوج بين الذاكرة والتشكيل الحديث.

وتتجلى هذه المقاربة في لوحة قدمها ضمن معرضه الأخير الذي حمل عنوان “من جدران الزنزانة” ونُظم في المتحف الوطني بدمشق، حيث انتشرت فيها تكوينات خطية داخل فضاء لوني متدرج، منحت العمل إيقاعا بصريا واضحا.

◄ "من جدران الزنزانة" يحوّل ما كان يوما جدرانا شاهدة على الألم إلى فضاء بصري ينبض بالحكايات والذاكرة
◄ "من جدران الزنزانة" يحوّل ما كان يوما جدرانا شاهدة على الألم إلى فضاء بصري ينبض بالحكايات والذاكرة

ولا يقف العمل عند حدود التجريب الشكلي، بل ينفتح على تجربة إنسانية عميقة، فاللوحة تستحضر معاناة السوريين عموما، وتجربة الفنان الشخصية في الاعتقال داخل سجون النظام البائد، لتغدو مساحة تختزن الألم والذاكرة، ويصبح الحرف فيها شاهدا بصريا على القمع والانكسار.

وفي قراءة للعمل يرى الفنان التشكيلي الفلسطيني محمد الركوعي، الذي عانى بدوره من تجربة الاعتقال، أن هذه التجربة تستدعي إرثا من الكتابات المرتبطة بذاكرة السجن، بما تحمله من شحنة إنسانية عالية، تنعكس بوضوح في البناء البصري للعمل، حيث تتحول اللغة من وسيلة تعبير إلى مادة تشكيلية تُبنى عليها اللوحة.

ويشير الركوعي إلى أن هذه المقاربة في اللوحة تندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ”التشكيل الخطي”، وهو اتجاه يستلهم التراث الإسلامي في الزخرفة والخط، لكنه يعيد تقديمه برؤية معاصرة، تجعل من الحرف عنصرا بصريا متحررا من وظيفته التقليدية.

كما يلفت إلى أن أعمال الهجر تعتمد على تدرجات لونية متداخلة، تخلق ما يشبه المدرج البصري، حيث تتمازج الخطوط مع الخلفية في حالة من الانسجام، ما يمنح اللوحة طابعا تجريديا واضحا ويجعل قراءة النصوص غير مباشرة، دون أن يفقد العمل حضوره.

ويصف الركوعي تجربة الهجر بأنها حالة بصرية مشحونة بالدلالات، حيث توحي التدرجات اللونية الداكنة بإحساس الاختناق والعزلة، وتعكس تجربة إنسانية قاسية دون الوقوع في المباشرة، مبينا أن هذه التجربة تندرج ضمن مسار أوسع في الفن العربي المعاصر، يسعى إلى إعادة قراءة الخط العربي خارج وظيفته التقليدية، وإدخاله في حوار مع التشكيل الحديث.

◄ لوحات تتحول فيها الحروف إلى عناصر تشكيلية قائمة بذاتها
◄ لوحات تتحول فيها الحروف إلى عناصر تشكيلية قائمة بذاتها

وتبرز خصوصية هذه اللوحة برأي الركوعي في قدرتها على تحقيق توازن بين الجذور التراثية والانفتاح على التجريب، عبر إعادة توظيف الماضي ضمن رؤية جديدة تجعل من الخط موضوعا للرؤية، في تجربة تفتح المجال أمام تأويلات متعددة، وتؤكد قدرة الخط العربي على التجدد ومواكبة تحولات الفن المعاصر دون أن يفقد هويته.

صالح الهجر، فنان تشكيلي وخطاط سوري معاصر، عُرف باشتغاله على دمج الخط العربي مع الفن التشكيلي، في تجربة تسعى إلى توثيق الذاكرة الإنسانية والسياسية في سوريا، حيث يتحول الحرف في أعماله إلى وسيط بصري يحمل أثر التحولات العميقة التي شهدها المجتمع، ويعكس تداخل تجربته الشخصية مع الهمّ العام، ضمن صياغة فنية معاصرة.

هو عضو في اتحادي الفنانين التشكيليين السوريين والعرب، ويعد من أبرز الأسماء في الفن الحروفي المعاصر، نال إجازة الخط العربي على يد الخطاط المصري مسعد خضير البورسعيدي، وقدم منذ عام 2001 مسيرة فنية غنية بالمعارض داخل سوريا وخارجها، وشارك في ملتقيات عربية ودولية، أبرزها ملتقى الشارقة لفن الخط العربي، حيث نال الجائزة التقديرية عام 2014. تقتني أعماله مؤسسات رسمية وثقافية ومجموعات خاصة في عدة دول.

◄ اللغة تحولت من وسيلة تعبير إلى مادة تشكيلية تُبنى عليها اللوحة
◄ اللغة تحولت من وسيلة تعبير إلى مادة تشكيلية تُبنى عليها اللوحة

وقدّم الفنان في معرضه “من جدران الزنزانة” رؤية فنية تنطلق من تجربة شخصية قاسية، ليحوّل ما كان يوما جدرانا شاهدة على الألم إلى فضاء بصري ينبض بالحكايات والذاكرة.

وشكّل المعرض شهادة إنسانية على معاناة المعتقلين السوريين في سجون النظام السابق، حيث يستعيد الهجر أصواتهم ويعيد صياغة تجاربهم عبر لوحات تحمل صرخات مكتومة، وتفتح في الوقت ذاته نوافذ للأمل.

وضم المعرض 20 عملا فنيا منفذا بألوان الأكريليك على القماش، مع استخدام أدوات خاصة تحاكي الآثار البصرية والملمسية التي تركها المعتقلون على جدران الزنازين. وجاءت اللوحات ضمن أسلوب تعبيري يجمع بين التوثيق والرمزية، حيث تتجاوز الحروف وظيفتها اللغوية، لتغدو عناصر تشكيلية تنقل التجربة إلى فضاء بصري أكثر عمقا.

وقال الهجر إن المعرض “وثيقة تشكيلية تخبرنا بحجم معاناة المعتقلين السوريين من خلال الفن”، موضحا أن الأسماء والرسائل التي تركها رفاقه على الجدران كانت الدافع الأساسي لإنجاز هذه الأعمال، بوصفها إرثا إنسانيا يتجاوز الزمن.

وأضاف أن الكلمات التي خطّها المعتقلون كانت “أدوات مقاومة”، وأن كل جملة في اللوحات تمثل صرخة في وجه القهر، وخطوة نحو الحرية، مؤكدا أن أن الفن يشكّل وسيلة لإحياء الذاكرة ومواجهة النسيان، وفضاءً للتعبير عن الواقع والآلام الإنسانية.

◄ لوحات تحمل صرخات مكتومة
◄ لوحات تحمل صرخات مكتومة
◄ أعمال الهجر تعتمد على تدرجات لونية متداخلة، تخلق ما يشبه المدرج البصري
◄ أعمال الهجر تعتمد على تدرجات لونية متداخلة، تخلق ما يشبه المدرج البصري
◄ تجربة تسعى إلى توثيق الذاكرة الإنسانية والسياسية في سوريا
◄ تجربة تسعى إلى توثيق الذاكرة الإنسانية والسياسية في سوريا

9