"شيراز" لظافر يوسف.. حوار الموسيقى احتفاء بقيم الحب والسلام

الموسيقي التونسي قدم عمله الجديد في مهرجان الحمامات بوصفه رحلة إنسانية تمزج الجاز بالموسيقى العربية، وتحتفي بالتجريب والانفتاح والحوار بين الثقافات
الاثنين 2026/07/13
حين تتحول الموسيقى إلى لغة للحب والسلام

الحمامات (تونس)- في أمسية امتزج فيها التأمل بالشغف، والارتجال بالذاكرة، افتتح الموسيقي التونسي العالمي ظافر يوسف صفحة جديدة من مشروعه الفني، مقدّمًا عرضه الجديد «شيراز» على خشبة مهرجان الحمامات الدولي، ضمن فعاليات دورته الستين المقامة تحت شعار «ذاكرة تعيش». وأمام مدارج امتلأت بجمهور جاء لاكتشاف أحدث تجاربه الموسيقية، قاد يوسف حوارًا مفتوحًا بين العود والجاز، وبين الشرق والعالم، في عرض احتفى بالحب والجمال وقيم التعايش الإنساني.

ومنذ اللحظات الأولى، بدا واضحًا أن «شيراز» ليس مجرد عمل موسيقي جديد، بل مشروع شخصي يستلهم إحدى أكثر التجارب خصوصية في حياة صاحبه. فالعمل يحمل اسم زوجته، المخرجة شيراز فرادي، ويتخذ من هذه العلاقة الإنسانية منطلقًا لبناء عالم موسيقي تتقاطع فيه العاطفة مع الإبداع، وتتحول فيه التجربة الشخصية إلى خطاب فني يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية. كما يستدعي عنوانه، في الوقت نفسه، مدينة شيراز الإيرانية بما تحمله من رمزية شعرية وصوفية راسخة في المخيال الشرقي.

ورافق ظافر يوسف على خشبة المسرح خمسة موسيقيين من مدارس وتجارب مختلفة هم نغويان لي على الغيتار، ودانيال غارسيا دييغو على البيانو، وماريو روم على الترومبيت، وسوايلي مبابي على آلة الباص، وتاو إرليش على الدرامز، ليشكلوا معًا فرقة تنتمي إلى ثقافات متعددة، لكنها توحدت داخل لغة الموسيقى، في انسجام عكس جوهر المشروع الفني الذي يقدمه يوسف منذ سنوات.

وظل الفنان وفيًا لرهانه الجمالي القائم على كسر الحواجز بين الأنماط الموسيقية، فالتقت أوتار العود بإيقاعات الجاز، وعانقت المقامات العربية الهارمونيات الغربية، لتولد لغة موسيقية خاصة لا تنتمي إلى تصنيف واحد، بل تنفتح على فضاءات متعددة، دون أن تفقد صلتها بجذورها الشرقية.

وفي هذا العمل، لم تكن الموسيقى مجرد مساحة للاستعراض التقني، بل غدت وسيلة للتعبير عن أسئلة الإنسان وهواجسه. فقد حملت المقطوعات أبعادًا وجدانية وروحية، تنقلت بين الحزن والفرح، وبين الانكسار والرجاء، في بناء موسيقي اتسم بالهدوء حينًا، وبالتصاعد الدرامي حينًا آخر، وكأنه يعكس اضطرابات العالم المعاصر وتوق الإنسان الدائم إلى الطمأنينة والسلام.

كما واصل ظافر يوسف استثماره لفن الارتجال، الذي يعد أحد أبرز ملامح تجربته، فترك مساحة واسعة للحوار بين الآلات، حيث لم يعد العود قائدًا منفردًا، بل طرفًا في نقاش موسيقي مع البيانو والترومبيت والباص والدرامز. ومن خلال هذا التفاعل، تجسدت قيم الانفتاح والتبادل الثقافي، ليس بوصفها فكرة نظرية، وإنما ممارسة فنية حية تتشكل فوق الركح.

وأكد العرض مرة أخرى قدرة ظافر يوسف على إعادة تقديم الموسيقى العربية في صيغة معاصرة، دون التفريط في روحها أو خصوصيتها. فهو لا يكتفي باستحضار التراث، بل يعيد تأويله داخل مشروع موسيقي عالمي، يجعل من الاختلاف مصدرًا للإبداع، ومن الحوار بين الثقافات أفقًا جماليًا وإنسانيًا.