"سجن النساء" و"السماء الثامنة" رحلتان سرديتان في أعماق القهر الإنساني
نقدم في هذا المقال مقارنة نقدية بين رائدة الدراما الواقعية فتحية العسال والكاتب محمد سلماوي، باستعراض الفوارق الجوهرية بين روايتيهما "سجن النساء" و"السماء الثامنة". فبينما تغوص العسال في قضايا المرأة والعدالة الاجتماعية بلغة حية مباشرة، يحلق سلماوي نحو الرمزية القومية والمأساة الوجودية، ليرسما معا خارطة إنسانية تتأرجح بين احتجاج الأرض وسمو الشهادة.
تُعد الكاتبة فتحية العسَّال (1933 – 2014) رائدةً في “الدراما الواقعية النسوية”، وتتركز أعمالها مثل مسرحية “سجن النساء” 1993 ومسرحيتها “نساء بلا أقنعة” 1999، حول قضايا المرأة ومعاناتها الاجتماعية، والقيود التي يفرضها المجتمع الذكوري. وتنبثق أعمالُها من تجارب حياتية ملموسة، حيث استلهمت “سجن النساء” من تجربتها الشخصية في الاعتقال، وتتميز بالقدرة على اختراق الطبقات الشعبية والوسطى، وتصوير تفاصيل الحياة اليومية بدقة ومواجهة اجتماعية جريئة.
وإلى جانب قضية المرأة، تركز العسَّال على الصراع الطبقي والعدالة الاجتماعية، ولغتها أقرب إلى لغة الشارع المصري الحيَّة والنابضة بالوجع الإنساني.
أما معظم أعمال محمد سلماوي (1945) فتركز على القضايا السياسية الوطنية والدولية. فهو كاتب يميل إلى “مسرح الأفكار” وربط الواقع المحلي بالمتغيرات العالمية. ويستخدم التاريخ والرموز مثل مسرحيته “سالومي” 1986 كقناع لإسقاطات سياسية معاصرة، وتتميز لغته بالرصانة والتحليل الفكري العميق. وتخاطب أعماله في الغالب النخبة والمثقفين، وتدور في فلك الصراع بين السلطة والحرية، أو الهوية الوطنية في مواجهة الآخر.
وبينما يذهب سلماوي نحو عالم السياسة والرمز والأيديولوجيا العامة، تغوص العسَّال في عالم الاجتماع والمرأة والواقعية النضالية.
لتوضيح الفارق بشكل أعمق بينهما، يمكننا عقد مقارنة بين عملين بارزين لكل منهما، تتجلَّى فيهما تلك “الفوارق الجوهرية” في الرؤية والأداة الدرامية.
بين الرمز والتجربة
في مسرحية “سالومي” حيث يبرز الرمز السياسي، لم يقدم سلماوي قصة تاريخية مجردة، بل استخدم “الرمز” كأداة سياسية. إنه أعاد صياغة أسطورة “سالومي” ليسلط الضوء على واقع الصراع العربي – الإسرائيلي والقضايا السياسية الراهنة في الشرق الأوسط. واعتمد على لغة فصحى رفيعة، وبناء درامي يميل إلى “المسرح الذهني” الذي يجعل المشاهد يفكر في موازين القوى والعدالة السياسية. وقد استطاع أن يغلِّف العمل بجو من الرمزية التاريخية التي تخاطب العقل الجمعي للأمة وتناقش مصير الأوطان.
بينما يذهب سلماوي نحو عالم السياسة والرمز والأيديولوجيا العامة تغوص العسَّال في عالم الاجتماع والمرأة والواقعية النضالية
أما “سجن النساء” عند العسَّال فهو عمل مستوحى من تجربتها الشخصية داخل السجن، حيث ركَّزت على قصص سجينات حقيقيات. إنها لم تناقش السياسة الكبرى، بل ناقشت “سياسة القهر الاجتماعي”؛ كيف يدفع الفقر والظلم الاجتماعي بالمرأة إلى حافة الجريمة، وتميز أسلوبُها بالواقعية الشديدة واللغة الدارجة الحية، مع تركيز دقيق على سيكولوجية المرأة المظلومة، مما جعل العمل يلامس قلوب العامة والنساء من مختلف الطبقات عندما تم عرضه كمسلسل تلفزيوني في رمضان 2014 من إخراج كاملة أبو ذكري. وقد استطاعت الكاتبة أن تغلف العمل بجو إنساني ضاغط يهدف إلى كشف “المسكوت عنه” في قضايا المرأة والعدالة الاجتماعية.
وعلى ذلك فإن الوطن والسلطة والقضايا القومية هي محور اهتمام سلماوي، بينما قضايا المرأة والطبقة المطحونة والواقع الاجتماعي شغلَت اهتمام العسَّال. وكان الصراع عند سلماوي عبارة عن صراع أفكار ومبادئ سياسية كبرى، بينما الصراع عند العسَّال كان صراعًا إنسانيًّا مع المجتمع والقيود والفقر.
تُعد “سجن النساء” من أشهر أعمال فتحية العسَّال، وإذا قمنا بمقارنتها برواية “السماء الثامنة” (2026) لمحمد سلماوي، فسنجد أن العملين ينتميان إلى الأدب المصري المعاصر، إلا أنهما يفترقان من حيث النطاق المكاني والقضية المحورية، حيث تركز العسَّال على الداخل المصري ومعاناة المرأة، بينما يتجه سلماوي نحو البعد القومي والمأساة الفلسطينية.
وقد استند “سجن النساء” في الأصل إلى تجربة واقعية لفتحية العسَّال التي سُجنت سياسياً في عهد الرئيس السادات. واستعرضت فيه “مظلومية المرأة” والسيطرة الذكورية من خلال حكايات سجينات جنائيات وسياسيات. وكانت الشخصيات نساءً من طبقات اجتماعية مختلفة يجمعهن السجن، ليكشف العمل عن الأسباب الاجتماعية التي دفعتهن للجريمة. ويهدف إلى نقد المجتمع الذي يحوِّل المرأة الضحية إلى مجرمة، مع التركيز على مفاهيم التحرر والقيود المفروضة على المرأة.
أما رواية محمد سلماوي فهي تستلهم أحداثها من مأساة غزة، وتأثير الحرب على الوجدان العربي، ورصد تحولات النفس البشرية عند مواجهة أهوال الواقع الحالي الذي يعيد إحياء مآسي الماضي. وتتمحور حول شخصية “إيمان” التي تتواجد في غزة للمساعدة تحت وابل الحرب، وتستعرض الرواية استشهاد الطبيب المصري عمر المهدي هناك، بغرض إبراز البعد الإنساني والقومي في الصراع، وكيف يمكن للظروف القاسية أن تُعيد صياغة اختيارات الفرد وهويته.
ونشير إلى أن أحداث “سجن النساء” تدور في السجون المصرية، وهو مكان مغلق (محلي)، بينما صوَّر لنا سلماوي بعض أحداث روايته في قطاع غزّة الفلسطيني وهو عبارة عن ساحة حرب (إقليمي). وبينما كانت القضية التي تدافع عنها العسال هي حقوق المرأة والعدالة الاجتماعية، كانت القضية الفلسطينية هي التي يدافع عنها سلماوي. وعليه نستطيع أن نصنف عمل العسَّال بأنه ينتمي إلى أدب السجون ويتصف بالواقعية الاجتماعية، بينما “السماء الثامنة” رواية إنسانية تنتمي إلى أدب المقاومة المعاصر، وتهتم بتأثير الحرب على الوجدان العربي. وقد كانت البطولة في عمل العسال بطولة جماعية (مجموعة من النساء) أما عند سلماوي فقد كانت البطولة لإيمان والطبيب عمر المهدي، مع وجود شاحب لزوجها رجل الأعمال إيهاب العريمي.
وما يجمع بين العملين هو “مفهوم الاضطهاد”، لكن شتَّان بين جدران الزنزانة في “سجن النساء”، وبارود الحرب في “السماء الثامنة”.
إن فتحية العسال لا تدين السجينات، بل تدين “المجتمع السجَّان”. وهي تحلل كيف تتحول المرأة من ضحية لظلم اجتماعي أو اقتصادي (مثل “رضا” أو “غالية”) إلى مجرمة في نظر القانون. السجن هنا ليس مكانًا للعقاب فقط، بل هو “ميكروسكوب” يكشف عورات المجتمع في الخارج. ويعتمد العمل على “الفلاش باك” لربط الجريمة بالخلفية الاجتماعية. فقصة كل سجينة، هي صرخة ضد قوانين مجتمعية ذكورية، مما يجعل العمل بيانًا نسويًّا بامتياز يتجاوز مجرد سرد القصص. والمفارقة الكبرى أن بعض السجينات يجدن في “سجن النساء” حرية في التعبير ومساندة من زميلاتهن لا يجدنها في “سجن المجتمع” الواسع بالخارج.
إن سماء سلماوي الثامنة ترمز في الموروث الصوفي أو الروحي إلى مكان يتجاوز السماوات السبع المعروفة؛ هي حالة من الخلاص أو “الشهادة”. إنه يرفع معاناة غزة من مجرد “خبر سياسي” إلى “حالة وجودية” تمس جوهر الإنسانية.
تركز الرواية على الصراع بين إرادة البقاء التي تجسدها “إيمان” في غزة، ووحشية الموت، ولم يكن استشهاد الطبيب المصري مجرد حدث درامي، بل هو رمز لامتزاج الدم العربي ووحدة المصير، مما يمنح الرواية بُعدًا قوميًّا يتخطى الحدود الجغرافية.
وعلى عكس “سجن النساء” الذي يرصد الثبات في المعاناة، يرصد سلماوي “التحول”؛ وكيف تعيد الحرب صياغة أولويات الإنسان، وكيف تصبح القيم المجردة (مثل التضحية) هي الحقيقة الوحيدة المتبقية وسط الركام.
وبينما كان الصراع في “سجن النساء” صراعًا طبقيًّا واجتماعيًّا (المرأة ضد المنظومة)، كان الصراع في “السماء الثامنة” صراعًا وجوديًّا وقيميًّا (الإنسان ضد الإبادة).
اعتمدت العسَّال على تعدد الأصوات (Polyphony) فجعلت السجن “ميدانًا” لكل الأصوات. فلا توجد بطلة واحدة مُطلَقَة، بل هي شبكة من الحكايات المتقاطعة. هذا الأسلوب يعكس رغبة الكاتبة في إنصاف كل فئة مجتمعية. واستخدمت لغة قريبة من لغة الشارع والسجن، مما أعطى العمل صبغة “واقعية” أشعرت القارئ بضيق الزنزانة ورائحة المكان، والاعتماد على كشف “السر”؛ لماذا دخلت هذه المرأة إلى هنا.. ما تُهمتها؟ مما يخلق حالة من التشويق الاجتماعي.
أما في “السماء الثامنة” فقد استطاع سلماوي أن يمزج بين رصد الأحداث الكبرى (القصف، المستشفيات) وبين المونولوج الداخلي، أو تيار الوعي. والسرد -في العملين- ليس تسجيليًّا فقط، بل هو “فلسفي” يبحث في معنى الألم.
وإذا دققنا النظر سنلاحظ أن “السماء الثامنة” ليست مجرد مكان، بل هي استعارة للحلم المستحيل أو الخلاص الروحي. واستطاعت اللغة أن تكون أكثر أدبية وشاعرية، تتناسب مع جلال الموت وعظمة المقاومة. وقد اعتمد سلماوي على وضع الشخصيات في مواقف تفوق قدرة البشر على الاحتمال، ليختبر جوهرهم الإنساني.
بالنظر إلى نهاية العملين سنجد أن بطلات “سجن النساء” وضعن في نهاية دائرية مفتوحة لا تحل المشكلة، فخروج السجينة إلى مجتمع لا يرحم يعني غالبًا عودتها إلى السجن مرة أخرى، مما يؤكد على “السجن الكبير” (المجتمع). بينما تنتهي رواية سلماوي نهاية تراجيدية، فالموت أو الفقد في غزة ليس “نهاية” بالمعنى التقليدي، بل هو ارتقاء إلى “السماء الثامنة”. وهذه النهاية تمنح البطلة -بعد استشهاد البطل- قدسية ومعنى لحياتها وتضحيتها.
تنهي فتحية العسال عملها بـ”صرخة احتجاج” على واقع يمكن تغييره بالقوانين والعدالة الاجتماعية، بينما ينهي سلماوي عمله بـ”صلاة جنائزية” تمجد الصمود، وترى في المأساة طريقًا للسمو الروحي.
ونخلص إلى أن النص الأدبي عند كلٍّ من فتحية العسال ومحمد سلماوي يمثل صرخة احتجاج إنسانية ضد ممارسات القمع، وإن اختلفت أدوات هذا القمع ومستوياته. ففي “سجن النساء” تغوص العسَّال في “السجن المحلي” الضيق، محولةً جدران الزنزانة إلى مرآة كاشفة لعوار المنظومة الاجتماعية والذكورية التي تسبق في حكمها أحكام القضاء؛ حيث يصبح السجن هنا فضاءً لتفكيك مظلومية المرأة وتحويل أنينها الصامت إلى فعل احتجاجي سوسيولوجي.
وعلى الضفة الأخرى ينطلق سلماوي في “السماء الثامنة” من “السجن الكبير” الذي يفرضه الاحتلال على غزة، ليرتقي بالوجع من رصده الواقعي إلى أبعاده الملحمية والوجودية. فإذا كانت بطلات العسَّال يواجهن قضبان الحديد، فإن أبطال سلماوي يواجهون عدوًّا يتربص بهوية الوجود العربي ذاته.
أدب المقاومة
يتقاطع العملان في كونهما ضمن أدب مقاومة في جوهره؛ العسَّال تقاوم الوصم الاجتماعي وتهميش المرأة، وسلماوي يقاوم المحو الوجودي والنسيان التاريخي. وبينما تنتهي حكايات “سجن النساء” بأسئلة معلقة حول العدالة الغائبة في مجتمع يرفض الغفران، تنتهي رحلة “السماء الثامنة” بتقديم “الشهادة” و”الفداء” كمنفذ وحيد نحو الخلاص الروحي (السماء الثامنة)، مما يجعل العملين، على تباين جغرافيتهما، يمثلان وجهين لعملة واحدة: البحث عن الحرية الكامنة في جوهر الإنسان مهما بلغت قسوة الحصار.
وتكمن المفارقة -بين العملين- في أن لغة فتحية العسال “أفقية” تلتصق بالأرض والواقع، بينما لغة محمد سلماوي “رأسية” تطمح للسمو والرمزية.
الأسلوب عند العسال ليس لغويًّا بلاغيًّا بقدر ما هو بصري حركي. فالجمل قصيرة، سريعة، تعتمد على الفعل أكثر من الوصف. كما أنها استخدمت لغة وسيطة تقترب كثيرا من المصرية الدارجة في الحوارات لتمنح الشخصيات مصداقية، فكل سجينة تتحدث بلسان طبقتها، مما جعل اللغة أداة لكشف الواقع الاجتماعي لا لتجميله. لذا جاءت اللغة “خشنة” ومباشرة، تخلو من المحسنات البديعية لأن الهدف هو الصدمة وكشف المسكوت عنه. بينما اللغة عند سلماوي لغة أدبية عالية الكثافة، تليق بجلال الموت وعظمة الصمود في غزة. اللغة هنا لا تنقل الخبر، بل تنقل الشعور بالخبر. وذلك من خلال أسلوب مشبع بالاستعارات؛ فالحرب ليست قذائف فحسب، بل هي اختبار للمعدن، والموت ليس غيابًا بل هو ارتقاء. واستخدام مفهوم “السماء الثامنة” بحد ذاته هو توظيف للغة الصوفية التي ترى ما وراء المادة.
وتميل الجُمل عند سلماوي إلى التأمل الفلسفي، مما يجعل القارئ في حالة من “الخشوع الأدبي” أمام مأساة الشخصيات.
ولعلنا نستطيع الاستشهاد بجملتين مختصرتين من العملين لتبيان الفارق الجوهري بين روح العملين وأسلوب كل كاتب في صياغة مأساة أبطاله:
عند فتحية العسال نقرأ: “السجن مش بس جدران وحديد، السجن الحقيقي هو اللي بنعيش فيه بره لما المجتمع بيقفل في وشنا كل بيبان الرحمة”.
فهذه الجملة تعكس لغة “المباشرة” والتركيز على الظلم الاجتماعي، حيث تستخدم مفردات يومية (بيبان، بره) لترسيخ فكرة أن المعاناة ليست في العقوبة القانونية، بل في نبذ المجتمع.
أما من عالم محمد سلماوي فسنختار هذه العبارة: “في غزة، لا يسقط الشهداء إلى الأرض، بل يصعدون إلى السماء الثامنة، حيث لا حصار يطال الأرواح ولا قذائف تكسر الضوء”.
هنا تبرز “الشاعرية الرمزية”، حيث تتحول المأساة من فعل قتل مادي إلى حالة ارتقاء روحي. اللغة هنا تبتعد عن الواقعية الفجَّة لتخلق فضاءً ملحميًّا يمنح الموت معنىً أسمى.
لقد رأينا أن رؤية الكاتبين للنظام السياسي (سواء كان نظامًا داخليًّا أو نظامًا عالميًّا) تتجلى من خلال زوايا نظر متباينة تمامًا؛ فبينما تحاكم العسَّال الدولة والمجتمع، يحاكم سلماوي الضمير العالمي والشرعية الدولية.
لذا ترى العسَّال أن النظام السياسي ليس مجرد حكومة، بل هو منظومة أبوية تمارس القمع ضد المرأة والفقراء. والسجن عندها هو الأداة التي يستخدمها النظام لإخفاء فشله في تحقيق العدالة الاجتماعية. وتشير إلى أن الجريمة الجنائية (سرقة، قتل، مخدرات) هي في جوهرها “جريمة سياسية” ناتجة عن تهميش النظام لطبقات معينة. لذا، فإن السجينات الجنائيات والسياسيات عندها في خندق واحد ضد السلطة التي سجنتهن. إن رؤيتها صدامية، حيث تضع النظام أمام مسؤولياته الأخلاقية تجاه حقوق الإنسان وحريات المرأة بشكل مباشر.
أما سلماوي فيرى النظام السياسي من خلال منظور قومي ودولي. في “السماء الثامنة”، النظام هو تلك القوى الدولية التي تسمح بحدوث المأساة في غزة. لذا ينتقد عجز الأنظمة السياسية والشرعية الدولية أمام الوحشية. إن السياسة عنده ليست مجرد قوانين، بل هي صراع على البقاء. ورؤيته للنظام السياسي تتجاوز المحلي لتصل إلى نقد النظام العالمي الجديد الذي يفتقر للعدالة الإنسانية.
وتُظهر “السماء الثامنة” النظام السياسي (ممثلاً في الاحتلال ومَن يدعمه) كقوة مادية غاشمة تمتلك الدبابات والطائرات والصواريخ، مقابل “نظام أخلاقي” يمتلكه أصحاب الأرض، وهو ما يخلق صراعًا بين شرعية القوة وقوة الحق.
ورغم القتامة التي تغلف العملين، إلا أن الأمل يطل برأسه من زاويتين مختلفتين تمامًا، فعند العسَّال الأمل في “سجن النساء” ليس غيبيًّا، بل هو أمل أرضي نابع من التضامن الإنساني حيث يتجسد في لحظات المساندة بين السجينات؛ فالسجن الذي أراد عزلهن، وحَّدَهُنَّ، كان يشكل دعمًا نسويًّا يبرز القوة التي تجعل البطلة قادرة على الاستمرار. ويبدأ الأمل عند العسَّال من لحظة إدراك السجينة أنها ضحية وليست مجرمة. هذا الوعي هو الخطوة الأولى نحو التغيير الثوري للواقع الاجتماعي. وتوحي نهاية العمل بأن السجن لم يكسر الروح، بل يشحذ الإرادة للمواجهة بمجرد نيل الحرية.
أما الأمل في “السماء الثامنة” فهو أمل ميتافيزيقي ويكمن في فكرة أن “الحق لا يموت” طالما أن هناك من يروي الحكاية. وأن الصمود في غزة هو بحد ذاته فعل أمل. وفكرة أن الموت من أجل القضية هو ولادة جديدة في الوجدان الجمعي يعني انتصار الفكرة وبقاء الأرض. وأن هناك يقينًا بأن الظلم مهما طال، فإن نواميس الكون والتاريخ تنحاز في النهاية لأصحاب الأرض.
ونخلص إلى أن الأمل عند العسَّال هو فعل تغيير اجتماعي وقانوني يبدأ بالتمرد. أما عند سلماوي فالأمل هو فعل صمود روحي وقومي يبدأ بالإيمان.
في الختام، يمكن القول إن “سجن النساء” لفتحية العسال، و”السماء الثامنة” لمحمد سلماوي، تمثلان رحلتين سرديتين في أعماق القهر الإنساني، لكنهما تنطلقان من منطلقات بنيوية متباينة. فبينما اتخذت العسال من الواقعية التسجيلية واللغة الحية المباشرة أداةً لتفكيك السجن الاجتماعي والسياسي المحلي، من خلال محاكمة المنظومة الذكورية والطبقية، اتجه سلماوي نحو الواقعية الرمزية واللغة الملحمية ليرصد مأساة غزة كقضية وجودية كبرى تتجاوز الحدود الجغرافية نحو فضاءات الوجدان القومي والإنساني.