سجالات في الفكر السياسي منذ هوبز حتى ترامب
حتى لا نتعمق كثيراً في الفكر السياسي القديم في بلاد الشرق القديم، اليوناني، الروماني، والفكر السياسي في العصور الوسطى، فقد أردت أن أنوّه إلى فترة العصور الحديثة في الفكر السياسي، حيث يتم عرض أهم أفكار الفلاسفة السياسيين: نيقولا ميكافيلي صاحب الفلسفة الواقعية التي تستند إلى فصل الدين عن الأخلاق، وتوماس هوبز صاحب نظرية العقد الاجتماعي والتنظير للملكية المطلقة، وجون لوك صاحب العقد الاجتماعي والليبرالية، وغيرهم. إن ميكافيلي قد سبق هوبز إلى عدم تناول السياسة من المنظور الأخلاقي أو الديني، والنظر إليها باعتبارها صراعاً دنيوياً خالصاً، غير أنه لم يقدم، مثل هوبز، فلسفة سياسية شاملة، بل اكتفى بإسداء النصح للأمير في شأن ما ينبغي القيام به لإدامة سيادته والبقاء في السلطة. وهو أمر نراه أقل شأناً مما قدمه هوبز من نظرية متكاملة قائمة على أسس نظرية ومنطقية متماسكة، جعلته المؤسس الفعلي للفلسفة السياسية الحديثة.
ولا عجب أن يُستخدم مصطلح “الاستكبار” في الخطاب السياسي والديني لوصف نهج الهيمنة والغطرسة وتحدي القوانين الدولية؛ هنا نعود إلى الميكافيلية. ولعلنا نذكر ظاهرة دونالد ترامب في سياق محاولته الفوز بـ”جائزة نوبل للسلام”، وهي محاولة تجاوزت مجرد طموح شخصي؛ إذ تخطى كثيراً من الخطوط الحمر لما بعد الحداثة، مرتدياً قناع رجل الأعمال، محولاً السياسة الدولية إلى مسرح لتضخيم الأنا وابتزاز الأمم. كان سعيه نحو نوبل ليس سعياً للسلام، بل محاولة صريحة لتجميل صورة الفشل السياسي عنده بصبغة شرعية عالمية.
قبل ذلك، تأثر ترامب نوعاً ما بنورمان فينسنت بيل، القس ومؤلف كتاب “قوة التفكير الإيجابي”، وقد كان ترامب وعائلته من رواد كنيسته. استلهم منه فكرة الثقة المطلقة بالذات والتصميم على تحقيق النجاح رغم كل العقبات وبأي وسيلة. وعلى الصعيد السياسي أيضاً، أبدى ترامب إعجاباً تاريخياً ببعض الرؤساء الأمريكيين مثل أندرو جاكسون ورونالد ريغان، مستلهماً منهم النهج الشعبوي والسياسات الاقتصادية الحمائية، وهذا ما نلمسه من خلال تصريحاته وسلوكه الفعلي المشبع بنبرة الاقتصاد والمال، وخير دليل على ذلك استحواذه على نفط فنزويلا ومحاولته الحصول على النفط الإيراني.
هوبز أسّس للفلسفة السياسية الحديثة بنظرية متماسكة عن العقد الاجتماعي بينما حوّل ترامب السياسة إلى ساحة للأنا والصفقات بعيداً عن المنطق الشامل
إذن تتجلى الحالة الراهنة التي تشهدها الولايات المتحدة الأميركية برئاسة دونالد ترامب في مظاهر عديدة مما اصطلح عليه بسياسة “أمريكا أولاً” والنزعة الأحادية، كما ذكرتُ التأثر بـ”جاكسون” و”ريغان”. هذا ما حملته حركة “ماجا” أيضاً، التي تعتقد أن الولايات المتحدة كانت من قبل دولة عظيمة، ولكنها فقدت هذه المكانة بسبب تنامي النفوذ الأجنبي فيها. وقد تبنى ترامب شعارها “لنجعل أميركا عظيمة مجدداً”، واستخدمه محاولاً إقناع الناخبين بأنه سيعيد الولايات المتحدة الأميركية إلى “قوة عظمى” كما كانت من قبل. ويتميز أعضاء حركة “ماجا” بعلاقتهم العدائية مع وسائل الإعلام لاعتقادهم أنها متحيزة ضد آراء حركتهم، وقد ولّد لديهم هذا العداء إيمانهم بعدد من نظريات المؤامرة، ومنها وجود “مجلس حكم خفي يتحكم في مصائر الشعوب”.
فالولايات المتحدة الأمييكية تتموضع بين حزبين كبيرين: الأول الحزب الجمهوري الشعبوي المحافظ الذي يتطلع إلى التشبث بالتقاليد المسيحية والعودة إليها، والثاني الحزب الديمقراطي الليبرالي الذي يرى أن الحرية طريق كل شيء. بين هذا وذاك، يطل علينا ترامب صاحب الشخصية الجدلية، المذبذب بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، بسياسة عشوائية، وتجاهل للقانون الدولي، وصاحب عقلية الصفقات، فضلاً عن ازدراء الخصوم واحتقارهم، رغم تأثره بمن سبقوه كما ذكرت في ثنايا هذه المقالة.
إذن، لو استخدمنا مقياس هوبز صاحب السياسة الشاملة، وقارنا بما ينتهجه ترامب، نجد أنه لا توجد ثمة مقاربات نهائياً. لقد اشتملت سياسة الرئيس الأميركي الحالي على الأنا، وتركت ملفات عالقة بحاجة إلى حل. اهتم ترامب بالملفات الأكثر سخونة في العالم، منها الملف الإيراني إرضاءً لإسرائيل، ويأتي الملف الصيني أقل سخونة في الوضع الحالي، وقد ترك الشارع الأميركي يغلي نتيجة سياسته الخارجية. المقصود أنه لم ينجح في تبني سياسة شاملة إذا ما افترضنا تعميم تجربة هوبز على سياسته، بل طبّق جانباً وترك جوانب أخرى بحاجة إلى حلول جذرية.
دعماً لذلك، قدم ابن خلدون نظرته عن انهيار الدول، حيث تمر الدولة في مراحل عديدة: النشأة، فالقوة، ثم الاستبداد، وصولاً إلى الانهيار. الأسباب تعود، حسب ابن خلدون، إلى الظلم والفساد. أما أرسطو فاعتبر أن انهيار الدول يأتي بعدما يتحول النظام الصالح إلى طغيان. وما يلفت الانتباه ما قاله جون لوك: عندما ينتهك الحاكم حرية الأفراد والشعوب، تكون للشعوب كلمتها.