تهجير الفلسطينيين: التخطيط حاضر، يبقى التنفيذ

العلاقة بين “الشتات الصهيوني” والنزوح الفلسطيني أو محاولات التهجير القسري ليست مجرد مصادفة، بل هي مشكلة متشابكة ومعقدة للغاية.
الأربعاء 2026/09/09
الصخرة التي تتحطم عليها مشاريع التهجير

يشكل الاستيطان، حجر الزاوية في الفكر الصهيوني، وأساسا من أسس بناء الدولة العبرية. ويختلف الاستيطان الصهيوني، اختلافا جوهريا عن غيره من الأنماط الاستيطانية الأخرى التي شهدها العالم. ذلك أنه يرتكز على أبعاد عدة، يأتي في مقدمتها الدين والأسطورة. وبالتالي محاولة خلق حقائق كيانية داخل التجمعات الفلسطينية العربية، بغية مضايقتها ومن ثم طردها.

قبل أيام معدودة، أعد وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير خطة تقوم على تهجير نحو 1.86 مليون فلسطيني من قطاع غزة خلال 7 سنوات، يعتزم طرحها، قريبا، ضمن حملته الانتخابية. وقالت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية إن بن غفير، زعيم حزب القوة اليهودية اليميني المتطرف، سيقدم للجمهور خطة تحمل اسم “فك الارتباط 710″، وتقوم على ما يسميه “الهجرة الطوعية ” من غزة. اذن فهو ماض في تنفيذ خطة التهجير حسب ما تمليه التوراة على حد زعمها.

هنا لا بد من العودة إلى الوراء عندما كرر زنغويل موقفه عام 1919 من ترحيل الفلسطينيين. وقال: أنه لابد من نقلهم تدريجيًا إلى الدول العربية، زاعمًا أن أكثرهم أشبه بالبدو لم يقدموا إلى فلسطين شيئًا يُذكر، وأنه يجب عدم التعامل معهم حسب المعايير الديموقراطية. وبغض النظر عن اتجاهاتهم، سواء كانت يمينية أو ليبرالية، أو حتى عمالية اشتراكية. فإن كافة الآباء المؤسسين للصهيونية تحدثوا عن الترحيل. هرتزل، وزنغويل، وسكولوف، وليون تسكين، وزئيف جابوتنسكي، وإرثر روبين، ومناحيم غرانوفسكي، وحاييم وايزمان، وروتشيلد، وديفيد بن غوريون.

التهجير القسري ليس فكرة عابرة بل ركيزة متأصلة في المشروع الصهيوني منذ مؤتمر بازل تتجدد اليوم بخطط بن غفير تحت شعار “الهجرة الطوعية”

وفي عام 1937 اقترح بن غوريون فكرة التهجير القسري للعرب من الدولة اليهودية، وأنه يسعى من وراء التهجير القسري إلى أن يرى الجليل بلا عرب، وقال: إن ترحيل العرب من الدولة اليهودية على أساس تقسيم عام 1937، هو الشرط الأهم لقبول المشروع وقيام الدولة اليهودية.

يُعتبر التهجير أو “الترانسفير” (طرد السكان العرب) ركيزة أساسية متأصلة، رافقت أفكار الترحيل المشروع الصهيوني مصالحة. “طرد الفلسطينيين: مفهوم “الترانسفير” في الفكر الصهيوني وتم تأكيده مع مؤتمر بازل عام1897. لقد اقترح ديفيد بن غوريون عام 1937 فكرة التهجير القسري للعرب معتبراً إياها شرطاً أساسياً لقيام الدولة اليهودية وخاصة في منطقة الجليل، كما وضعت منظمة الهاجاناه العسكرية عام 1948 خطة دالت لتنفيذ تطهير عرقي شامل وطرد الفلسطينيين من أراضيهم.

إن فكرة طرد الفلسطينيين كحلّ في بلد آهل وذي أرض مستغلة ومزروعة، لم تكن مجرد فكرة راودت أذهان النخبة من المؤسسين الصهيونيين، بل طرحت كخطط ومشاريع كان يتم البحث فيها في إطار مجالس الحركة الصهيونية، وتبنتها شخصيات مؤثرة ذات انتماءات سياسية مختلفة داخل الحركة. ويعرض مصالحه بعض هذه الخطط خلال الثلاثينات والأربعينات حتى قيام الدولة، والتي شكلت خميرة التفكير وراء الترحيل الفعلي الذي وقع لاحقاً.

وذلك لأن “التهجير القسري” إلى جانب “الإبادة الجماعية”، هما ركيزتا العقل الصهيوني والاستعمار الاستيطاني، الذي يعدّ بدوره امتدادًا حقيقيًا للاستعمار الغربي الاستيطاني الذي وإن نجح في استيطان أميركا وأستراليا إلا أنه هُزم في الجزائر، وأنجولا، وجنوب أفريقيا، كما أنه يشبه إلى حد كبير الاستعمار الاستيطاني الذي أسس مملكة الفرنجة التي سقطت في المكان ذاته بعد ما يقرب من 80 عامًا من استيطانها.

لقد سخرت إسرائيل نظامها القانوني ومؤسساتها القانونية منذ نشأتها وحتى اليوم من أجل تطبيق سياسية التهجير القسري داخل الأرض الأراضي الفلسطينية، وتندرج أساليبها المتبعة ضمن  خمس فئات عامة، على الأقل، استخدام العنف كما حدث ابان النكبة، والنكسة، وهو ما تسبب في واحدة من أعقد مشاكل اللاجئين في العالم، وهندسة الوضعية القانونية على نحو يحرم المقيمين بصفة اعتيادية المستحقين لإقامة من الحق في العيش في ديارهم، تجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم، وترحيل بموجب مبررات قانونية، فضلا عن خلق ظروف لا تطاق والعيش في ظروف قاهرة ومأساوية.

صمود الفلسطينيين في غزة والضفة يواجه هذه المخططات يؤكد أن التنفيذ يبقى رهين الخيال السياسي وأن الأرض هي الصخرة التي تتحطم عليها أوهام الترحيل

وإذا أمعنا النظر بالمفردات والمصطلحات والخطط المستخدمة اليوم في قضية تهجير الفلسطينيين القسري من قطاع غزة، نجد أنها لا تختلف عن تلك التي استخدمتها المنظمة الصهيونية وإسرائيل وحلفاؤها منذ أكثر من مئة عام، الأمر الذي يؤكد أن الفكرة والمخططات والأفعال والأهداف لم تتغير. والهدف المركزي كان دائمًا الترحيل والتهجير بكافة أنواعه.

من هنا، فإن العلاقة بين “الشتات الصهيوني” والنزوح الفلسطيني أو محاولات التهجير القسري ليست مجرد مصادفة، بل هي مشكلة متشابكة ومعقدة للغاية؛ إذ أن التركيز “الصهيوني” على جمع اليهود من الشتات وتوطينهم أدى إلى نزوح الفلسطينيين ونشوء الشتات الفلسطيني. ولا يزال هذا المشهد التاريخي هو المسيطر حتى يومنا هذا على المنطقة والصراع المستمر بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

الخلاصة، يبقى تنفيذ التهجير الطوعي كمرحلة أولى يعتمد على ما تقوم به حكومة الائتلاف إذا ما استمرت لأربع سنوات قادمة، وهذا يعتمد حسب رؤية الحزب الحاكم اليوم في إسرائيل التضيق على الفلسطينيين في حياتهم كما يحدث اليوم في غزة، وشمال الضفة الغربية، ووسطها وجنوبها، ولكن تبقى خطط بن غفير، وسموتريتش مجرد طروحات من نسيج الخيال، فيبقى صمود الشعب الفلسطيني الصخرة التي تتحطم عليها آمالهم، وفعلا لمسنا ذلك في غزة وتشبث الغزيين بأرضهم ويحدث ذلك في الضفة الغربية.

3