سادتنا الجدد: صعود إمبراطورية التكنولوجيا تقلب موازين السلطة في العالم

مليارديرات التكنولوجيا يستثمرون بكثافة في مشاريع تهدف إلى إعادة تعريف الإنسان.
الخميس 2026/04/30
"السادة الجدد" يمتلكون كنز العصر الحديث

في عالم يتسارع فيه التحول الرقمي، لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة، بل أصبحت قوة تعيد تشكيل موازين النفوذ عالميًا. وتحولت شركات التكنولوجيا إلى فاعل مركزي يتجاوز الاقتصاد، ليطال السياسة والمجتمع وحتى مستقبل الإنسان، في ظل غياب رقابة حقيقية على نفوذها المتصاعد، الذي يطرح أكثر من سؤال حول مصير الإنسان.

لم تعد السلطة في العالم المعاصر محصورة في يد الدول، ولا محتكرة من قبل الجيوش أو المؤسسات السياسية التقليدية. فخلال العقدين الأخيرين، برزت قوة جديدة، صامتة في بداياتها، لكنها شديدة التأثير والهيمنة اليوم: عمالقة التكنولوجيا.

هذا ما يكشفه بوضوح كتاب “سادتنا الجدد” للصحفيين رافاييل باكيه، وداميان لوب، وألكسندر بيكار، الصادر عن دار “ألبان ميشيل”، والذي يستند إلى تحقيق صحفي معمّق قاد مؤلفيه إلى قلب وادي السيليكون ومراكز القرار في الولايات المتحدة وأوروبا.

شركات التكنولوجيا

يتناول الكتاب نشأة طبقة جديدة من النخبة العالمية، تتكون من مهندسي برمجيات ورواد أعمال تحولوا في وقت قياسي إلى مليارديرات، وبنوا إمبراطوريات رقمية تتحكم اليوم في مفاصل أساسية من حياتنا اليومية. فشركات مثل ميتا، وغوغل، وآبل، وأمازون، ومايكروسوفت لم تعد مجرد فاعلين اقتصاديين، بل أصبحت بنى تحتية غير مرئية يعتمد عليها الأفراد والدول على حد سواء.

المستقبل تُدار فيه المجتمعات بالخوارزميات وتُتخذ فيه القرارات المصيرية في غرف مغلقة داخل وادي السيليكون

يمتلك هؤلاء “السادة الجدد” كنز العصر الحديث: البيانات. فالمعلومات الشخصية لمليارات البشر – تفضيلاتهم، تحركاتهم، علاقاتهم، وحتى مشاعرهم – باتت مخزنة ومحللة داخل خوادم هذه الشركات. ومن خلال خوارزميات معقدة، تُستغل هذه البيانات لجذب انتباه المستخدمين لأطول فترة ممكنة، لأن الانتباه هو الوقود الحقيقي لاقتصاد المنصات. وفي سبيل ذلك، لا تتردد هذه الشركات في ترك المجال مفتوحًا أمام انتشار الأخبار الكاذبة، وخطابات الكراهية، والاستقطاب السياسي الحاد، ما دام ذلك يخدم معدلات التفاعل والأرباح.

لكن نفوذ عمالقة التكنولوجيا لا يقتصر على المجال الرقمي. فقد توسعت أنشطتهم لتشمل البنى التحتية الإستراتيجية، مثل شبكات الأقمار الاصطناعية، وخدمات الحوسبة السحابية التي تعتمد عليها مؤسسات حيوية، بل وحتى التعاون المباشر مع الجيوش وأجهزة الاستخبارات.

هذا التداخل بين القوة التكنولوجية والقدرة العسكرية يطرح تساؤلات خطيرة حول احتكار أدوات السيطرة في العالم، ويجعل من هذه الشركات فاعلًا جيوسياسيًا كامل الأوصاف.

ومن اللافت أن العديد من قادة هذه الشركات يتبنون رؤية أيديولوجية ليبرتارية، تقوم على تقليص دور الدولة إلى الحد الأدنى، واعتبار السوق والتكنولوجيا الحل الأمثل لكل المشكلات. هذا التصور يدفعهم إلى معاداة أي شكل من أشكال التنظيم أو الرقابة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بحماية البيانات، أو تنظيم الذكاء الاصطناعي، أو مكافحة الاحتكار. وقد أنفقت شركات التكنولوجيا مليارات الدولارات في حملات ضغط سياسي مكثفة، بهدف التأثير في التشريعات وصنّاع القرار.

نفوذ عمالقة التكنولوجيا يتجاوز الرقمي للأقمار والسحابية
نفوذ عمالقة التكنولوجيا يتجاوز الرقمي للأقمار والسحابية

ويبرز في هذا السياق التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. فبينما تسعى أوروبا إلى فرض إطار قانوني صارم من خلال قوانين مثل اللائحة العامة لحماية البيانات (RGPD)، وقانون الخدمات الرقمية (DSA)، وقانون الذكاء الاصطناعي (AI Act)، ترى واشنطن وشركاتها العملاقة في هذه التشريعات تهديدًا مباشرًا لمصالحها. وقد وصلت المواجهة إلى مستوى غير مسبوق، حيث لم يعد استبعاد سيناريو قطع بعض الخدمات الرقمية عن الخارج أمرًا مستحيلًا، بل احتمالًا واقعيًا يُناقش في الكواليس السياسية.

الإنسان منتج في سوق

إلى جانب ذلك، يكشف الكتاب عن طموحات تتجاوز بكثير حدود الاقتصاد والسياسة. فهؤلاء المليارديرات يستثمرون بكثافة في مشاريع تهدف إلى “إعادة تعريف الإنسان” نفسه، مثل تجديد الخلايا، وإطالة العمر، وربط الدماغ البشري بالكمبيوتر، وتطوير ذكاء اصطناعي قادر على تجاوز القدرات البشرية. هذه المشاريع، التي تبدو في ظاهرها علمية أو مستقبلية، تثير في عمقها أسئلة أخلاقية وفلسفية كبرى: من يملك الحق في تحسين الإنسان؟ ومن سيستفيد من هذه التقنيات؟ وهل ستزيد من الفجوة بين نخبة قادرة على “تعزيز” نفسها وبقية البشرية؟

التداخل بين القوة التكنولوجية والقدرة العسكرية يطرح تساؤلات خطيرة حول احتكار أدوات السيطرة في العالم اليوم

ولا يغفل الكتاب البعد الإنساني والاجتماعي لهذه الهيمنة. فالملايين من المستخدمين، والمجتمعات الرقمية الصغيرة، والمجموعات الافتراضية، باتوا يشعرون بأنهم مجرد أدوات في منظومة ضخمة لا تهتم إلا بالأرباح. ورغم أن هذه المنصات تُقدَّم على أنها مجانية وتحررية، فإن الثمن الحقيقي يُدفع في شكل فقدان للخصوصية، وتبعية تكنولوجية، وتآكل للقدرة على التحكم في المصير الرقمي.

في المحصلة، يشكل كتاب “سادتنا الجدد” جرس إنذار حقيقي. فهو لا يكتفي بوصف الواقع، بل يحذر من مستقبل قد تنتقل فيه السلطة بالكامل من المؤسسات الديمقراطية المنتخبة إلى شركات خاصة لا تخضع لأي مساءلة فعلية. مستقبل تُدار فيه المجتمعات بالخوارزميات، وتُتخذ فيه القرارات المصيرية في غرف مغلقة داخل وادي السيليكون.

ويبقى السؤال الجوهري الذي يطرحه هذا العمل الصحفي: إذا كانت هذه هي القوى التي تحكم العالم اليوم، فمن يملك القدرة على ضبطها؟ وهل لا يزال بإمكان الديمقراطيات أن تستعيد دورها قبل أن يصبح الإنسان نفسه مجرد منتج في سوق التكنولوجيا؟

8