رقصة الموت لـ"الضبع الجريح" و"النسر الأعمى"

الشرق الأوسط غرق في نفق مظلم لإعادة هندسة خارطته بالحديد والنار، ولم يعد الأمر مقتصرا على رسائل ردع كلاسيكية بل نحن أمام واقع استأصل ما تصفه واشنطن بـ"التهديدات الوشيكة".
الثلاثاء 2026/03/03
ترامب يقطع الرأس ويفاوض على الرماد

انتهت أسابيع اللهاث الدبلوماسي في أروقة جنيف إلى لا شيء، وحلّت لغة النار بديلا عن طاولات التفاوض. وبإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدء عمليات قتالية “واسعة النطاق”، وتزامنها مع عملية “زئير الأسد” الإسرائيلية، غرق الشرق الأوسط رسميا في نفق مظلم لإعادة هندسة خارطته بالحديد والنار. لم يعد الأمر مقتصرا على رسائل ردع كلاسيكية، بل نحن أمام واقع حتمي استأصل ما تصفه واشنطن بـ”التهديدات الوشيكة”.

وكما خلصنا في قراءاتنا الاستشرافية السابقة، بدءا من “صواريخ طهران والرقص مع ‘الضبع الجريح'”، وصولا إلى إعلان الوفاة السريرية للدبلوماسية في “مزاد جنيف ومقصلة الأطراف… هل انتهت صلاحية الوكلاء؟”، لم يكن هذا الانفجار الإقليمي مجرد احتمال عابر، بل كان مسارا حتميا ونتيجة رياضية لانسداد الأفق الدبلوماسي. لقد سقطت قواعد الاشتباك القديمة إلى غير رجعة، وما نراه اليوم هو الحقيقة العارية التي طالما حذرنا من إنكارها: واشنطن وتل أبيب تخلتا عن استراتيجية “إدارة الأزمة” وانتقلتا إلى “الهندسة القسرية”.

هذا التحالف المكشوف أدرك أن الغزو البري يحمل كلفة غير قابلة للتحمل، فاعتمد الخيار الجراحي الأقسى: إحداث “شلل استراتيجي” عبر قطع رأس النظام عن جسده. وما كان بالأمس مجرد “قراءة عملياتية”، تُرجم اليوم كواقع دموي باغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي وقرابة أربعين من كبار قادة الحرس الثوري والدفاع. هذه ليست مجرد ضربة عسكرية، بل هي تصفية لـ”العقل المدبر” في محاولة مدروسة لإحداث انهيار عصبي في جسد الجمهورية الإسلامية.

غياب خامنئي يطوي سبعة وثلاثين عاما، والمؤكد الوحيد اليوم أن الشرق الأوسط القديم قد دُفن تحت أنقاض مجمع المرشد في طهران وأن رقصة الموت لم تنتهِ… بل بدأت للتو

وفي انعكاس مباشر لحالة الصدمة والفراغ السيادي، سارعت طهران إلى تفعيل ما يشبه “غرفة إنعاش سياسي” عبر تشكيل مجلس قيادة مؤقت (يضم بزشكيان، وإجئي، وأعرافي)، في محاولة يائسة لإظهار تماسك مؤسساتي يمنع انزلاق البلاد نحو حرب أجنحة طاحنة. لكن هذا الترقيع الفوقي يصطدم بـ”قنبلة الداخل” التي راهن عليها ترامب؛ فالشارع الإيراني انقسم فورا بين مشيعين يبكون مرشدهم، وبين محتفلين يسقطون تماثيل الخميني، وسط هواجس أمنية مرعبة من استغلال الأقليات (في بلوشستان والمناطق التركمانية) للحظة “الشلل المركزي” لإشعال تمرد انفصالي يمزق خارطة البلاد.

في المقابل، وكرد فعل فوري على هذا الاختلال الوجودي، فعّلت طهران بروتوكول “يوم القيامة” واستراتيجية “التوسيع الأفقي”. الجسد الذي فقد رأسه بدأ بالانتفاض بعنف لا مركزي، حيث انخرطت الفصائل العراقية في ضرب القواعد الأميركية، وطالت الصواريخ والمسيّرات عمق تل أبيب وعواصم خليجية وممرات الملاحة. رسالة طهران واضحة: المركز لن يحترق وحده.

لكن واشنطن كانت مستعدة لهذا التوسع، فبينما كانت الصواريخ تتساقط، كان ترامب يعلن إغراق تسع سفن حربية إيرانية وتدمير مقر البحرية بالكامل. المفارقة المذهلة تجلت في تصريح ترامب الذي لخّص عقيدة “كيّ الوعي” بأبشع صورها حين قال “إنهم يريدون الحوار، وقد وافقت.. لكن معظم هؤلاء الأشخاص رحلوا”. واشنطن تقتل القيادة العقائدية، لتبقي على جسد براغماتي منهك تجبره على توقيع صك الاستسلام فوق الرماد.

ووسط هذا الجنون، سقطت الأوهام الاستراتيجية في طهران، وأبرزها وهم “التوجه شرقا”. روسيا، التي طالما اعتبرتها طهران درعها الواقي، التزمت بمقاربة “المصالح لا التحالفات”، مكتفية بالإدانات دون الانخراط العسكري، لتكتشف إيران في أصعب لحظاتها التاريخية أن التعددية القطبية لا تعني الحماية المجانية، وأنها تقف وحيدة في العاصفة. بينما في الجوار، استنفرت أوروبا (برلين، باريس، لندن) للانخراط في الدفاع وتدمير القدرات الإيرانية، مما يغلق أي نافذة دبلوماسية متبقية.

لقد دخلت المنطقة مرحلة ما بعد “حافة الهاوية”. غياب خامنئي يطوي سبعة وثلاثين عاما من تاريخ الشرق الأوسط، ويضعنا أمام مفترق طرق مرعب: إما أن تنجح بقايا النظام البراغماتية في امتصاص صدمة “قطع الرأس” والرضوخ لتفاوض تحت النار ينقذ ما تبقى من الدولة، وإما أن يبتلع “الضبع” نفسه في فوضى انتقامية تحرق الأخضر واليابس. المؤكد الوحيد اليوم، أن الشرق الأوسط القديم قد دُفن تحت أنقاض مجمع المرشد في طهران، وأن رقصة الموت لم تنتهِ… بل بدأت للتو.

7