دروس الدبلوماسية في زمن الأزمات
إرجاء الاجتماع الإقليمي الذي كان مقرراً في سلطنة عُمان بين إيران وعدد من دول الخليج لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية لمسار سياسي، بل اختباراً جديداً له. فقد أعلنت مسقط أن التأجيل جاء حرصاً على تحقيق التوافق وتهيئة الظروف الملائمة لحوار بناء، في وقت كانت فيه المنطقة تشهد تصعيداً عسكرياً وهجمات جديدة على منشآت ومسارات حيوية للطاقة.
ولعل المفارقة الأكثر دلالة أن هذا التعثر الدبلوماسي جاء في اللحظة التي أصبحت فيها الحاجة إلى الدبلوماسية أكثر إلحاحاً. فالهجمات التي استهدفت خط أنابيب “شرق ـ غرب” السعودي، والذي يمثل أحد أهم البدائل لنقل النفط بعيداً عن مضيق هرمز، أضافت بعداً جديداً إلى أزمة الطاقة الإقليمية والعالمية، فيما تزامنت معها هجمات أخرى على الملاحة في المنطقة. وقد أدى توقف الخط السعودي إلى ارتفاع المخاوف من اتساع اضطراب الإمدادات النفطية العالمية، في وقت تجاوز فيه سعر برنت حاجز المائة دولار للبرميل.
هنا تحديداً تبدو السعودية في المشهد بصورة مختلفة عن القراءة السريعة التي قد تختزل السياسة في المواقف العلنية. فالرياض ليست دولة تراقب أزمة هرمز من بعيد، ولا طرفاً يمكنه التعامل معها باعتبارها مشكلة تخص الآخرين. أمن الملاحة والطاقة بالنسبة إلى السعودية جزء من أمنها الوطني والاقتصادي، وأي اضطراب طويل في الخليج أو البحر الأحمر أو طرق تصدير النفط يطال مصالحها مباشرة. ومع ذلك، فإن الرد على الخطر لا يعني بالضرورة التخلي عن السياسة. وربما يكون العكس هو الصحيح: كلما ارتفعت كلفة المواجهة، ازدادت قيمة القدرة على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة.
وهذه هي الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من الموقف السعودي في هذه اللحظة: القوة والدبلوماسية ليستا نقيضين.
لقد تغيرت المنطقة كثيراً خلال السنوات الأخيرة. لم تعد السياسة الخليجية تتحرك ضمن ثنائيات جامدة من نوع التحالف أو الخصومة، والحرب أو السلام، والانفتاح أو القطيعة. الدول التي تريد حماية مصالحها في عالم شديد التقلب تحتاج إلى مساحة أوسع للحركة، وإلى أكثر من قناة للاتصال، وإلى القدرة على الجمع بين الردع والحوار في الوقت نفسه.
الرياض، وهي تواجه تهديدات مباشرة لمصالحها ومنشآتها ومسارات صادراتها، لا تغلق الباب أمام إمكانية التفاهم الإقليمي. إنها تقول، بصورة عملية، إن حماية الأمن لا تعني أن تصبح الحرب هي اللغة الوحيدة الممكنة.
وليس في ذلك أي تنازل عن المصالح السعودية أو عن حق المملكة في حماية أراضيها ومنشآتها. على العكس، فإن الدولة التي تملك القدرة على الدفاع عن مصالحها تكون أكثر قدرة على التفاوض من موقع الثقة. والحوار لا يصبح ذا قيمة عندما تتخلى الدولة عن قوتها، وإنما عندما تستخدم قوتها لكي تمنح الدبلوماسية فرصة للعمل.
الدرس الأكثر أهمية في تجربة الرياض: القوة ليست فقط القدرة على الرد وإنما القدرة على منع الحاجة إلى الرد عندما يكون ذلك ممكناً
هذه إحدى أهم التحولات التي يمكن رصدها في التفكير السعودي خلال السنوات الأخيرة: الانتقال من مفهوم التحالفات الصلبة وحدها إلى مفهوم أوسع يقوم على تعدد الشراكات وتنوع الخيارات. فالرياض ترتبط بعلاقة إستراتيجية عميقة مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه طورت علاقاتها مع الصين، وعززت حضورها في محيطها الخليجي والعربي، وانفتحت على مسارات إقليمية كانت تبدو قبل سنوات شديدة الصعوبة، بما في ذلك استعادة العلاقات مع إيران عبر المسار الصيني.
العالم لم يعد يسمح للدول الكبرى والمتوسطة بأن تضع كل رهاناتها في اتجاه واحد. التحولات في الاقتصاد العالمي، والصراع على النفوذ، والتنافس بين القوى الكبرى، وتبدل أولويات واشنطن، وصعود الصين، والاضطرابات المتكررة في أسواق الطاقة، كلها جعلت تنويع العلاقات جزءاً من مفهوم الأمن نفسه.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة السعودية ـ العُمانية بصورة أعمق. فعُمان ليست مجرد دولة تستضيف اجتماعاً تعذر انعقاده، وإنما هي أحد أهم الجسور الدبلوماسية التي بقيت مفتوحة في المنطقة عندما أغلقت قنوات أخرى.
وليس مصادفة أن يكون اللقاء الذي جمع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والسلطان هيثم بن طارق في جدة في الأول من سبتمبر قد تناول، إلى جانب العلاقات الثنائية، التطورات الإقليمية والجهود الرامية إلى الحفاظ على الأمن والاستقرار. وهذا التقارب بين الرياض ومسقط يمنح المسار العُماني وزناً خليجياً مهماً، حتى عندما تواجه المبادرات السياسية عراقيل أو خلافات.
وفي هذا السياق، يصبح تأجيل اجتماع مسقط نفسه جزءاً من القصة، لا نهايتها.
فالدبلوماسية الجادة ليست مسرحاً تُقاس نجاحاته بعدد الصور الجماعية. إنها عملية طويلة ومعقدة، تقوم أحياناً على تأجيل اجتماع حتى تتوافر شروط أفضل، أو إعادة صياغة مقترح، أو البحث عن صيغة تستطيع الأطراف قبولها. وقد يكون الإصرار على عقد اجتماع في لحظة لا تتوافر فيها الحدود الدنيا للتوافق أكثر ضرراً من تأجيله.
مسقط فهمت ذلك عندما أعلنت أن التأجيل جاء “حرصاً على التوافق”. وهذه العبارة، رغم بساطتها، تحمل معنى دبلوماسياً مهماً: أن الهدف ليس عقد الاجتماع لمجرد عقده، وإنما خلق الظروف التي يمكن أن تجعل الحوار منتجاً.
وهنا يمكن أن نرى جانباً آخر من الحضور السعودي في المشهد. فالرياض لا تحتاج إلى اتفاق سريع إذا كان الاتفاق غير قابل للاستمرار. ما تحتاجه هو ترتيبات قابلة للتنفيذ تحمي الملاحة، وتضمن احترام السيادة، وتمنع استخدام الممرات الدولية أدوات للضغط السياسي والعسكري.
إن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي. إنه واحد من الشرايين التي يمر عبرها جزء حاسم من الاقتصاد العالمي. ولذلك فإن أي ترتيبات بشأنه لا يمكن أن تكون مسألة ثنائية بين إيران وعُمان، ولا قضية خليجية داخلية فحسب. إنها قضية تتعلق بأمن الطاقة العالمي، وبالاقتصاد الدولي، وباستقرار الأسواق.
أعظم علامات القوة أن تملك الدولة القدرة على حماية مصالحها وإبقاء الطريق مفتوحاً نحو التسوية. تلك هي الدبلوماسية حين تصبح جزءاً من القوة لا بديلاً عنها
والهجمات الأخيرة على خط “شرق ـ غرب” السعودي كشفت بدورها حقيقة أكثر خطورة: حتى البدائل البرية التي أُنشئت لتقليل الاعتماد على هرمز ليست بمنأى عن تداعيات الصراع الإقليمي. فالخط السعودي الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر صُمم، من بين أهداف أخرى، لتوفير مسار يتجاوز هرمز، لكن استهدافه أظهر أن الجغرافيا الاستراتيجية للمنطقة أصبحت مترابطة إلى درجة تجعل استقرار ممر واحد غير كافٍ لحماية منظومة الطاقة بأكملها.
وهنا تتغير طبيعة السؤال.
لم يعد السؤال فقط: كيف نفتح هرمز؟ بل أصبح: كيف نبني نظاماً إقليمياً لا يسمح بتحول هرمز وباب المندب وخطوط الأنابيب والمنشآت النفطية والموانئ إلى سلسلة واحدة من نقاط الاختناق؟
وهذا سؤال سياسي قبل أن يكون عسكرياً.
لذلك فإن السعودية، بحضورها في هذا المسار، تستطيع أن تدفع باتجاه مفهوم أوسع للأمن الخليجي، لا يقوم فقط على حماية السفن والمنشآت، وإنما على بناء قواعد للسلوك الإقليمي، واحترام السيادة، وضمان حرية الملاحة، وإنشاء قنوات اتصال تمنع الحوادث من التحول إلى حروب، وتطوير ترتيبات إقليمية تجعل أمن الطاقة مصلحة مشتركة لا ورقة للمساومة.
وهذا هو الدرس الأكثر أهمية في تجربة الرياض: القوة ليست فقط القدرة على الرد، وإنما القدرة على منع الحاجة إلى الرد عندما يكون ذلك ممكناً.
الدولة القوية لا تحتاج إلى إثبات قوتها في كل لحظة. وهي لا تعتبر الحوار تنازلاً، ولا المرونة ضعفاً، ولا التواصل مع الخصم خروجاً من دائرة التحالفات. إنها تعرف أن السياسة الدولية لا تُدار بالمشاعر، وإنما بحساب المصالح والمخاطر والفرص.
في هذه النقطة تحديداً يمكن فهم ما تقوم به السعودية اليوم باعتباره جزءاً من تحول أوسع في مفهوم قوتها. فالمملكة لم تعد تقدم نفسها فقط بوصفها قوة نفطية أو دولة ذات وزن ديني وجيوسياسي، وإنما بوصفها مركزاً اقتصادياً وسياسياً يسعى إلى إعادة تعريف موقعه في النظام الدولي. ومشروع “رؤية 2030” نفسه يحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة، وإلى طرق تجارة آمنة، وإلى تدفق الاستثمارات، وإلى علاقات واسعة مع مختلف القوى العالمية.
ولهذا فإن الاستقرار بالنسبة إلى السعودية ليس شعاراً دبلوماسياً. إنه شرط اقتصادي لمشروع التحول الوطني نفسه.
وإذا كان ذلك صحيحاً، فإن الدبلوماسية تصبح جزءاً من التنمية، والحوار يصبح جزءاً من الأمن الاقتصادي، والتهدئة تصبح أحياناً استثماراً استراتيجياً لا موقفاً عاطفياً.
من هنا أيضاً تأتي أهمية عدم قراءة تأجيل اجتماع مسقط بوصفه انتصاراً لخط التصعيد أو هزيمة لخط الحوار. المنطقة أكثر تعقيداً من ذلك. فالخلافات حقيقية، والمخاوف الخليجية حقيقية، والتهديدات الأمنية حقيقية، لكن الحاجة إلى التفاوض حقيقية أيضاً. ولهذا فإن إرجاء الاجتماع قد يكون مجرد محطة صعبة في مسار أطول، لا إعلاناً عن سقوط فكرة الحوار.
بل ربما يكون الدرس الأهم هو أن الدبلوماسية الحقيقية تبدأ عندما يصبح الحوار صعباً.
الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من الموقف السعودي في هذه اللحظة: القوة والدبلوماسية ليستا نقيضين
وهنا يمكن للسعودية وعُمان أن تؤديا دوراً مهماً معاً، كل من موقعه. عُمان تمتلك خبرة الوساطة والقنوات المفتوحة، والسعودية تمتلك الوزن السياسي والاقتصادي والأمني الذي يجعل أي ترتيبات خليجية ذات معنى أوسع. وإذا التقت الخبرة الدبلوماسية العُمانية بالثقل السعودي، فقد تنشأ مساحة جديدة للتعامل مع الأزمة، حتى لو احتاج الأمر إلى وقت أطول.
المطلوب ليس تسوية شكلية، وإنما بناء أرضية يمكن أن تستمر.
فلا يمكن لأمن الخليج أن يبقى رهينة لتقلبات الحرب. ولا يمكن للاقتصاد العالمي أن يظل يدفع ثمن كل أزمة سياسية في المنطقة. ولا يمكن أن تتحول المضائق الدولية إلى أوراق تفاوض دائمة. وفي المقابل، لا يمكن بناء الاستقرار عبر تجاهل مخاوف الدول أو القفز فوق قضايا السيادة والأمن.
الحل، كما توحي التجربة السعودية في هذه المرحلة، يقع في المنطقة الوسطى الصعبة: قوة تحمي، ودبلوماسية تتحدث، وتحالفات متعددة، ومصالح واضحة، واستعداد دائم للعودة إلى الطاولة.
وهذه ليست دبلوماسية مثالية تبحث عن عالم بلا خلافات، وإنما دبلوماسية واقعية تبحث عن طريقة لمنع الخلافات من تدمير مصالح الجميع.
قد لا يكون اجتماع مسقط قد انعقد في موعده. وقد لا تكون الأزمة قد اقتربت من نهايتها. وقد تحتاج الأطراف إلى مزيد من الوقت لكي تجد صيغة مقبولة بشأن الملاحة في هرمز. لكن قيمة المسار لا تختفي بالتأجيل. فالاجتماع الذي يتأجل يمكن أن ينعقد لاحقاً، أما القطيعة الكاملة فهي التي تجعل العودة إلى الحوار أكثر صعوبة.
لكن ما دام هناك من يصر على إبقاء باب الحوار مفتوحاً، فإن السياسة لم تقل كلمتها الأخيرة.