خيري شلبي كاتب جغرافيا الفقراء وملحمة الإنسان المهمش
يحتل خيري شلبي مكانة خاصة في السرد العربي المعاصر، بوصفه صوتا أصيلا عبّر عن نبض الشارع المصري وهموم المهمشين. من خلال لغته الحية وعوالمه الغنية، استطاع أن يحول تفاصيل الحياة اليومية إلى ملحمة إنسانية نابضة، تعكس صراع الإنسان بين الجذور والتحولات، وتخلّد ذاكرة المكان والناس.
يظل الأدب المصري المعاصر نسيجًا ثريًّا تتداخل فيه الرؤى وتتقاطع فيه السبل، ليرسم في النهاية ملامح إنسان يبحث عن ذاته بين ثقل الجذور وآفاق الحداثة. وفي هذا السياق، يبرز اسم شكّل علامة فارقة في مسيرة السرد العربي هو خيري شلبي (1938 – 2011).
لقد اختار خيري شلبي أن يكون “حكواتي الأرض”، فغاص في طين الريف وحواري القاهرة، متبنيًا لغةً عضويةً تقطر بصدق المهمشين، ومحولاً “الوكالة” والحارة إلى فضاءات أسطورية تضج بالحياة والصراع الفطري من أجل البقاء.
عُرف شلبي بأنه “أفضل مَن وَصف الشارع المصري”، وأنه “شاعر البسطاء وراصد الريف”، حيث تناول – في أعماله – حياة الصعاليك والمهمشين في القاهرة والريف، وركَّز في أعماله على الطبقات الكادحة والبيئة الريفية المصرية بتفاصيلها الدقيقة. وجاءت لغته غنية بالمفردات الشعبية، والتعابير العامية المتداخلة مع الفصحى، مما أعطى أعماله نكهةً واقعية شديدة.
من أهم أعماله الروائية رباعية “الوتد” وتشمل “الوتد، المنخل الحرير، العتقى، أيام الخزنة”، وقد جاءت محملة برائحة ونكهة الريف المصري، حيث رصدت الحياةَ الاجتماعية في المجتمع الريفى بكل جزئياته وتفاصيله، من خلال شخصية فاطمة تعلبة بطلة الرواية، المرأة القوية، التي تُدير شؤون أسرتها الكبيرة “العكايشة”، وتُعد وتد الأسرة، وتربطها صلة وثيقة بابنها الأكبر الشيخ درويش، والتي جسَّدت دورها الفنانة هدى سلطان، بالاشتراك مع الفنان يوسف شعبان، في المسلسل التلفزيوني الشهير “الوتد” (1996) المأخوذ عن الرواية نفسها، من إخراج أحمد النحاس.
أيضا من أعمال خيري شلبي المهمة “صالح هيصة” (2000)، و”وكالة عطية” (2007)، و”ثلاثية الأمالي”، وتتكون من “أولنا ولد، وثانينا الكومي، وثالثنا الورق”، وبطلها حسن أبو ضب، حيث يستمر الريف أو الصعيد، والحي الشعبي هما البطل الحقيقي في رواياته. وهناك رواية “أسطاسية” (2010) التي تتناول قصة عائلة فاسدة، والعلاقات المتوترة بين المسلمين والمسيحيين. فضلا عن أعماله القصصية، ومنها “سارق الفرح”، و”قدَّاس الشيخ رضوان”، والأعمال المسرحية ومنها “صياد اللولي”، و”المخربشين”.
إن الرواية عند شلبي تتصف بالواقعية السحرية والريفية، وبطلها المفضل هو الفلاح المهمَّش، أو الإنسان الصعلوك، ويتصف مناخها العام برائحة الأرض، والطين، وأزقة الحواري، ويتضح من خلالها تأثير الحكواتي الشعبي والروح المصرية الخالصة.
وقد اتخد خيري شلبي من المقال الصحفي طريقًا إلى القارئ، من خلال مقالاته الأسبوعية في مجلة “الإذاعة والتلفزيون”، والتي كنتُ أتابع معظمها.
ونلاحظ أنه يستمد شخصياته من الواقع الملموس، حيث يبحث في “قاع المجتمع” عن الشخصيات الفريدة التي تمتلك لغة خاصة وتاريخًا شفهيًا. شخصياته مثل فاطمة تعلبة في “الوتد” هي نماذج إنسانية نابضة بالحياة، مشحونة بالعواطف والغرائز الفطرية.
المكان عنده في الأغلب الأعم هو: الريف، والوكالة، والمقابر، وهو ليس مجرد خلفية للأحداث، بل هو عنصر فاعل يشكل وعي الشخصيات. هو يكتب “جغرافيا الفقراء”، حيث تمتزج رائحة الأرض بتفاصيل المعيشة اليومية. وذلك من خلال لغة “احتفالية” غنية بالمترادفات الشعبية، ويمزج السرد بالحكايات الجانبية (الاستطراد) بأسلوب يشبه الحكواتي التقليدي. إنه ينقب في التراث الشعبي والموسيقي، وهو ما انعكس في قدرته الفائقة على تدوين الحياة الشعبية المصرية غير المكتوبة، وتحويل المهمشين إلى أبطال ملحميين.
في رباعية “الوتد” نجد أن “البؤرة” هي “العائلة الريفية” المتمثلة في شخصية فاطمة تعلبة. الصراع هنا داخلي إنساني، يدور حول البقاء، والسيطرة الأمومية، ومواجهة الطبيعة والقدر (مثل وباء الكوليرا). بهدف تخليد “الهوية الريفية”.
كاتب تعامل مع الدراما كـ "مرآة" للروح المصرية، وقد تحولت بعض رواياته إلى كلاسيكيات تلفزيونية بفضل صدق تفاصيلها
إن بطل شلبي يمثل الفطرة، وتُعد فاطمة تعلبة بطلة ملحمية لكنها أميَّة، وهي تستمد قوتها من الأرض، والحكمة الشعبية، والتدبير المنزلي. هي بطلة “محليّة” بامتياز، تفرض إرادتها على محيطها الصغير.
الزمن في “الوتد” كان دائريا سرمديا مرتبطا بالدورة الزراعية، والمواسم، والولادات والوفيات، حيث يتكرر الزمن في الريف المصري منذ آلاف السنين. وقد اعتمد شلبي على الواقعية السحرية، واستطاع أن يمزج الواقع بالأساطير الريفية والخرافات الشعبية، حتى تشعر أن للجمادات (مثل الدار أو الفرن) روحًا تتحدث. إنه أراد أن يقول “انظروا إلى عظمة هذا الإنسان البسيط وقدرته الأسطورية على الصمود في وجه الفقر والمرض”.
يتعامل خيري شلبي مع الدراما كـ”مرآة” للروح المصرية، وقد تحولت بعض رواياته إلى كلاسيكيات تلفزيونية بفضل صدق تفاصيلها وبساطتها العميقة. مثل مسلسل “الوتد” – كما أشرنا من قبل – الذي تحول من رواية إلى ملحمة درامية جسدت “الأم المصرية” (فاطمة تعلبة) كرمز للدولة والسيطرة والحكمة. ونجاحه لم يكن سياسيا بل وجدانيا وإنسانيا، حيث ارتبط به كل بيت مصري.
إن دراما شلبي تعتمد على “شعرية التفاصيل”. والكاميرا في أعماله تهتم بشكل الجدران، ورائحة الخبز، وحركة الأيدي، مما يجعل المشاهد يشعر أنه جزء من الحارة أو القرية التي تتجسد أمامه على شاشة التلفزيون. إنه يركز في الدراما على التماسك الأسري، وأصالة المعدن المصري، وقدرة الفقراء على صناعة بهجتهم.
لقد استطاع شلبي أن يدخل بيوت الناس عبر الشاشة ليلمس “قلوبهم”، ويعيد ربطهم بجذورهم (الوتد). وليس هناك شك أن إنتاجه الغزير استطاع أن يغطي كل تفاصيل الحياة الشعبية والريفية المصرية.
وتُعد ترجمة أعماله مؤشرًا على عالمية موضوعاته، ومن خلالها تعرَّف العالم إلى “خصوصية الروح المصرية”، وقد ركزت الترجمات على أعماله التي تصف بدقة متناهية حياة الطبقات الشعبية والريفية، ومن أبرزها: وكالة عطية التي تُرجمت إلى الإنجليزية (عن طريق الجامعة الأميركية بالقاهرة (The Lodging House) والفرنسية. وهي العمل الأكثر شهرة عالميًّا لشلبي، حيث انبهر المترجمون بقدرته على وصف “قاع المدينة” بأسلوب يمزج الواقع بالخيال.
كما تُرجمت “الوتد” (The Stake) إلى عدة لغات منها الإنجليزية، لكونها نموذجًا كلاسيكيًّا للأدب الريفي الذي يصور صمود العائلة أمام الأوبئة والفقر. كما تُرجمت “صالح هيصة” أيضاً لتعريف القارئ الأجنبي بمجتمع المقاهي والمثقفين “الصعاليك” في القاهرة.
إن مَن يقرأ خيري شلبي، في ترجماته، سيجده أديبًا “محليًّا أصيلا” على غرار الكولومبي جارثيا ماركيز في أميركا اللاتينية (1927 – 2014)، حيث يبحث القارئ الغربي في أعماله عن “مصر الحقيقية” غير السياحية أو التاريخية.
ونتوقف بعض الشيء عند رواية “وكالة عطية”، حيث تتشابك فيها مستويات السرد لتبني عالمًا موازيًا يكتفي بذاته. فالمكان في الرواية ليس خلفية، بل هو “البنية المولدة” للأحداث، والوكالة تمثل “المركز” الذي يضم نقيضين: المأوى والقبر، الحرية والسجن. هي مكان “دائري” مُغلق يعيد إنتاج الشخصيات وفق قوانينه الخاصة.
الداخل للوكالة هو عالم الصعاليك بقوانينه الأخلاقية الخاصة، والخارج هو المجتمع “الرسمي” الذي لفظهم. وكأن الوكالة تعمل كجهاز “فلترة” للبشر.
البطل السارد هو “الوسيط” البنيوي في الرواية، فهو متعلم (طالب) لكنه منغمس في القاع، مما يجعله الجسر الذي ينقل القارئ من عالم المنطق إلى عالم “الفوضى المنظمة” داخل الوكالة. وجاء توزيع الأدوار أو الشخصيات داخل الوكالة في شكل هرم اجتماعي بديل (سيد المكان، الحكيم، العضلات، المنبوذ)، وهي بنية تحاكي بنية الدولة ولكن بصورة “مشوَهة” أو ساخرة، أو كاريكاتورية.
لا تسير “وكالة عطية” في خط زمني مستقيم، بل تعتمد على “الاسترجاع” (Flashback) والحكايات المتداخلة. ويبدو الزمن داخل الوكالة “راكدًا” أو متوقفًا، مما يعزز البنية الأسطورية للمكان؛ فالأحداث تتكرر والوجوه تتشابه، مما يعطي انطباعًا بأن الوكالة وجودٌ أزلي، مثلها في ذلك مثل “حارة نجيب محفوظ”. ويدمج شلبي بين لغة السرد الفصيحة ولغة الشارع “الخشنة”. ويعكس هذا التعدد اللغوي الصراع الطبقي والثقافي؛ فاللغة هنا “أداة مقاومة” يستخدمها المهمشون لإثبات وجودهم ضد لغة السلطة الرسمية.
وعلى ذلك نستطيع أن نقول إن “وكالة عطية” في جوهرها تبحث في “بنية السقوط والنهوض”. كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على “آدميته” في مكان مصمم لإهدارها؟ وتنتهي البنية السردية دائمًا إلى أن “الوكالة” (الدولة) أقوى من الأفراد، فهي تبتلع الجميع وتصيغهم وفق إيقاعها الخاص.
شلبي عُرف بأنه "أفضل مَن وَصف الشارع المصري"، وأنه "شاعر البسطاء وراصد الريف" حيث تناول حياة الصعاليك والمهمشين
إن “وكالة عطية” نصٌّ “مفتوح”، تترابط فيه جغرافيا المكان مع سيكولوجية الشخوص لتخلق ملحمة عن “البقاء” في القاع المصري.
وقد جاء الزمن في “وكالة عطية” دائريًّا وراكدًا، أما اللغة فتعامل معها شلبي ككائن حي ينمو من طين الأرض والشوارع، إنها لغة مشحونة بمفردات “أولاد البلد”، والحرفيين، والمهمشين. ولا يكتفي بالكلمة، بل يستحضر “جرسها” الصوتي وبيئتها. وهو يميل في سرده إلى “الحكي” المتدفق الذي لا يعرف التكلُّف، حيث تتداخل الحكايات الجانبية مع المتن الأصلي بأسلوب يشبه جلسات السمر. لذا نراه يمزج الفصحى بالعامية، لغته السردية فصيحة، لكنها “مصرية” النكهة، إنها لغة “التعايش” مع الشخصية، بينما حواراته جاءت عامية بليغة تكشف أصل الشخصية وجذورها النفسية. إنها حوارات مستمدة من “الشارع” والذاكرة الشعبية ويكشف الحوار “هوية” الشخصية وانفعالاتها، ويحمل نبرة عاطفية، ساخرة، وممتلئة بالحكم.
تعد “الغربة” و”المكان” محركين أساسيين في تجربة خيري شلبي. إنه عاش “تغريبة” داخلية بدأت برحيله من قريته “شباس عمير، التابعة لمركز قلين” بمحافظة كفر الشيخ إلى القاهرة، مرورًا بالإسكندرية. هذه الغربة لم تكن جغرافيّة بقدر ما كانت صدمة حضارية، لذا كانت كتابته عن الريف في “الوتد” و”صالح هيصة” محاولة لاستعادة وطنه المفقود. الغربة جعلته يرى الريف بعين “الأنثروبولوجي” الذي يوثق عالمًا يخشى عليه من الانقراض.
لم يسكن شلبي أحياء القاهرة الراقية، بل اختار “وكالة عطية” والمقابر والحواري. وغربته في المدينة جعلته ينحاز للمهمشين الذين يشبهونه في “غربة الروح” وفقدان الجذور.
إنها غربة داخلية، واتجاه الحركة من القرية (الأصل) إلى المدينة (الغابة). والمكان يضغط على الشخصية ويحاصرها، فيلجأ إلى كتابة “ملحمة البسطاء” والتمسك بالجذور. لذا نرى أن تجربة خيري شلبي حفرت “رأسيًّا” في طين الأرض لتصل إلى جوهر الروح المصرية.
وقد رأينا أن المرأة في عالمه هي “العمود الفقري” للمجتمع، وغالبًا ما تكون أقوى من الرجل وأبقى أثرًا. هي نموذج “الأم المستبدة العادلة” كما في شخصية فاطمة تعلبة في رواية “الوتد”. هي ليست مجرد أم، بل هي “مؤسسة” اقتصادية واجتماعية. قوتها مستمدة من الأرض ومن غريزة الحفاظ على العائلة. هي التي تخطط، وتدخر، وتواجه الأوبئة بصلابة فطرية. إنها رمز الخصوبة حيث يربط شلبي دائماً بين المرأة والأرض؛ كلاهما يمنح الحياة وكلاهما يتطلب الرعاية والقوة لحمايته. ولكن على الناحية الأخرى تظهر المرأة مهمشة في رواياته الأخرى (مثل وكالة عطية)، حيث تظهر نماذج لنساء القاع اللواتي يكافحن للبقاء في ظروف قاسية، متمسكات بكرامة فطرية رغم الفقر.
إن المراة عند خيري شلبي مصدر القوة والفطرة، والتجربة، والارتباط بالأرض، ووجودها منحصر داخل الأسرة والحارة والقرية. إنها تلعب دورها الاجتماعي في الحماية، والتربية، والتدبير. إنها “الوتد” الذي يثبت الخيمة.
لقد تناول عدد من النقاد أعمال خيري، ونشير إلى الأعمال النقدية: كتاب “شعرية المكان في روايات خيري شلبي”: دراسات نقدية تتناول كيف حوَّل شلبي الأماكن المهملة إلى فضاءات أسطورية. ومقالات الناقد د. جابر عصفور”التي تناولت “الواقعية السحرية” عند خيري شلبي، وكيف تفوَّقت رواية “وكالة عطية” في رصد قاع المدينة. وكتاب “فن الرواية عند خيري شلبي” للناقد إبراهيم فتحي الذي حلل البناء السردي واللغوي الفريد لشلبي. فضلا عن الأعداد الخاصة من مجلة “إبداع” و”عالم الكتاب” التي خصصت ملفات كاملة لتحليل ظاهرة خيري شلبي بعد رحيله، وضمت شهادات لكبار النقاد. وغير ذلك من دراسات ومقالات.
كما نشير إلى كتاب “خريطة الرواية المصرية” للناقد سيد الوكيل، ويقدم فيه مسحًا شاملاً يضع خيري شلبي في سياقه التاريخي والفني الصحيح ضمن جيل الستينات وما بعده، وغير ذلك من أعمال.
لقد استلهم شلبي عالمه من “الهامش” والجغرافيا المنسية (الريف والوكالة)، محولاً المكان إلى كائن أسطوري يحكم مصير أبطاله. وقد اعتمد لغة “عضوية” تمزج الفصحى بنبض العامية، وبناءً سرديًّا “دائريًّا” يفيض بالحكايات الجانبية (الحكواتي). ورأينا أن بطله هو الإنسان “الفطري” (فاطمة تعلبة) الذي يستمد قوته من الجذور.
ونستطيع أن نقول في النهاية إن أدب خيري شلبي هو أدب “البقاء” والحفاظ على الأصالة في وجه المتغيرات.