خمس سنوات تكفي… الليبيون يسحبون الثقة من حكومة الدبيبة

الشرعية لا تُستمد من الاعتراف الدولي وحده، بل من قدرة السلطة على الوفاء بوظيفتها الأساسية: إدارة الدولة وتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة للمواطنين.
الأحد 2026/08/02
البقاء في السلطة ليس مرادفًا للنجاح

لم تكن الحرارة المرتفعة التي خيمت على طرابلس ومدن الغرب الليبي هذا الصيف هي وحدها ما أشعل الشوارع. مع ساعات الانقطاع الطويلة للكهرباء، وتعطل شبكات المياه، وتراجع الخدمات الأساسية، لم يعد الغضب الشعبي مجرد رد فعل على أزمة معيشية عابرة، بل تحول إلى تعبير سياسي عن أزمة أعمق بكثير. فحين يهتف المحتجون ضد الحكومة، ويغلقون الطرق، ويقترب غضبهم من مؤسسات الدولة ومراكز القرار الاقتصادي، فإن الرسالة لم تعد تتعلق بتحسين خدمة عامة، وإنما بمساءلة السلطة نفسها عن حصيلة خمس سنوات كاملة من الحكم.

في الدول التي تعيش انتقالًا سياسيًا طويلًا، تكون الخدمات العامة غالبًا أول ضحايا الانقسام، لكنها تتحول أيضًا إلى المقياس الأكثر قسوة لشرعية الحكومات. فالشرعية لا تُستمد من الاعتراف الدولي وحده، ولا من الاتفاقات السياسية التي تنتجها العواصم الأجنبية، بل من قدرة السلطة على الوفاء بوظيفتها الأساسية: إدارة الدولة وتأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة للمواطنين. وعندما تفشل الحكومة في ذلك، تتحول أزمة الكهرباء إلى أزمة ثقة، ويتحول انقطاع المياه إلى استفتاء يومي على كفاءة النظام السياسي بأكمله.

هذا ما تبدو ليبيا وكأنها تعيشه اليوم. فالمظاهرات التي انطلقت تحت ضغط الانهيار الخدمي لم تلبث أن تجاوزت المطالب المعيشية لتطرح سؤالًا أكثر جوهرية: ماذا بقي من حكومة كان يفترض أن تكون انتقالية، بعد أن أمضت خمس سنوات في السلطة من دون أن تحقق الهدف الذي جاءت من أجله؟

حين تشكلت حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة مطلع عام 2021، لم تُقدَّم باعتبارها مشروعًا سياسيًا طويل الأمد، بل باعتبارها جسرًا مؤقتًا يعبر بليبيا من مرحلة الانقسام إلى مرحلة الدولة. كانت مهمتها محددة وواضحة: توحيد المؤسسات، تهيئة البيئة الأمنية، تنظيم الانتخابات، وإنهاء المرحلة الانتقالية التي استنزفت البلاد منذ سقوط نظام معمر القذافي.

آنذاك، استقبل كثير من الليبيين تلك الحكومة بقدر من التفاؤل الحذر. فقد كانت البلاد خارجة من سنوات من المواجهات العسكرية، وكان وقف إطلاق النار قد فتح نافذة نادرة لإعادة ترتيب المشهد الداخلي. وبدا أن المجتمع الدولي، كما القوى الليبية الرئيسية، قد توصل إلى قناعة بأن استمرار الانقسام أخطر من تقديم فرصة جديدة لتوحيد مؤسسات الدولة.

لكن ما بدا فرصة تاريخية تحول تدريجيًا إلى صورة أخرى من صور الأزمة الليبية المزمنة. فالانتخابات التي كانت تمثل جوهر خريطة الطريق لم تُجرَ، والمؤسسات بقيت منقسمة، والملف الأمني ظل رهينة توازنات معقدة بين التشكيلات المسلحة، بينما تحولت الحكومة المؤقتة، بمرور الوقت، إلى سلطة تمارس صلاحياتها في ظل شرعية سياسية موضع نزاع.

الليبيون خرجوا إلى الشوارع بعد خمس سنوات من حكم الدبيبة معتبرين أن أزمة الكهرباء والمياه تحولت إلى أزمة ثقة سياسية تهدد شرعية الحكومة

ولعل المفارقة الأبرز أن الحكومة التي جاءت لإنهاء المرحلة الانتقالية أصبحت، في نظر كثير من منتقديها، أحد أسباب استمرارها. فكل تأجيل جديد للاستحقاقات السياسية، وكل تعثر في مسار توحيد المؤسسات، كان يضيف طبقة جديدة من الشكوك حول مستقبل العملية السياسية برمتها. ومع مرور الوقت، لم يعد الجدل يدور حول أداء الحكومة فقط، بل حول الأساس الذي تستند إليه في الاستمرار.

لكن تحميل المسؤولية للحكومة وحدها لا يكفي لفهم الأزمة الليبية. فالدبيبة لم يعمل في فراغ سياسي، بل في بيئة تتقاطع فيها سلطات متنافسة، ومؤسسات منقسمة، وتدخلات خارجية، وشبكات مصالح اقتصادية وأمنية تراكمت على مدى أكثر من عقد. غير أن تعقيد البيئة السياسية لا يعفي أي حكومة من المسؤولية عن نتائج أدائها، خصوصًا إذا امتد بقاؤها سنوات عدة تجاوزت الإطار الزمني الذي أنشئت من أجله.

وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه الشارع الليبي اليوم بصيغة مختلفة: إذا كانت الحكومة قد مُنحت الوقت، والموارد، والاعتراف الدولي، فما الذي تحقق من الوعود التي رفعتها عند تشكيلها؟ وهل كان تعثر المرحلة الانتقالية نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها، أم أن الحكومة أصبحت، هي الأخرى، جزءًا من منظومة تستفيد من بقاء الوضع كما هو؟

هذه الأسئلة هي التي تمنح الاحتجاجات الأخيرة معناها السياسي الحقيقي. فهي لا تعكس فقط سخطًا على انقطاع الكهرباء أو نقص المياه، بل تشير إلى تآكل تدريجي في الثقة بين المجتمع والسلطة. وعندما يصل المواطن إلى قناعة بأن المشكلة لم تعد في الخدمة، وإنما في طريقة إدارة الدولة نفسها، فإن الاحتجاج يتجاوز حدود المطلب الاجتماعي ليصبح حكمًا سياسيًا على تجربة حكم كاملة.

لكن الأزمة الليبية لا يمكن اختزالها في حكومة أخفقت في إدارة الخدمات العامة، ولا في رئيس وزراء أخفق في تنفيذ وعوده. فالأزمات الخدمية ليست سوى السطح المرئي لمعادلة أكثر تعقيدًا، تشكلت على مدى سنوات من التداخل بين السلطة السياسية، والقوة المسلحة، وشبكات المصالح الاقتصادية. وما كشفته الاحتجاجات الأخيرة هو أن هذه المعادلة بلغت حدودها القصوى، ولم تعد قادرة على إنتاج الحد الأدنى من الاستقرار الذي بررت وجودها باسمه.

منذ وصول حكومة الوحدة الوطنية إلى السلطة، كان واضحًا أن الملف الأمني سيكون الاختبار الأصعب أمامها. فقد ورثت دولة تتنازعها عشرات التشكيلات المسلحة، لكل منها مناطق نفوذها ومصادر تمويلها وتحالفاتها المحلية والخارجية. وكان الوعد الأساسي يتمثل في دمج هذه التشكيلات داخل مؤسسات الدولة، وإعادة احتكار السلطة لاستخدام القوة، وهو الشرط الذي لا تقوم أي دولة حديثة من دونه.

غير أن ما حدث سار في اتجاه مختلف. فبدل أن تنجح الدولة في استيعاب السلاح، بدا في كثير من الأحيان أن السلاح هو الذي أعاد تشكيل الدولة وفق توازناته. ولم يعد السؤال: كيف يمكن إنهاء نفوذ الجماعات المسلحة؟ بل كيف يمكن التعايش معها، وإدارة العلاقة معها، وضمان عدم تحولها إلى مصدر تهديد مباشر للحكومة.

هذه المقاربة قد تكون جنبت العاصمة جولات جديدة من المواجهات في بعض المراحل، لكنها حملت كلفة سياسية ومؤسسية مرتفعة. فعندما تصبح القوة المسلحة عنصرًا دائمًا في معادلة الحكم، تتحول القرارات السياسية إلى نتاج موازين القوى أكثر من كونها تعبيرًا عن سلطة المؤسسات. ومع مرور الوقت، يتراجع مفهوم الدولة باعتبارها المرجعية الوحيدة، لتحل محله شبكة معقدة من التفاهمات المؤقتة بين الفاعلين المسلحين والسياسيين.

ولم يقتصر أثر هذه المعادلة على الجانب الأمني. فقد نشأ، بالتوازي معها، اقتصاد سياسي كامل يقوم على توزيع النفوذ والمنافع. ففي الدول التي تطول فيها المراحل الانتقالية، لا يقتصر الصراع على السلطة، بل يمتد إلى الموارد التي تتيحها تلك السلطة. وهكذا أصبحت السيطرة على بعض المنافذ، والمؤسسات، ومسارات الإنفاق العام، جزءًا من منظومة النفوذ، بما يجعل استمرار الوضع القائم أكثر ربحية لبعض الأطراف من إنهائه.

الاحتجاجات الأخيرة تكشف أن المشكلة لم تعد خدمية فقط بل أزمة إدارة وحوكمة حيث يرى المواطنون أن استمرار الحكومة أصبح جزءًا من الأزمة لا الحل

في هذه البيئة، لم يعد النفط مجرد مورد اقتصادي، بل أصبح العمود الفقري للصراع السياسي. فليبيا، التي تنتج نحو مليون وأربعمائة ألف برميل من النفط يوميًا في الظروف المستقرة، تمتلك من الموارد ما يكفي نظريًا لتوفير خدمات عامة بمستويات أفضل كثيرًا مما يعيشه المواطن. لكن المفارقة أن الدولة الغنية بالنفط لم تنجح في ترجمة هذه الثروة إلى بنية تحتية مستقرة أو خدمات مستدامة.

ولا يعود ذلك إلى نقص الموارد بقدر ما يرتبط بطبيعة إدارتها. فعندما تنشغل السلطة بإدارة التوازنات السياسية والأمنية أكثر من انشغالها بإدارة التنمية، تصبح الإيرادات وسيلة للحفاظ على الاستقرار السياسي قصير المدى، لا أداة لبناء مؤسسات قادرة على تلبية احتياجات المجتمع. وهكذا تدخل الدولة في حلقة مفرغة: موارد كبيرة، وإنفاق مرتفع، لكن نتائج محدودة على حياة المواطنين.

ولذلك، لم يكن مستغربًا أن تتحول الكهرباء إلى القضية الأكثر حساسية في الشارع الليبي. فالكهرباء ليست مجرد خدمة، بل مؤشر على قدرة الدولة على القيام بوظيفتها الأساسية. وكلما طالت ساعات الانقطاع، ترسخت لدى المواطنين قناعة بأن الخلل لم يعد فنيًا أو موسميًا، بل أصبح بنيويًا، يعكس أزمة إدارة وحوكمة أكثر مما يعكس أزمة إنتاج.

والأمر نفسه ينطبق على المياه، والاتصالات، والنقل، وسائر الخدمات العامة. فحين تتكرر الأزمات نفسها عامًا بعد عام، في بلد يمتلك موارد طبيعية ضخمة، تتراجع قدرة الخطاب الرسمي على إقناع الناس بأن المشكلة مؤقتة أو خارجة عن السيطرة. ويبدأ السؤال بالانتقال من “لماذا انقطعت الكهرباء؟” إلى “لماذا عجزت الدولة، بعد كل هذه السنوات، عن بناء منظومة تمنع تكرار الأزمة؟”

هنا تحديدًا يبدأ التحول الأخطر في أي نظام سياسي. فالاحتجاجات التي تنطلق بسبب تدهور الخدمات يمكن احتواؤها بإجراءات إدارية أو مالية، أما الاحتجاجات التي تنطلق بسبب فقدان الثقة في قدرة السلطة على الإصلاح، فهي تعكس أزمة أعمق تمس شرعية الحكم نفسها. وعندما يصل المواطن إلى هذه المرحلة، يصبح تغيير الحكومة، في نظره، جزءًا من الحل، لا مجرد مطلب سياسي ترفعه النخب المتنافسة.

لقد أمضت حكومة عبدالحميد الدبيبة خمس سنوات في إدارة مرحلة كان يفترض أن تكون مؤقتة. وخلال هذه السنوات، تمكنت من البقاء رغم تبدل المواقف الإقليمية، وتعقيدات المشهد الداخلي، واستمرار الانقسام المؤسسي. لكن البقاء في السلطة ليس مرادفًا للنجاح في إدارة الدولة. فالحكومات تُقاس في نهاية المطاف بقدرتها على تحويل الوقت الذي مُنح لها إلى إنجازات ملموسة، لا بمجرد استمرارها في ممارسة السلطة.

3