خطاب العرش.. رؤية ملكية لترسيخ المكاسب ومواصلة المشاريع الاستراتيجية

الاستقرار المؤسساتي ميزة تنافسية للمغرب في محيط إقليمي مضطرب
الخميس 2026/07/30
استثمار في الاستقرار ورهان على المستقبل

الرباط- جاء خطاب العاهل المغربي الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش ليؤكد أن المملكة تدخل مرحلة جديدة في مسارها التنموي، عنوانها البناء على المكتسبات ومواصلة المشاريع الاستراتيجية، في وقت يشهد فيه الإقليم والعالم تحولات متسارعة واضطرابات سياسية واقتصادية وأمنية.

ولم يقتصر الخطاب على استعراض ما تحقق خلال السنوات الماضية، بل قدم تصوراً متكاملاً للمرحلة المقبلة يقوم على استمرارية الدولة، وتعزيز الثقة في المؤسسات، واستكمال الأوراش الكبرى باعتبارها خياراً استراتيجياً يتجاوز الحكومات والدورات الانتخابية.

وفي هذا السياق، شدد الملك محمد السادس على أن المغرب يعيش "مرحلة فاصلة" في مساره التنموي، داعياً إلى أن تسود روح الثقة والتفاؤل بدل خطابات التشاؤم والإحباط، معتبراً أن ما تحقق خلال العقود الماضية لم يكن وليد الظروف أو الصدفة، وإنما نتيجة رؤية استراتيجية واضحة اعتمدت المبادرة والمتابعة الدقيقة والنقد الذاتي والتخطيط بعيد المدى.

وتبرز هذه الرسائل في لحظة سياسية مهمة، إذ يقترب المغرب من استحقاقات تشريعية جديدة، وهو ما يفسر تأكيد الملك أن المنجزات الوطنية ليست رهينة بولاية حكومة أو أغلبية برلمانية، وإنما هي ثمرة مشروع دولة يمتد على سنوات طويلة، بما يضمن استمرارية الإصلاحات وعدم إخضاعها للتجاذبات السياسية أو الحسابات الانتخابية.

ويعكس هذا التوجه حرص المؤسسة الملكية على ترسيخ مفهوم الدولة الاستراتيجية، التي تضع الأهداف الكبرى فوق الاعتبارات الظرفية، بحيث تتواصل المشاريع التنموية بنفس الوتيرة بغض النظر عن تغير الحكومات.

كما يمثل رسالة واضحة بأن المرحلة المقبلة ينبغي أن تركز على تحصين ما تحقق، لا على إعادة إنتاج النقاشات حول الخيارات الأساسية التي حسمتها الدولة.

وفي هذا الإطار، أكد الملك أن المغرب يتطلع، بعد الانتخابات التشريعية وتشكيل حكومة جديدة، إلى إطلاق دورة جديدة في المسار التنموي، يكون شعارها مواصلة المشاريع الكبرى وتعزيز الإصلاحات الهيكلية، بما يسمح بالانتقال من مرحلة تأسيس الأوراش إلى مرحلة تعظيم مردوديتها الاقتصادية والاجتماعية.

وتذهب الباحثة في العلوم السياسية شريفة لمويير إلى أن الخطاب الملكي ربط بشكل مباشر بين الاستقرار المؤسساتي والمكاسب التي راكمها المغرب خلال العقود الماضية، معتبرة أن الثقة التي يحظى بها المغرب داخلياً وخارجياً أصبحت أحد أهم عناصر قوته.

وترى أن هذه المقاربة أسهمت في تحويل المملكة إلى شريك دولي يحظى بالمصداقية، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الدبلوماسي، في منطقة تعاني أزمات متلاحقة.

وتضيف لمويير في تصريح ل" العرب" أن تأكيد الملك على عدم ربط الإنجازات بالزمن الحكومي يحمل دلالة سياسية مهمة، إذ يعكس رغبة في تحييد المشاريع الوطنية الكبرى عن التنافس الحزبي، وترسيخ فكرة أن التنمية مسؤولية جماعية تشارك فيها مختلف المؤسسات، بما يضمن استمرارية الإصلاحات ويمنح المستثمرين والشركاء الدوليين رؤية أكثر استقراراً للمستقبل.

ولم يغفل الخطاب البعد الاقتصادي، حيث استعرض عدداً من المؤشرات التي تعكس متانة الأداء الاقتصادي للمملكة، وفي مقدمتها تحقيق نمو اقتصادي بلغ نحو 4.9 في المئة خلال عام 2025، مع توقعات باستمرار المنحى الإيجابي خلال عام 2026.

خطاب العرش لم يقتصر على استعراض ما تحقق خلال السنوات الماضية، بل قدم تصوراً متكاملاً للمرحلة المقبلة يقوم على استمرارية الدولة، وتعزيز الثقة في المؤسسات، واستكمال الأوراش الكبرى باعتبارها خياراً استراتيجياً يتجاوز الحكومات والدورات الانتخابية.

كما أشار إلى أن الموسم الفلاحي الجيد والتساقطات المطرية ساعدا في تعزيز الأمنين المائي والغذائي، في وقت يواصل فيه المغرب ترسيخ مكانته كقطب للاستثمار الصناعي والسياحي والمالي.

وتعكس هذه المؤشرات، وفق مراقبين، نجاح الرهان المغربي على تنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على القطاعات التقليدية، عبر الاستثمار في الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، وتعزيز البنية التحتية، وتوسيع شبكة الشراكات الاقتصادية مع مختلف الفاعلين الدوليين.

كما أولى الخطاب اهتماماً خاصاً للمشاريع المستقبلية التي تراهن عليها المملكة لتعزيز تنافسيتها، وفي مقدمتها مشاريع الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، إذ أكد الملك أن المغرب شرع في تنزيل "عرض المغرب للهيدروجين الأخضر" من خلال الترخيص لمجموعة أولى من المشاريع الكبرى، بما ينسجم مع التحولات العالمية في مجال الطاقة النظيفة ويعزز الأمن الطاقي للمملكة.

ويأتي ذلك بالتوازي مع مواصلة تطوير الصناعات المتقدمة، حيث أشار الملك إلى إطلاق مصانع جديدة مكنت المغرب من الالتحاق بالدول الرائدة في صناعة محركات الطائرات وأنظمة الهبوط، وهو ما يعكس انتقال الاقتصاد المغربي تدريجياً نحو قطاعات تعتمد على التكنولوجيا والابتكار أكثر من اعتمادها على الصناعات التقليدية.

وفي السياق ذاته، ربط الخطاب بين الاستقرار السياسي ونجاح هذه المشاريع، معتبراً أن الأمن المؤسساتي أصبح ميزة تنافسية للمغرب في محيط إقليمي يشهد اضطرابات متواصلة. فالاستقرار، وفق الرؤية الملكية، لم يعد مجرد هدف سياسي، بل تحول إلى ركيزة لجذب الاستثمارات، وتوسيع الشراكات، وتعزيز مكانة المملكة على المستويين الإقليمي والدولي.

كما توقف الخطاب عند قدرة الدولة على إدارة الأزمات، مستشهداً بالتعامل الاستباقي مع الفيضانات التي شهدتها مناطق الغرب والشمال، معتبراً أن نجاعة المؤسسات أصبحت عاملاً أساسياً في تعزيز ثقة المواطنين والشركاء الدوليين في قدرة المغرب على مواجهة التحديات.

وتشير لمويير إلى أن الرسالة الجوهرية التي حملها خطاب العرش تتمثل في أن الاستقرار ليس غاية بحد ذاته، وإنما قاعدة تنطلق منها الدولة لتعزيز التنمية وترسيخ مكانتها الدولية. وترى أن المغرب استطاع خلال السنوات الأخيرة أن يقدم نموذجاً مختلفاً في منطقة مضطربة، وهو ما انعكس على حضوره الدبلوماسي وجاذبيته الاقتصادية.

ويكشف خطاب العرش أن المغرب لا ينظر إلى المرحلة المقبلة باعتبارها بداية مسار جديد، بل امتداداً لمشروع استراتيجي متواصل، يقوم على استثمار ما تحقق والبناء عليه.

ومن خلال الجمع بين الاستقرار السياسي، واستمرارية المؤسسات، ومواصلة المشاريع الكبرى، يسعى المغرب إلى ترسيخ نموذج تنموي طويل الأمد، يجعل من الثقة والتخطيط الاستراتيجي ركيزتين أساسيتين لمواجهة تحديات المستقبل وتعزيز موقع المملكة كشريك إقليمي ودولي مؤثر.