خزينة بغداد.. سلاح طهران
بينما كانت طائرة “الشحن” الأميركية تفرغ صناديق الدولارات في مطار بغداد، كانت طائرة مسيّرة إيرانية الصنع تفرغ حمولتها من الموت فوق مبنى المخابرات العراقي في المنصور. ليست المفارقة في توقيت المشهدين بقدر ما هي في الدولة التي تسمح لهما بالحدوث في الجغرافيا نفسها: جندي في جهاز رسمي يموت تحت الركام، ومقاتل في فصيل غير رسمي يضغط زر الإطلاق من خلف السواتر، وكلاهما يدور داخل دورة مالية واحدة تمر عبر البنك المركزي في بغداد وبالدولار المطبوع في واشنطن.
في مثل هذا المشهد، لا يعود السؤال عن “من نفّذ الهجوم؟” كافيًا، بل يتحول إلى سؤال أعمق: من يملك قرار الفعل أصلًا داخل الدولة؟ فالعراق لا يعيش أزمة أمنية عابرة، بل تناقضًا بنيويًا يجعل الدولة تبدو كجسم واحد في الخطاب، بينما تتوزع سلطتها فعليًا بين مراكز قرار متعددة تتحرك داخل حدودها وخارجها.
ازدواجية القرار والتمويل جعلت بغداد "دولة صرّاف آلي" تحوّل عوائد النفط إلى وقود لسلاح إيراني بينما تستمر واشنطن في ضخ الدولارات عبر مطارها
نحن أمام “دولة صرّاف آلي” بامتياز، وظيفتها الوحيدة هي تحويل عوائد النفط إلى وقود لمحرك “السلاح الإقليمي الإيراني”. إنها الكوميديا السوداء في أبشع صورها؛ حيث تدفع بغداد ثمن الرصاصة التي تخترق صدرها، وثمن المسيّرة التي تضرب جيرانها في السعودية والخليج، تحت مسميات “الحشد” و”المنظومة الأمنية” التي لم تعد تفرّق بين الدولة وبين “فيلق القدس”.
لقد ولى زمن الحديث عن “السيادة المخروقة”، فنحن اليوم أمام “سيادة ممولة ذاتيًا” للتدمير. العراق الحالي، الذي يختلف جذريًا عن عراق القديم أو حتى عراق الاحتلال الأميركي، بات “عراقًا إيرانيًا” بالكامل في القرار، ولكنه “عراق أميركي” في التمويل. هذه الازدواجية هي التي جعلت قائد فيلق القدس، إسماعيل قاآني، يتجول في التراب العراقي كأنه يتفقد ضيعة تابعة لطهران، يصدر الأوامر لفصائله بخرق الهدنة، وهو يعلم أن “حكومة السوداني” لن تملك جرأة الشجب، لأنها ببساطة “حكومة واجهة” تدير شؤون المكاتب بينما تدير الميليشيات شؤون الميادين.
المسؤولية القانونية عمّا جرى ويجري من اعتداءات انطلقت من العراق لتضرب أمن الخليج تقع بالكامل على عاتق بغداد. فلا يمكن قبول تبرير “الدولة العاجزة” بينما هي ذاتها “الدولة الممولة”. كيف يستقيم أن يطالب العراق برضا واشنطن واستمرار تدفق دولاراتها، وفي الوقت نفسه يفتح خزائنه لميليشيات تأخذ المال من بغداد وتتلقى الأوامر من طهران؟
العراق اليوم ليس دولة رهينة فقط بل تحول إلى “لغم” ممول ذاتيّا يدفع العالم ثمن بقائه بانتظار قرار طهران بتفجير المشهد الإقليمي
العالم اليوم، وتحديدًا إدارة ترامب التي بدأت تشهر سلاح “الفيدرالي”، أدرك أن الحل لا يكمن في البيانات الدبلوماسية، بل في تجفيف منابع هذه “الدولة الصرّاف”. عندما أوقفت واشنطن شحن الـ500 مليون دولار هذا الأسبوع، لم تكن تستهدف الاقتصاد العراقي لذاته، بل كانت تحاول انتزاع “جهاز التحكم” من يد طهران.
إن ما يحدث في أبريل 2026 هو إعلان سقوط “الشرعية الشكلية”. فالنظام الذي لا يستطيع منع ميليشياته من قتل ضباط مخابراته، ولا يستطيع كفّ أذاها عن جيرانه، هو نظام يمول فناءه بيده. العراق اليوم ليس دولة رهينة فقط، بل هو “لغم” يدفع العالم ثمن بقائه، في انتظار اللحظة التي يقرر فيها “صاحب اللغم” في طهران تفجير كل شيء.
إن العراق لا يواجه مجرد “اختراق” في سيادته، بل اختبارًا وجوديًا لمعناها الحقيقي. فالدولة التي لا تحتكر قرار السلاح، ولا تتحكم بالكامل بمسارات التمويل، لا تبقى دولة بالمعنى الفعلي، بل تتحول إلى ساحة مفتوحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، وتُدار من الخارج بينما تدفع فاتورتها من خزينتها الخاصة.