حين فشلت الفرامل الأميركية
لم تعد الأزمة الراهنة في الشرق الأوسط تدور حول طبيعة الصواريخ الباليستية الثلاثة عشر التي أطلقتها طهران باتجاه شمال إسرائيل على أربع دفعات، بقدر ما باتت تفكك حدود النفوذ الأميركي وقدرة واشنطن على ضبط سلوك حلفائها وخصومها في آن واحد. فخلال الساعات الماضية، بدت إدارة الرئيس دونالد ترامب حريصة على احتواء المواجهة ومنع تحولها إلى حرب إقليمية مفتوحة، وتجلى ذلك في المساعي لفرض “فيتو” شفهي يثني بنيامين نتنياهو عن الرد. إلا أن الميدان سرعان ما كشف عن حقيقة مغايرة، إذ أثبت المضي الإسرائيلي في الرد اللاحق أن حسابات المعارك الجيوسياسية لا تسير دائمًا وفق الإيقاع الذي يريده البيت الأبيض، وأن الفرامل الأميركية قد تفشل حين تصطدم بالعقائد الأمنية الوجودية للأطراف المتصارعة.
وفي القراءة الواقعية الباردة للعلاقات الدولية، لا تتحرك الدول وفق الرغبات والترتيبات السياسية المسبقة بقدر ما تتحرك وفق إدراكها الصارم لموازين القوة والردع. ومن هذا المنطلق كان من الصعب، بل من المستحيل سياسيًا، على حكومة نتنياهو تجاهل الهجوم الإيراني الأخير دون رد مباشر، ليس فقط لأسباب عسكرية تكتيكية، بل لأن الردع يشكل الضلع الأساسي في العقيدة الأمنية الإسرائيلية. فالدولة التي شيدت سرديتها الإقليمية على صورة القدرة الفائقة على الرد السريع والحاسم، لا يمكنها القبول بمعادلة توحي بأن خصومها قادرون على استهداف عمقها دون دفع كلفة سياسية وعسكرية باهظة، حتى وإن جاء ذلك على حساب التناغم التام مع الحليف الأميركي الأكبر.
فشلت الفرامل الأميركية في كبح التصعيد ومضت إسرائيل بالرد العسكري رغم الضغوط لتكشف حدود النفوذ الأميركي وتباين الأولويات بين الحليفين
على المقلب الآخر، لا يمكن تفكيك هذا المشهد من زاوية إسرائيلية بحتة، فطهران بدورها لم تكن تبحث بالضرورة عن تفجير حرب شاملة ومدمرة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، بقدر ما كانت تسعى إلى تثبيت معادلة سياسية وعسكرية جديدة عبر رسائل مشفرة بالنار. لقد أرادت إيران إثبات قدرتها على الرد المباشر وتأكيد احتفاظها بأوراق التأثير الإقليمي، وهو ما حاولت الدبلوماسية الإيرانية استثماره فورًا عبر الرمزية السياسية لنشر صورة علمي لبنان وإيران؛ لإعادة ربط المسارات التي تجتهد واشنطن لتفكيكها. وفي الوقت ذاته حرصت طهران على إبقاء الباب مواربًا أمام أي ترتيبات أو صفقات محتملة مع إدارة ترامب، ولهذا السبب تحديدًا جاء التصعيد الإيراني ضمن حدود مدروسة ومحسوبة بدقة، تمامًا كما جاء الرد الإسرائيلي اللاحق مضبوطًا تحت سقف منع الانفجار الكبير.
هنا تتجلى المفارقة الأساسية والمأزق المركب الذي يحكم المشهد؛ فالأطراف الثلاثة الرئيسية، واشنطن وطهران وتل أبيب، لا ترغب فعليًا في الانزلاق نحو حرب إقليمية واسعة، لكنها في الوقت عينه ترفض بشكل قاطع الظهور بمظهر الطرف المتراجع أو المنكسر. هذه المعضلة تفسر استمرار الضربات المتبادلة رغم إدراك الجميع للمخاطر الكامنة وراءها، حيث يسعى كل لاعب إلى تحسين موقعه التفاوضي أو ترميم صورته الردعية. ومن منظور المدارس الإستراتيجية الرصينة، فإن هذا التراشق لا يمثل فشلًا كاملًا للدبلوماسية، بل هو شكل من أشكال “التفاوض غير المباشر بالقوة”، حيث تتحول الصواريخ والضربات الجوية إلى أدوات سياسية موازية لإعادة رسم خطوط النفوذ بانتظار اللحظة المناسبة للجلوس على الطاولة.
يبقى التطور الأبرز في هذه الجولة متعلقًا بصورة الولايات المتحدة وهيبتها كقوة عظمى؛ فقد كشفت الأحداث المتلاحقة أن النفوذ الأميركي، رغم ضخامته وأدواته الضاغطة، ليس نفوذًا مطلقًا ولا شيكًا على بياض. تستطيع واشنطن التأثير في قرارات حلفائها وفرض قيود على قراراتهم العسكرية، لكنها تعجز عن فرض خياراتها القسرية عندما تشعر تلك الأطراف بأن أمنها المباشر بات على المحك. وبناءً على ذلك، يمكن فهم الرد الإسرائيلي المتجاوز للموقف الأميركي الحاسم ليس بوصفه تمهيدًا لحرب إقليمية شاملة هذا الأسبوع، بل كدليل على تصدع جدار التنسيق واختلاف الأولويات بين الحليفين، في إقليم طالما برع لاعبوه في السير فوق حقول الألغام دون تفجيرها بالكامل، وإن كانت الهوامش بين الاحتواء والانفجار قد أصبحت اليوم أضيق من أي وقت مضى.