حكومة الزيدي وصناعة القرار التاريخي
لا يمكن التغافل عن دور الحكومات المتعاقبة والجهود التي بذلت من أجل خروج القوات الأميركية من البلاد، والتي أسفرت عن مراحل بدأت بخروجها من القواعد العسكرية في عموم العراق وانسحابها إلى إقليم كردستان، ومن ثم الخروج نهائياً من العراق.
حكومة علي الزيدي أكملت هذا الدور ولعبت دوراً محورياً في مسار خروج القوات الأميركية من العراق، وهو حدث شكّل علامة فارقة في التاريخ السياسي الحديث للبلاد. فهذا الدور لم يكن مجرد قرار إداري أو تفاوضي، بل كان انعكاساً لإرادة شعبية متراكمة منذ سنوات الاحتلال، حيث مثّل الزيدي وحكومته نقطة التوازن بين ضغط الشارع العراقي ومقتضيات العلاقات الدولية المعقدة. لذلك أدرك أن بقاء القوات الأجنبية يعني استمرار حالة اللاسيادة، وأن خروجها يمثل بداية مرحلة جديدة من بناء الدولة العراقية على أسس الاستقلال والاعتماد على الذات.
حكومة علي الزيدي جسدت الإرادة الوطنية العراقية فحوّلت مطلب الانسحاب إلى قرار تاريخي وأعادت رسم ملامح الدولة على أسس السيادة والاستقلال والاعتماد الذاتي
منذ اللحظة الأولى لتوليه المسؤولية، عمل الزيدي على تحويل مطلب الانسحاب إلى مشروع سياسي متكامل، مستخدماً أدوات التفاوض الدبلوماسي مع واشنطن، وفي الوقت نفسه مستنداً إلى قوة الموقف الشعبي والبرلماني. هذا المزج بين الشرعية الداخلية والقدرة على إدارة الحوار الخارجي منح حكومته قوة تفاوضية جعلت الأميركيين أمام خيار لا مفر منه: إما الانسحاب المنظم أو مواجهة أزمة شرعية وجودهم في العراق. وهنا برزت براعة الزيدي في إدارة الملفات الأمنية والسياسية، حيث سعى إلى بناء مؤسسات قادرة على ملء الفراغ الأمني بعد الانسحاب، كي لا يتحول خروج القوات إلى مدخل للفوضى.
لم يكن الطريق سهلاً، فقد واجهت الحكومة ضغوطاً أميركية وإقليمية، إضافة إلى مخاوف داخلية من انهيار الوضع الأمني. لكن الزيدي اعتمد خطاباً وطنياً يربط بين الانسحاب واستعادة الكرامة العراقية، مقدماً نفسه كقائد يترجم تطلعات الشعب إلى قرارات عملية. هذا الخطاب عزز من مكانته داخلياً وأعطى زخماً سياسياً لمشروعه، حتى بات الانسحاب يُنظر إليه كإنجاز وطني لا مجرد اتفاق سياسي. كما استطاع أن يحوّل لحظة الانسحاب إلى رمز لانتصار الإرادة العراقية على الهيمنة الخارجية.
الانسحاب الأميركي لم يكن مجرد اتفاق سياسي بل محطة فارقة منحت العراقيين شعوراً بالتحرر ورسّخت الثقة بمؤسساتهم وفتحت الطريق لبناء جيش وطني مستقل
حكومة الزيدي لم تكتفِ بالجانب السياسي، بل عملت على إعادة صياغة العلاقات مع الولايات المتحدة بعد الانسحاب، بحيث تتحول من علاقة احتلال إلى علاقة ندية قائمة على التعاون في مجالات الاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا. هذا التحول كان ضرورياً لتجنب القطيعة الكاملة، وفي الوقت نفسه لضمان أن العراق لا يعود ساحة صراع مفتوحة. وهنا يظهر البعد الاستراتيجي لرؤية الزيدي، فهو لم يكن يسعى فقط إلى إخراج القوات، بل إلى إعادة تعريف موقع العراق في النظام الدولي كدولة ذات سيادة كاملة.
إن خروج القوات الأميركية من العراق في عهد حكومة علي الزيدي لم يكن مجرد حدث عابر، بل محطة تاريخية أعادت رسم ملامح الدولة العراقية. فقد منح العراقيين شعوراً بالتحرر، وأعاد الثقة بقدرة مؤسساتهم على إدارة شؤونهم دون وصاية خارجية. وفي الوقت ذاته شكّل تحدياً كبيراً للحكومة في كيفية الحفاظ على الأمن والاستقرار في ظل غياب الدعم العسكري الأميركي. لكن حكومة الزيدي تعاملت مع هذا التحدي باعتباره فرصة لبناء جيش وطني أكثر استقلالية، ولتعزيز الهوية الوطنية الجامعة بعيداً عن الانقسامات الطائفية والسياسية.
يمكن القول إن دور حكومة علي الزيدي في خروج القوات الأميركية من العراق كان تجسيداً لإرادة سياسية صلبة ورؤية استراتيجية تسعى إلى إعادة العراق إلى موقعه الطبيعي كدولة مستقلة ذات سيادة. فقد نجح في تحويل مطلب شعبي إلى واقع سياسي، وجعل لحظة الانسحاب نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة من تاريخ العراق. وبالرغم من التحديات التي واجهت البلاد بعد ذلك، يبقى هذا الإنجاز علامة مضيئة في سجل حكومته، ودليلاً على أن الإرادة الوطنية قادرة على فرض حضورها حتى في مواجهة القوى الكبرى.