جابوتنسكي ملهم نتنياهو: الحركة التصحيحية والنازية
يكاد بنيامين نتنياهو أن يكون فرعون العصر بالنسبة للعرب، لشدة بطشه النازي بهم واستكباره على النواميس الدولية والإنسانية. جبروته، المجرد من أدنى أخلاقيات الحرب، يستحضر في الذاكرة الشعبية العربية صورة فرعون الذي تأله، ولم يتفرعن إلا حين لم يجد من يرده، بحسب المثل التاريخي القائل “مَن فرعنك يا فرعون؟” فرد “لم أجد من يردني”.
تلك الحال تنطبق على نتنياهو، لأن العرب لم يردوه، ولا يمتلكون عصا موسى. وربما يكون من أسباب عدم الرد، إضافة إلى ضعف العرب وتمزقهم، سوء قراءتهم لخلفية استراتيجية نتنياهو في حروبه المدمرة واتساعها نحو المحيط. فهو في الآن ذاته يحارب غزة، يناوش الضفة، يدمر جنوب لبنان، يستبيح سماء وأرض سوريا، ويقصف اليمن والدوحة، خارقاً كل الأعراف الدولية، ضارباً عرض الحائط بوهم تطبيعه مع العرب.
أفكار جابوتنسكي الممزوجة بالنازية والفاشية شكلت أساس الصهيونية التصحيحية وأصبحت مرجعا لسياسات نتنياهو القائمة على الجدار الحديدي ورفض أي تسوية عادلة
ترجع استراتيجية نتنياهو إلى أفكار زئيف فلاديمير جابوتنسكي، الصهيوني روسي المنشأ، وقد أعلن نتنياهو صراحة في خطاباته أن جابوتنسكي ملهمه ومرشده الروحي، وأنه يحتفظ بسيفه ويقرأ أعماله دائماً. ويُعد جابوتنسكي أحد أكثر أركان الحركة الصهيونية تأثيراً في سياسة حكام إسرائيل، إذ بنى أفكاره على فلسفات توماس هوبز ونيتشه، وتبنى فكرا مزيجا من النازية والفاشية والتلمودية المتطرفة، متغنياً بالفكر الدارويني والفاشي. ومن جملة أفكاره قوله في إحدى خطبه:
“كل إنسان آخر على خطأ، وأنت وحدك على صواب. لا تحاول أن تجد أعذاراً من أجل ذلك، فهي غير ضرورية وغير صحيحة. ليس بوسعك أن تعتقد بأي شيء في العالم إذا اعترفت ولو لمرة واحدة أن خصومك قد يكونون على صواب لا أنت. هذه ليست الطريقة لتحقيق أي أمر. لا توجد في العالم إلا حقيقة واحدة، وهي بكاملها ملكك أنت”.
لا يبلغ هذا التطرف إلا ما بلغته الأيديولوجيا النازية، فعلى الرغم من العداء التاريخي بين الصهيونية والنازية، فإنهما تلتقيان في التقييم العرقي للبشرية وحق العرق المطلق في التحكم بالبشرية وإقصاء الغير. هذا ما ينبض به سياق خطبة جابوتنسكي السابقة من عنجهية استعلائية، وهي التي شكّلت رؤيته ومبادئه وأفكاره التي دعا إلى تأسيس إسرائيل عليها. وقد كان مناحيم بيغن يعدّ جابوتنسكي الأب الروحي والملهم له قبل نتنياهو.
لم يكن خافياً على الباحثين اقتداء جابوتنسكي بالفاشية، فقد قدّم الباحث المجري في تاريخ اليهود يسبريمي جملة دراسات ذهب فيها إلى أن أفكار جابوتنسكي تتغذى على الفكر الفاشي الإيطالي. ويؤكد هذا الباحث أن جابوتنسكي، مؤسس الحركة الصهيونية التصحيحية، كان يصف نفسه بأنه “موسوليني اليهود”، ويراه قدوته العليا.
لا يتجاهل أحد أن ممارسة نتنياهو للوحشية والإبادة في حروبه تتفوق على النازية، وأن استراتيجيته في التفاوض تعتمد على أفكار جابوتنسكي في إجبار الفلسطينيين على التفاوض من تحت الركام
في هذا السياق نشر يسبريمي دراسات تحليلية لسياسات حزب الليكود، وكشف عن تأثرها بأفكار جابوتنسكي التي ترى التاريخ اليهودي دورة من التهديدات المستمرة. ويشير في دراسة بعنوان “جابوتنسكي المنظر الفكري لسياسات الليكود” إلى أن من مفارقات سياسة نتنياهو أنه يستغل اليمين الديني الذي أصبح مهيمناً في إسرائيل لتقوية حكمه واستمراره في السلطة، رغم أن الخلفية الفكرية لحزب الليكود صهيونية علمانية يمينية، تعرف باسم “الصهيونية التصحيحية” أو “التنقيحية”، التي تأسست عام 1925 على يد جابوتنسكي.
ويبيّن الباحثون أن مصطلح “التصحيحية” لا يقصد به ما يستحضره الذهن من مراجعة للأفكار والميل نحو المرونة والاعتدال، بل يدل على صهيونية أكثر تشدداً. فالتصحيحية مصطلح سياسي مخاتل بامتياز. ولا ندري إن كان حافظ الأسد قد أطلق على انقلابه المسمى “الحركة التصحيحية” تيمناً بمصطلح جابوتنسكي، ولاسيما حين نكتشف أن الحركة التصحيحية الأسدية دمرت سوريا بطريقة لم يكن جابوتنسكي ليحلم بها، انتصاراً لإسرائيل.
ربما لم يكن جابوتنسكي يتصور تماهي أحد مع أفكاره مثل تماهي نتنياهو. ولا بد أن نذكر في هذا السياق أن جابوتنسكي هو من أرسى دعائم نظرية “الجدار الحديدي”، ودعا إلى رفض أي سياسة توحي بملامح ضعف في المواقف الصهيونية، مؤكداً “عدم السعي للوصول إلى اتفاق مع الفلسطينيين حتى يصبحوا في موضع الضعف”. ويرى أنه “عندما لا يبقى في الجدار الحديدي أي شق، ولا يبقى لديهم بصيص أمل، عندها تفقد المجموعة المتطرفة، وشعارها الرفض المطلق، قوتها، وبدلاً منها سيأتي الفريق المعتدل ويبدي استعداداً للتنازل والمساومة. وهو الطريق الوحيد للوصول إلى اتفاق: الجدار الحديدي”.
من غير شك، لا يتجاهل أحد أن ممارسة نتنياهو للوحشية والإبادة في حروبه تتفوق على النازية، وأن استراتيجيته في التفاوض تعتمد على أفكار جابوتنسكي في إجبار الفلسطينيين على التفاوض من تحت الركام. إنها تجسيد نازي بامتياز لتلك الأفكار، وتحقيق للحركة التصحيحية الصهيونية النازية.