تاريخ الغطرسة بين الأسطورة والحقيقة

الغطرسة ليست مجرد نزعة فردية بل ظاهرة تاريخية ونفسية متجذرة قادت قادة عظماء إلى قرارات كارثية وأثبتت أن الإفراط في القوة يفضي إلى السقوط.
الجمعة 2026/08/28
الغطرسة تتجلى في سلوك القادة السياسيين أكثر من غيرهم

الغطرسة نزعة إفراط الإنسان في تقدير قواه الذاتية، وغالبًا ما تتملك القادة العظماء حد الطغيان، وتدفعهم إلى تحدي قوانين الطبيعة وناموس الكون. يخترق تاريخ الغطرسة الزمان إلى عصر الأساطير. وربما ليست أولى صور الغطرسة في التاريخ الأسطوري هي أسطورة “إيكاروس وديدالوس”، لكن حكايتها تمثل نموذجًا ناصعًا للغرور الذي تولد عن الغطرسة في تقدير قوى الذات. فقد صنع الأب “ديدالوس” أجنحة من الشمع والريش له ولابنه “إيكاروس” بهدف الهروب من جزيرة كريت. وقد كان الأب قد حذّر ابنه من الطيران قريبًا من الشمس، لكن الابن امتلكته نشوة التحليق، فتجاهل التحذير، فذاب شمع أجنحته وسقط في البحر.

ونشأت أساطير تحذر من الغطرسة مثل أسطورة “أراخنة” التي تحكي أن نسّاجة ماهرة برعت في أثينا، وتمادت في تقدير مهاراتها، فتحدّت الإلهة أثينا في مسابقة للنسيج. وتفوقت عليها، ففجّرت غضب أثينا التي حولتها إلى عنكبوت تُنسج خيوطها إلى الأبد.

وأورد القرآن قصصًا عدة تتحدث عن التجبر والغطرسة التي بلغت بأصحابها إفراطًا في الطغيان مثل فرعون وقارون وقبائل عاد وثمود.

أما في التاريخ الواقعي للغطرسة، فيذكر طغيان حاكم بابل النمرود بن كنعان وادعاءه الربوبية، و”نبوخذ نصر” أحد أقوى ملوك الأرض الذي طغى في عقاب أعدائه، وأبدع في بناء العجائب المعمارية. وأما الإسكندر الأكبر فقد أجبر جنوده على السجود له، ويروي تاريخ الحروب أن الإسكندر المقدوني غزا آسيا الوسطى فأحرق عاصمة فارس الأخمينية “تخت جمشيد”، وقتل قائده “كليتوس”، ومؤرخ البلاط “كاليستينيس” من غير أسباب منطقية.

من الأساطير الإغريقية إلى النازية وهتلر مرورًا بفرعون ونبوخذ نصر يتكرر المشهد ذاته: الغطرسة تحوّل النجاح إلى مرض الانتصار وتنتهي بنهايات مأساوية

ولم تكن الغطرسة أقل غلوًا في العصور الحديثة، فـ”نابليون” صرّح بأنه سيكون “سيد الكون”. و”ماو تسي تونغ” أباد عصافير الصين لحماية حبوبها، وأزهق ثقافة الصين القديمة فأحرق أربعة آلاف مبنى تاريخي في بكين.

ويذخر التاريخ العربي بشخصيات مارست الغطرسة، مثل النعمان بن المنذر برهنه حياة الناس بيومي سعده ونحسه، ومثل غطرسة عمرو بن هند الذي أقسم أن يحرق بأخيه مئة رجل وأتم المئة بوافد شم رائحة الشواء فابتغى الطعام، فضرب به المثل: “إن الشقي وافد البراجم”. وبلغ الكبر به أن يستخدم أعز نساء العرب أم عمرو بن كلثوم لأمه، فقتله ابنها. وليس آخر عهد الغطرسة العربية الجاهلية سطوة كليب الذي جعل مدى نباح جروه حدود حماه.

وإذا كان هذا غيضًا من فيض تاريخ الاستبداد الفردي، فإن شعوبًا بعينها سرت فيها ثقافة الغطرسة، فآشور القديمة رأت أن سنة القوة وحدها هي التي تخلق الشرعية، والأقوى هو من تظله الآلهة. وكان الصينيون القدامى يصدرون ثقافة تفوقهم على العالم، ويسوقون قناعتهم بأنهم “مركز العالم”، ولا داعي لوجود القارات في الخرائط والواقع. ويروى أن إمبراطورهم “تشين شيه وانغ” أحرق جميع الكتب بمملكته، ودفن 460 عالمًا أحياء بحجة أنهم لم يستطيعوا اختراع طريقة تمكنه من الخلود.

وتاريخ النازية ليس بالبعيد، فقد مارست على يد هتلر نزعة “التفوق العرقي” للعرق الآري الجرماني، فأدت إلى اندلاع كوارث الحرب العالمية الثانية.

سعى المفكرون إلى استقراء أسباب هذه الظاهرة وتفسيرها، ويعد من أبرز من تصدى لها مؤخرًا المفكر الفنلندي “آري تورنين”، وهو من أبرز دارسي الظواهر السياسية والاجتماعية التي شكّلت سلوك البشر عبر التاريخ. فقدم في كتابه “تاريخ الغطرسة” رصدًا استقصائيًا لسير المتغطرسين عبر البحث المصدري في التاريخ البشري العام. وقد خلص إلى أن الغطرسة كانت عاملًا مشتركًا في عدد كبير من الحروب والكوارث والأخطاء التاريخية.

انطلق “تورنين” من فكرة أن الغطرسة هي ظاهرة نفسية واجتماعية معقدة، تتحول لدى بعض القادة إلى ما يشبه “مرض الانتصار” الناتج عن النجاح المتكرر والشعور المفرط بالقوة. فالغطرسة هي دائمًا “حساب خاطئ” تجعل الإنسان يسيء تقدير نفسه والآخرين، ويظن أنه فوق الجميع، مما يدفعه إلى اتخاذ قرارات كارثية.

ارتكز بحث “تورنين” على ربط حاسم للغطرسة بين التاريخ وعلم النفس، فاستعرض الجذور التاريخية والنفسية للغطرسة، واستطرد في مناقشتها على أنها ليست مجرد سمة شخصية، بل هي حالة من تضخم الأنا وفقدان القدرة على رؤية الذات بواقعية. لذلك عجز علم النفس التحليلي عن تقديم وصفة علاجية للمستبدين والطغاة المتغطرسين.

والمثير للاهتمام في هذا الكتاب تقديم “تورنين” تفسيرًا علميًا للغطرسة على أنها ليست مجرد سلوك مكتسب، بل لها أساس كيميائي عصبي. فتحقيق الإنسان نجاحًا كبيرًا يغير كيمياء دماغه مما يمنحه شعورًا بالنشوة والقوة، ويزيد من الثقة بالنفس لدرجة قد تؤدي إلى “مرض الانتصار”.

ويشير “تورنين” إلى أن التفسير العلمي لظاهرة الغطرسة ليس السبب الوحيد لها، بل يعدّه أحد العوامل المساعدة في تفسير تضخم ثقة القادة بالنفس إثر النجاحات المتتالية، ويتعذر عليهم تقبل التخلي عن السلطة.

يمثل كتاب “تاريخ الغطرسة” إبداعًا في تحليل ظاهرة الغطرسة التي تتحكم بالقادة، وتسيّرهم في اتجاه يؤدي إلى كوارث بشرية كما يؤكد التاريخ، ويخلص إلى أن الغطرسة ليست صفة تقتصر على الطغاة، بل هي قابلية إنسانية قد تظهر لدى أي فرد يحقق نجاحًا أو سلطة أو مكانة من دون وجود آليات للنقد والمساءلة.

الغطرسة ظاهرة اجتماعية سياسية، تتبلور في سلوك القادة السياسيين أكثر من غيرهم، وهي عندهم تؤدي إلى اتخاذ اتجاهات خاطئة تدمر الآخرين، ولا تستثني أصحابها، فغالبًا ما انتهى المتغطرسون نهايات كارثية، والتاريخ شاهد منذ فجر البشرية.