تونس: من اقتصاد قرطاج إلى الاقتصاد الرقمي
هناك مدن ترسخ مكانتها التاريخية اعتمادا على موقعها الجغرافي، وهناك أمم تصنعها الأفكار. تونس، امتلكت عبر تاريخها الأمرين معًا. فمنذ أن أسس الفينيقيون قرطاج على الضفة الجنوبية للمتوسط، لم تكن البلاد مجرد قطعة أرض تتوسط القارات، بل كانت عقدة حضارية التقت عندها طرق التجارة والثقافات والإمبراطوريات. عبر موانئها عبرت السفن، ومن أسواقها انتقلت السلع، وفي فضائها تفاعلت اللغات والأديان والمعارف، حتى أصبحت قرطاج واحدة من أكثر مدن العالم القديم تأثيرًا في الاقتصاد والسياسة والثقافة.
واليوم، وبعد أكثر من ألفي عام، يجد العالم نفسه أمام ثورة لا تقل عمقًا عن الثورة البحرية التي صنعت مجد قرطاج. فالموانئ لم تعد وحدها التي تربط القارات، بل أصبحت الكابلات البحرية، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية هي البنية التحتية الجديدة للاقتصاد العالمي. وإذا كانت قرطاج قد ازدهرت لأنها كانت محطة للسفن، فإن تونس تستطيع اليوم أن تزدهر لأنها قد تصبح محطة للبيانات.
وهنا يبرز السؤال الأكثر أهمية: هل تستطيع تونس أن تحول إرثها الحضاري وجغرافيتها الاستثنائية إلى مشروع رقمي يجعلها مركزًا للتكنولوجيا والاقتصاد المعرفي في إفريقيا والبحر المتوسط؟ أم أن التاريخ سيبقى مجرد ذاكرة جميلة تُستحضر في الكتب بينما تُصنع الثورة الرقمية في أماكن أخرى؟
إذا كانت قرطاج قد صنعت مجدها لأنها كانت بوابة للحضارات فإن تونس تستطيع أن تصنع مجدًا جديدًا لتصبح بوابة وجسرًا رقميًا يصل بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي
الإجابة عن هذا السؤال لا تبدأ من التكنولوجيا نفسها، بل من فهم العلاقة العميقة بين الحضارة والاقتصاد. فالحضارات لم تكن في يوم من الأيام مجرد آثار حجرية أو معابد أو قصور، بل كانت قبل كل شيء شبكات لتبادل المعرفة والثروة. وهذا ما يجعل المقارنة بين قرطاج والاقتصاد الرقمي ليست استعارة أدبية، بل قراءة تاريخية تكشف أن منطق بناء الحضارات لم يتغير، وإنما تغيرت أدواته.
في زمن قرطاج، كانت السفن تحمل الزيت والحبوب والمعادن والأقمشة عبر البحر المتوسط، وكانت الموانئ تتحكم في حركة التجارة العالمية. أما اليوم، فإن الكابلات البحرية تحمل البيانات، وتربط القارات في أجزاء من الثانية، بينما أصبحت المعلومات هي السلعة الأكثر قيمة في الاقتصاد العالمي.
بهذا المعنى، فإن الانتقال من قرطاج إلى الاقتصاد الرقمي ليس انتقالًا من الماضي إلى المستقبل، بل انتقال من نوع من البنية التحتية إلى نوع آخر. فكما كانت الموانئ مصدر القوة الاقتصادية في الماضي، أصبحت مراكز البيانات والبنية الرقمية مصدر القوة في القرن الحادي والعشرين.
وتملك تونس، بحكم موقعها الجغرافي، عناصر نادرة تجعلها مؤهلة للعب هذا الدور. فهي تقع على مسافة قصيرة من أوروبا، وتشكل بوابة طبيعية نحو إفريقيا، وترتبط بالمتوسط الذي يتحول تدريجيًا إلى أحد أهم محاور الاقتصاد الرقمي العالمي. هذه الجغرافيا لم تفقد قيمتها، لكنها تحتاج إلى إعادة تعريف. فالميزة التنافسية لم تعد تقاس بعدد السفن العابرة، بل بسرعة الاتصال، وجودة البنية الرقمية، والقدرة على جذب الاستثمارات التكنولوجية.
غير أن الاقتصاد الرقمي لا يقوم على الجغرافيا وحدها، بل على الإنسان أيضًا. فكما بنت قرطاج قوتها على التجار والبحارة والحرفيين، يبني الاقتصاد الرقمي قوته على المبرمجين، ومهندسي البيانات، وخبراء الذكاء الاصطناعي، ورواد الأعمال، والباحثين. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة التونسية.
لقد أثبت الشباب التونسي خلال العقدين الأخيرين قدرة لافتة على الاندماج في الاقتصاد المعرفي. فالكفاءات التونسية في مجالات البرمجيات والهندسة والاتصالات أصبحت حاضرة في شركات عالمية كبرى، بينما نجحت شركات ناشئة تونسية في فرض نفسها في مجالات التكنولوجيا المالية، والخدمات الرقمية، والحلول البرمجية. والمفارقة أن كثيرًا من هذه النجاحات تحققت خارج تونس أكثر مما تحققت داخلها، وهو ما يعكس أن المشكلة ليست في غياب الكفاءات، بل في البيئة التي تستوعب هذه الكفاءات.
ولهذا فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في تخريج المزيد من المهندسين فقط، وإنما في بناء منظومة وطنية تجعل هؤلاء المهندسين يبتكرون داخل تونس بدل أن يهاجروا إليها من الخارج. فالاقتصاد الرقمي لا يزدهر بمجرد وجود الجامعات، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل التمويل، والتشريعات، وحاضنات الأعمال، والبحث العلمي، والاستثمار في الابتكار.
ولعل ما يزيد من أهمية هذا التحول أن العالم يشهد اليوم سباقًا محمومًا لإعادة توزيع مراكز التكنولوجيا. فبعد أن تركزت لعقود في عدد محدود من الدول، بدأت الشركات العالمية تبحث عن مواقع جديدة تجمع بين الكفاءات، والاستقرار، والقرب الجغرافي من الأسواق الكبرى، وانخفاض تكاليف التشغيل. وهنا تبرز تونس كأحد المواقع القليلة التي تستطيع الجمع بين هذه العناصر إذا أحسنت استثمارها.
لكن هذه الفرصة لن تتحول إلى واقع من دون إرادة سياسية واضحة. فالبنية التحتية الرقمية ما تزال بحاجة إلى استثمارات كبيرة، والتشريعات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي تحتاج إلى تحديث مستمر، كما أن مناخ الاستثمار يتطلب مزيدًا من التبسيط والشفافية والمرونة حتى يصبح أكثر قدرة على جذب الشركات العالمية.
الحضارة لا تُقاس بما تتركه من آثار فقط، بل بما يتركه الأبناء من أفكار. في زمن الاقتصاد الرقمي، قد لا يكون أعظم نصب تذكاري تبنيه تونس هو ميناء جديد أو شارع عريض
ومع ذلك، فإن حجم الفرص ربما يفوق حجم التحديات. فإفريقيا تتحول إلى واحدة من أسرع الأسواق الرقمية نموًا في العالم، والطلب على الخدمات التكنولوجية يتزايد بوتيرة غير مسبوقة، بينما يفتح الانتقال نحو الاقتصاد الأخضر مجالات جديدة للاستثمار في الطاقة الذكية، وإدارة المياه، والزراعة الرقمية، والمدن الذكية. وكلها قطاعات تستطيع تونس أن تمتلك فيها ميزة تنافسية إذا ربطت بين خبرتها الأكاديمية وطاقاتها البشرية وموقعها الجغرافي.
لكن تحقيق ذلك يتطلب تغييرًا في طريقة التفكير أيضًا. فالتحول الرقمي لا ينبغي أن يُعامل باعتباره مشروعًا تقنيًا يخص وزارة أو قطاعًا بعينه، بل باعتباره مشروعًا حضاريًا يعيد تعريف مكانة تونس في الاقتصاد العالمي. فالبلدان التي نجحت في الثورة الرقمية لم تبدأ بشراء الحواسيب، بل بدأت ببناء رؤية تعتبر المعرفة أساس القوة الوطنية.
ولعل هذا هو الدرس الأكبر الذي يمكن استخلاصه من تاريخ قرطاج نفسه. فقد لم تكن قوة المدينة في أسوارها، بل في قدرتها على قراءة التحولات التجارية قبل غيرها، وفي تحويل موقعها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية وحضارية. واليوم، تحتاج تونس إلى الروح نفسها؛ روح تجرؤ على رؤية المستقبل قبل أن يصبح حاضرًا.
إن الحضارات لا تعيش على أمجادها، بل تتجدد كلما استطاعت أن تعيد اكتشاف نفسها. وإذا كانت قرطاج قد صنعت مجدها لأنها كانت بوابة للحضارات، فإن تونس تستطيع اليوم أن تصنع مجدًا جديدًا إذا أصبحت بوابة للبيانات، ومنصة للابتكار، وجسرًا رقميًا يصل بين أوروبا وإفريقيا والعالم العربي.
فالحضارة لا تُقاس بما تتركه من آثار فقط، بل بما يتركه الأبناء من أفكار. في زمن الاقتصاد الرقمي، قد لا يكون أعظم نصب تذكاري تبنيه تونس هو ميناء جديد أو شارع عريض، بل منظومة معرفية تجعل من كل شاب تونسي قادر على كتابة سطر برمجي، ليكون لبنة جديدة في حضارة تبدأ من قرطاج… وتمتد إلى المستقبل.