تقرير صيني يقارب اعتماد المغرب على الطاقات المتجددة لتعزيز أمنه المائي

المغرب وضع واحدة من أكثر الخطط طموحا في شمال أفريقيا في مجال تحلية مياه البحر، حيث تم تشغيل 17 محطة لتحلية المياه.
الاثنين 2025/12/15
إستراتيجية ناجعة لمواجهة ندرة المياه

الرباط- يتجه المغرب بخطى متسارعة نحو تعزيز أمنه المائي، واضعا تحلية مياه البحر في صلب إستراتيجيته لمواجهة ندرة المياه، بهدف تأمين نحو 60 في المئة من احتياجاته المائية بحلول سنة 2030، حسب تقرير حديث صادر عن المعهد الصيني الإفريقي للبحوث الصناعية.

ويتأكد ذلك من خلال برنامج استثماري ضخم يفوق 10 مليارات دولار، ويعتمد بشكل كامل على الطاقات المتجددة، في إطار جيل جديد من مشاريع تحلية المياه وربطها بشبكات نقل واسعة.

وأوضح التقرير أن المغرب استفاد لسنوات طويلة من موقعه الجغرافي ومناخه المعتدل ليصبح من كبار مصدري الخضر والفواكه نحو أوروبا، غير أن موجة الجفاف المتواصلة منذ سنة 2017، والتي امتدت لسبع سنوات، أدت إلى تراجع حاد في الموارد المائية، حيث سجل انخفاض منسوب المياه الجوفية في عدد من المناطق بما يتراوح بين متر ومترين سنويا، بينما جفت بعض الآبار بشكل كامل، ما فرض ضغوطا كبيرة على القطاعين الفلاحي والمائي.

ولجأت السلطات المغربية إلى فرض قيود صارمة على الزراعات المستهلكة للمياه، من بينها منع زراعة البطيخ في إقليم طاطا وتقليص مساحاته بشكل كبير في زاكورة، غير أن هذه الإجراءات، بحسب التقرير، تبقى غير كافية لوحدها، في ظل تزايد الطلب على مياه الشرب نتيجة النمو السكاني السريع في المدن وتعافي النشاط السياحي، حيث يرتفع الاستهلاك سنويا بنسبة تتراوح بين 4 و5 في المائة.

وفي مواجهة هذه التحديات، وضع المغرب واحدة من أكثر الخطط طموحا في شمال أفريقيا في مجال تحلية مياه البحر، فإلى حدود ديسمبر الحالي، تم تشغيل 17 محطة لتحلية المياه بطاقة سنوية إجمالية تبلغ 345 مليون متر مكعب، إلى جانب أربع محطات أخرى قيد الإنجاز، من أبرزها المشروع الضخم بالدار البيضاء بطاقة تصل إلى 540 مليون متر مكعب، والمرتقب دخوله الخدمة قبل سنة 2027.

كما تعتزم الحكومة إطلاق مناقصات جديدة لبناء ما لا يقل عن تسع محطات إضافية خلال السنوات المقبلة، بهدف بلوغ طاقة إجمالية تناهز 1.7 مليار متر مكعب بحلول عام 2030.

وسلط التقرير الضوء على أحد أكبر المشاريع الرائدة في هذا المجال، الواقع جنوب مدينة تيزنيت، باستثمار يقارب 10 مليارات درهم وبطاقة سنوية تصل إلى 350 مليون متر مكعب، ولا يقتصر هذا المشروع على تزويد المدن الساحلية بمياه الشرب، بل يمتد ليشمل نقل المياه إلى مناطق داخلية لاستخدامها في الري الزراعي، عبر شبكة أنابيب واسعة النطاق.

وأشار رشيد ساري الخبير الاقتصادي، في تصريح لـ"العرب"، أن "التقرير يذهب في نفس الاتجاه الذي يؤكد أن تدبير الموارد المائية في المغرب يرتبط بأكثر من جهة حكومية، من بينها وزارة التجهيز والماء ووزارة الزراعة، إضافة إلى مؤسسات أخرى مثل وكالات الأحواض المائية والهيئات المختصة، مما يجعل من التنسيق الفعال بين مختلف المتدخلين ضرورة ملحة لضمان إدارة أكثر كفاءة لهذا المورد الحيوي، لتفادي أي اخلالات قد تؤثر على الأمن المائي للبلاد، وأن التغيرات المناخية لم تعد مجرد أزمة ظرفية، بل أصبحت تحديًا هيكليًا يؤثر بشكل متزايد على الأمن المائي، حيث أصبحت فترات الجفاف أكثر تكرارًا وتقاربًا، مما يستدعي معالجة هذه التحديات بحكمة وفعالية".

وعلى المستوى الحكومي أكد وزير التجهيز والماء، نزار بركة، أن المغرب يسير بخطى ثابتة نحو تعزيز أمنه المائي من خلال اعتماد استراتيجية متكاملة تجمع بين تحلية مياه البحر، ومواصلة إنجاز السدود، وإعادة استعمال المياه العادمة، وتغذية الفرشات المائية، مع تبني مقاربة شمولية تجمع بين الماء والطاقة المتجددة والغذاء.

وقال بركة، إنه بفضل الرؤية الاستباقية للعاهل المغربي الملك محمد السادس، تبنت سياسة مائية بعيدة المدى تعتمد على التخطيط المتكامل للأحواض المائية في أفق 2050، من خلال إعداد مخططات تحدد بدقة الموارد والحاجيات والمخاطر والمشاريع ذات الأولوية، لتشكل فيما بعد خريطة طريق وطنية، تشمل كل الفاعلين وتضمن الانسجام بين الدولة والجهات والجماعات والقطاعين الاقتصادي والاجتماعي.

وأكد التقرير الصيني أن التوسع في تحلية مياه البحر لا يخلو من تحديات، على رأسها التمويل، إذ يتطلب تحقيق هدف 1.7 مليار متر مكعب استثمارات تفوق 20 مليار دولار، ما يدفع المغرب إلى البحث عن شراكات مع مؤسسات مالية دولية وصناديق سيادية خليجية وأوروبية، رغم تحمله الجزء الأكبر من هذه التكاليف. كما تبرز تحديات بيئية مرتبطة بتصريف المحاليل الملحية الناتجة عن التحلية وتأثير السحب المكثف لمياه البحر على النظم البحرية المحلية.