تفكيك معادلة الملاحة الحرجة في مضيق هرمز
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر مائي تحكمه الاتفاقيات الدولية، بل تحول في الحسابات الجيوسياسية الراهنة إلى خط تصدع رئيسي يكشف حدود القوة البحرية التقليدية في عصر التعددية القطبية. إن المشهد الحالي لا يمكن قراءته من منظور الثنائيات التقليدية (قوة أو ضعف)، بل من خلال تفكيك “الاضطرار البنيوي” الذي يواجه العواصم الأوروبية، وطبيعة السلوك البراغماتي الإيراني الذي يستثمر في الجغرافيا التعطيلية لتعويض الفجوة في ميزان القوى العسكري التقليدي.
يعكس التحرك الأوروبي الأخير نحو صياغة قنوات اتصال تفاوضية ومباشرة تحولًا جذريًا في مفهوم الأمن القومي للقارة العجوز. فالسياسة الخارجية الأوروبية، التي طالما تحركت خلف القيادة الأميركية الخشنة، تجد نفسها اليوم مدفوعة بـ “واقعية قاسية” تفرضها حسابات الأرقام لا المبادئ.
المشهد ليس صراعًا بين دولة قوية وأخرى ضعيفة، بل هو صراع بين نظام دولي تقليدي يتآكل تماسكه، وبين قوى إقليمية بارعة في استغلال ثغرات هذا التآكل
إن اعتماد الاقتصاد الأوروبي على سلاسل التوريد فائقة السرعة والدقة يجعل من إغلاق المضيق، أو حتى ارتفاع كلف التأمين ضد مخاطر الحرب، تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاجتماعي الداخلي عبر بوابة التضخم. من هنا، لا تبدو الدبلوماسية الأوروبية المنفصلة عن واشنطن دليلاً على خضوع سياسي، بل هي “مناورة احتوائية” تهدف إلى تجنب كلفة العسكرة الشاملة. أوروبا هنا تصيغ خطوطًا دفاعية ناعمة، لأنها تدرك أن الدخول في مواجهة مفتوحة سيعني حتمًا شلل الحركة التجارية بين آسيا وأوروبا، وهو ثمن لا تقوى اقتصاداتها المجهدة على تحمله.
في المقابل، يخطئ التحليل الاستراتيجي إذا ما قرأ السلوك الإيراني الأخير كإعلان تفوق عسكري مطلق؛ بل هو في عمقه سلوك كلاسيكي للدول الواقعة تحت الحصار الاقتصادي الطويل، والتي تعمد إلى تفعيل “حرب المنطقة الرمادية” (Gray-Zone Warfare).
إن لجوء طهران لفرض مسارات ملاحة محددة، ومحاولة جباية رسوم مرور تحت مسميات “آليات تنظيمية”، لا يعبر عن فائض قوة بقدر ما يعبر عن استغلال انتهازي للامتياز الجغرافي الحاكم الذي تمنحه التضاريس. تدرك طهران تمامًا عدم قدرتها على خوض حرب تقليدية مفتوحة مع الغرب، لذا فهي تحرص على التحرك في المساحة الرمادية – فوق خط السلم ودون خط الحرب الشاملة.
هذا السلوك لا يمكن فصله عن “الاستثناء الجيوسياسي” – الذي كنا قد فككنا أبعاده في تحليلنا السابق (الرخ والتنين والنسر.. مقامرة الخنق في هرمز) – والذي تمتع به “التنين” الصيني في المضيق؛ بل هو استثمار مباشر وتوظيف ذكي لتلك المظلة لفرض قواعد اشتباك جديدة، مستغلة في ذلك حالة الترقب الإقليمي والدولي.
السلوك الإيراني يعكس استغلالًا انتهازيًا للجغرافيا محاولًا شرعنة واقع جديد يحوّل الممر الدولي إلى أداة جباية جيوسياسية واقتصادية لكسر العزلة
هذا النمط من “السيادة التعطيلية” يستهدف بالدرجة الأولى شرعنة واقع إقليمي جديد يمنحها أوراق ضغط تفاوضية، وتحويل الممر الدولي إلى أداة جباية جيوسياسية واقتصادية لكسر العزلة، مستغلة في ذلك التردد الغربي والفجوة الآخذة في الاتساع بين الأولويات الأوروبية والأميركية.
يظهر الانقسام الأوروبي-الأوروبي كعامل حاسم في صياغة هذا المشهد المأزوم. فبينما تدفع دول المتوسط الكبرى نحو تهدئة تضمن تدفق الطاقة والبضائع، تصر دول الجناح الشرقي للاتحاد الأوروبي على عدم استنزاف القدرات البحرية المحدودة في ملفات الشرق الأوسط، ترقبًا لتهديدات جيوسياسية تراها أكثر وجودية على حدودها المباشرة.
هذا التشتت في الأولويات يمنع صياغة رد عسكري موحد وحاسم، ويجعل من التصريحات السياسية المطالبة بـ”حرية الملاحة دون قيود” مجرد محاولات لصياغة خطاب توازني يستر العجز عن الحسم العسكري. ونتيجة لذلك، يصبح “تحالف الراغبين” المزمع تشكيله مجرد أداة لإدارة مرحلة ما بعد الأزمة، بدلًا من أن يكون قوة ردع قادرة على فرض إرادتها في الوقت الراهن.
إن ما يشهده مضيق هرمز اليوم يمثل نموذجًا مصغرًا لشكل الصراعات الدولية القادمة. فإذا ما نجحت معادلة “مقايضة الأمن بالرسوم والاعتراف السياسي”، فإن المفهوم المستقر منذ عقود في القانون الدولي حول “أعالي البحار وحرية الملاحة” سينهار لصالح مفهوم جديد هو “السيادة المجزأة والمشروطة” للممرات المائية.
المشهد ليس صراعًا بين دولة قوية وأخرى ضعيفة، بل هو صراع بين نظام دولي تقليدي يتآكل تماسكه، وبين قوى إقليمية بارعة في استغلال ثغرات هذا التآكل لإعادة رسم خرائط النفوذ الاقتصادي والسياسي.