ترشح المغرب لمجلس الأمن: رسالة استقرار للعالم

تخدم هذه الدينامية الدبلوماسية المكثفة قضية الوحدة الترابية للمملكة، وتساهم في حشد المزيد من الدعم الدولي للموقف المغربي العادل في ملف الصحراء.
الخميس 2026/09/24
خطوة تؤكد ثقة المجتمع الدولي في الواقعية السياسية المغربية

يتأسس الحراك الدبلوماسي المغربي الراهن على تراكم تاريخي من المكتسبات السياسية والسيادية، ويأتي إعلان المملكة عن ترشحها لشغل مقعد عضو غير دائم في مجلس الأمن الدولي بين عامي 2028 و2029 ليتوج مسارا حافلا من المبادرات الإستراتيجية الرصينة. ينطلق هذا التوجه الدبلوماسي الطموح من الرؤية الملكية التي تضع تحصين المصالح العليا للمغرب في صدارة الأولويات، وتعمل على تعزيز مكانة الرباط كفاعل مركزي في صناعة القرار الأمني والسياسي على الصعيدين الإقليمي والدولي.

وتفرض التحولات المتسارعة في البيئة الجيوسياسية العالمية حاجة ماسة إلى أصوات تتسم بالاتزان والواقعية السياسية، وهو الدور الذي يتقنه المغرب بكفاءة عالية نتيجة التزامه الدائم بمبادئ القانون الدولي واحترام سيادة الدول ووحدتها الترابية. وتشكل هذه الخطوة امتدادا طبيعيا لسياسة خارجية هادئة ومؤثرة تبتعد عن التجاذبات العقيمة، وتستند إلى بناء شراكات إستراتيجية متينة مع القوى الدولية الكبرى وصياغة تحالفات وثيقة تخدم قضايا السلم والتنمية المستدامة في المحيط الإفريقي والعربي، بتوجيه متواصل يجسده ناصر بوريطة وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج.

ويرتبط هذا الترشح المغربي برغبة أكيدة في تقديم إجابات واضحة وعملية للتحديات الأمنية المعقدة التي تواجه المجتمع الدولي في الوقت الراهن، وتأتي معضلات الشرق الأوسط في عمق هذه الاهتمامات الإستراتيجية؛ حيث يضع المغرب الدفاع عن فرص السلام في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة في إقامة دولته المستقلة كأولوية ثابتة تعبر عن التزام الملك محمد السادس رئيس لجنة القدس.

ويمتد هذا المنظور الدبلوماسي الشامل ليشمل المساهمة في خفض التوترات الإقليمية وضمان أمن المضائق البحرية والممرات المائية الحيوية، والحرص على سلامة الملاحة الدولية في مناطق التماس البحرية الحساسة من البحر الأبيض المتوسط إلى البحر الأحمر وخليج عدن.

 وتخدم هذه الدينامية الدبلوماسية المكثفة قضية الوحدة الترابية للمملكة، وتساهم في حشد المزيد من الدعم الدولي للموقف المغربي العادل في ملف الصحراء المغربية عبر إبراز جدية المقاربات الوطنية وواقعيتها. كما يمهد هذا الحضور المرتقب في مجلس الأمن الطريق أمام مرحلة جديدة من النفوذ الإيجابي، حيث يسعى المغرب إلى صياغة توازنات دولية تضمن الاستقرار وتحمي المصالح الإستراتيجية الحيوية للمملكة في عالم متعدد الأقطاب ومتغير الملامح.

ترشح المغرب لمجلس الأمن يعكس رؤية ملكية إستراتيجية تضع المصالح العليا في الصدارة وتؤكد مكانة الرباط كفاعل مركزي في القرار الدولي

تتأسس المصداقية الدولية للمملكة المغربية على رصيد متراكم من العطاء الميداني في مجالات حفظ السلام والأمن عبر العالم، حيث شكلت التجريدات العسكرية المغربية، والمسماة تاريخيا بالقبعات الزرقاء، ركيزة أساسية في مهام الأمم المتحدة لإعادة الاستقرار في مناطق النزاع بالقارة الإفريقية وغيرها من الأقاليم المضطربة.

ويتكامل هذا الدور الإنساني والعسكري مع إقامة المستشفيات الميدانية المغربية المتعددة التخصصات في قلب الأزمات لتقديم الدعم الطبي للشعوب المتضررة، مما يمنح التحرك الدبلوماسي الحالي أرضية صلبة وشرعية عملية تتجاوز حدود الخطابات السياسية التقليدية.

ويتعزز هذا المسار بالعودة القوية والمؤثرة للمغرب إلى حضنه الطبيعي داخل الاتحاد الإفريقي، وهي العودة التي يقودها الملك محمد السادس، والتي أثمرت اعتماد مقاربة مبتكرة تقوم على التنمية المشتركة والتعاون جنوب-جنوب، وبناء شراكات حقيقية تخدم الازدهار القاري وتدافع عن المصالح الإستراتيجية العليا للمملكة.

وتتجلى هذه الشرعية الدبلوماسية أيضا في قبول المغرب كشريك موثوق ووسيط نزيه في حل الأزمات الإقليمية المعقدة، ويسجل التاريخ النجاحات الكبيرة التي حققتها جهود الرباط في تيسير الحوار بين الأطراف الليبية والصبر على صياغة التوافقات السياسية، مما يجعل طلب العضوية في مجلس الأمن خطوة طبيعية لدولة تملك الرؤية والقدرة على صياغة حلول واقعية تضمن السلم وتحمي سيادة الدول ووحدتها الترابية.

وتتحرك الدبلوماسية المغربية وفق أبعاد إستراتيجية ممتدة نحو الفضاء الأطلسي، حيث تشكل المبادرة الملكية لتسهيل ولوج دول الساحل إلى المحيط الأطلسي نقطة تحول جيوسياسية تفتح آفاقا تنموية واعدة لدول المنطقة عبر وضع البنيات التحتية والموانئ المغربية في خدمة الازدهار المشترك.

المملكة تقدم نفسها صوتاً يحترم القانون الدولي ويعزز السلم والتنمية عبر شراكات متينة وتحالفات تخدم الاستقرار الإقليمي والدولي بفعالية

ويتكامل هذا التصور الطموح مع ريادة المملكة في تفعيل مسلسل الدول الإفريقية الأطلسية الذي يهدف إلى صياغة هوية أمنية واقتصادية موحدة لهذه الواجهة البحرية الإستراتيجية، ويدعم هذا التوجه مشروع أنبوب الغاز الأطلسي الإفريقي النيجيري المغربي باعتباره رافعة للاندماج الإقليمي وضمان الأمن الطاقي لقرابة خمس عشرة دولة إفريقية.

ويعزز هذا العمق الإفريقي الأطلسي الشراكة النموذجية والعلاقات الإستراتيجية التي تجمع المغرب مع الشركاء التقليديين والجدد في القارة الأوروبية، حيث تقدم الرباط نفسها كحلقة وصل موثوقة تضمن استقرار الملاحة، وتدير ملفات الهجرة والأمن بمسؤولية عالية، وتفتح مجالات واسعة للاستثمارات المشتركة.

ويساهم هذا الزخم الدبلوماسي المتكامل في تحصين المصالح العليا للمملكة، ويمنح طلب العضوية في مجلس الأمن ثقلا استراتيجيا فريدا يؤكد قدرة المغرب على صياغة توازنات دولية تخدم السلم والنماء وتدافع عن سيادة الدول في منطقة شمال إفريقيا وجنوب المتوسط.

وتتبنى المملكة المغربية في طلب عضويتها دليلا عمليا يتجاوز الإجراءات التقليدية، حيث يتركز هذا التوجه حول محاربة التهديدات غير النمطية والناشئة عبر تقديم رؤية أمنية متكاملة تتصدى بحزم لانتشار الجماعات المسلحة غير الحكومية والحركات الانفصالية مثل بوليساريو والتنظيمات الإرهابية كالتي تنتمي لداعش في منطقة الساحل الإفريقي. وينطلق هذا المجهود من فهم عميق للترابط الوثيق بين نزعات الانفصال وظاهرة الإرهاب العابر للحدود، ويتجسد عمليا في احتضان الرباط لمكتب برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب في إفريقيا، وتولي المملكة رئاسة المنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب لسنوات، مما يمنح المقاربة المغربية ركيزة أساسية لحماية الأمن القومي الإقليمي وتحصين السيادة الوطنية للدول ضد مخاطر التفتيت والتقسيم.

ويمتد هذا المنظور الاستراتيجي ليشمل إحياء وتطوير العمل متعدد الأطراف في وقت يمر فيه النظام الدولي بأزمات قطبية حادة وتراجع في فاعلية المؤسسات الدولية، حيث تسعى الرباط إلى تقديم نموذج دبلوماسي يبني الجسور ويفعل لغة الحوار المتوازن، وهو ما توج بانتخاب المملكة المغربية بالإجماع لرئاسة لجنة بناء السلام التابعة للأمم المتحدة لعام 2026 في خطوة تؤكد ثقة المجتمع الدولي في الواقعية السياسية المغربية وقدرتها على صياغة التوافقات الكبرى.

ويتكامل هذا العمل السياسي والأمني مع إبراز البعد الإنساني والحقوقي عبر التفعيل الحقيقي لأجندة “المرأة والسلام والأمن” في إدارة النزاعات الدولية، حيث يبرز الالتزام المغربي في احتلال المرتبة التاسعة عالميا بين الدول المساهمة في قوات حفظ السلام الأممية بتواجد أكثر من 3400 عنصر مغربي في الميدان، تشكل النساء نحو ثلث الخبراء العسكريين منهم، بجانب إطلاق الخطة الوطنية لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1325 وتمديدها لعامي 2025 و2026، والتحضير لاستضافة المملكة المغربية للمؤتمر الوزاري العالمي حول السياسة الخارجية النسوية عام 2027، مما يمنح السياسة الخارجية للمملكة طابعا شاملا يوازن بين الحزم الأمني والعمق الإنساني المستدام، ويؤكد جدارة المغرب في صياغة قرارات دولية تحمي المصالح العليا للشعوب وتدعم الاستقرار العالمي.

المصداقية المغربية تتجسد في مساهمات حفظ السلام والوساطات الناجحة مما يمنح طلب العضوية أرضية صلبة وشرعية تتجاوز الخطابات

وتتحرك المملكة المغربية وفق التزام تاريخي ثابت لا يتغير بتبدل الظروف الجيوسياسية تجاه قضايا الشرق الأوسط وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث يضع المغرب الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية كركيزة محورية، ويتكامل هذا الجهد الدبلوماسي والسياسي مع الدور الميداني الإنساني للملك محمد السادس رئيس لجنة القدس عبر المشاريع الحيوية التي تنفذها وكالة بيت مال القدس الشريف لدعم صمود المقدسيين والحفاظ على الوضع القانوني والتاريخي للمدينة المقدسة.

ويتسع هذا المنظور الاستراتيجي الشامل ليشمل حماية أمن المضائق البحرية والممرات المائية الحيوية وحرية الملاحة الدولية من البحر الأبيض المتوسط ومضيق جبل طارق إلى البحر الأحمر وباب المندب وصولا إلى مضيق هرمز، وهي المعابر التي ينظر إليها المغرب بمسؤولية عالية باعتبارها شرايين للاقتصاد العالمي لا يجب تحويلها إلى أدوات للاستغلال السياسي أو الضغط والابتزاز الإقليمي.

وتترجم هذه الرؤية المتقدمة الدعوة المغربية الرسمية من داخل مجلس الأمن لوضع مدونة سلوك دولية خاصة بالدول المطلة على المضائق البحرية لضمان سلامة المرور العابر وحماية حركة التجارة العالمية، مما يثبت الأهلية الكاملة للمملكة في تولي هذا المقعد الأممي لتقديم إجابات واقعية وعملية تعزز السلم الإقليمي والدولي وتحمي المصالح الإستراتيجية العليا للوطن وشركائه عبر العالم.

ويتطلب هذا التحرك الدبلوماسي المغربي لحشد الدعم والتأييد الدولي داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة معركة دبلوماسية دقيقة قائمة على استثمار شبكة الشراكات المتنوعة التي بنتها المملكة عبر القارات، حيث يبرز التحدي الأبرز في إقناع الشركاء الدوليين بفرص الاستقرار التي يقدمها الحضور المغربي في مركز القرار الأممي.

وتتعامل الرباط بذكاء واتزان مع القضايا الدولية الساخنة وفي مقدمتها النزاع الروسي الأوكراني والأزمات المتصاعدة في الشرق الأوسط، حيث تحرص المملكة على الاحتفاظ بمسافات متوازنة تحترم الشرعية الدولية والحلول السلمية دون السقوط في فخ الاستقطاب السياسي الحاد، مما يضمن للمغرب احتراما دوليا كبيرا ويؤكد أهليته كطرف وسيط وموثوق.

ويتيح التواجد المرتقب داخل مجلس الأمن فرصة إستراتيجية غير مسبوقة لتسريع الطي النهائي لملف الصحراء المغربية وتوطيد المكتسبات السيادية، عبر الدفع بالاعتراف الدولي الواسع بمبادرة الحكم الذاتي كحل واقعي ووحيد تحت السيادة المغربية، وحظر مناورات الخصوم وتفنيد الأطروحات الانفصالية مباشرة من داخل الهيئة التنفيذية الأعلى للمنظمة الدولية، مما يحمي المصالح العليا للمملكة ويفتح الباب أمام استقرار دائم ونماء اقتصادي شامل في المنطقة الإقليمية.

الرباط تتحرك برؤية شاملة تواجه الإرهاب وتدعم الحوار مؤكدة جدارتها في صياغة قرارات دولية تحمي الشعوب وتدعم الاستقرار العالمي

يحمل الترشح المغربي لعضوية مجلس الأمن الدولي دلالات عميقة تتجاوز الحضور البروتوكولي، حيث تضع المملكة هذا المسعى الدبلوماسي في إطار المسؤولية المشتركة والالتزام الفاعل تجاه قضايا السلم والأمن الدوليين.

ينظر المجتمع الدولي إلى الرباط كشريك موثوق يمتلك القدرة على تقديم حلول عملية للأزمات المعقدة، بناء على رصيد حافل من الوساطات الناجحة والمساهمات الميدانية في حفظ الاستقرار. يمثل التواجد المرتقب في مركز القرار الأممي فرصة حقيقية للدفاع عن المصالح الإستراتيجية العليا للمملكة، وفي مقدمتها الطي النهائي للملف المفتعل حول الصحراء المغربية استنادا إلى مبادرة الحكم الذاتي، مع الاستمرار في تقديم مبادرات تنموية طموحة تربط الفضاء الأطلسي بالعمق الإفريقي.

يتطلع المغرب من خلال هذه الولاية إلى صياغة توازنات دولية جديدة تدعم العمل متعدد الأطراف، وتواجه التهديدات الأمنية غير النمطية بحزم، وتحمي سلامة الممرات البحرية الحيوية، مما يجعل الحضور المغربي تكليفا دبلوماسيا وازنا يعول عليه الشركاء الدوليون في ظرفية عالمية دقيقة.

يتأكد هذا المسعى الطموح بالدور الاستراتيجي المحوري والفاعل الذي يلعبه السفير الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة عمر هلال، والذي يقود دينامية دبلوماسية هادئة وقوية في نيويورك، ركيزتها الحجج القانونية الدامغة والنجاعة السياسية والدفاع الصارم عن المصالح العليا للوطن في كواليس المحفل الأممي. يقف مغرب عام 2028، مدعوما بنفوذه الدبلوماسي المتنامي ورجالاته الأكفاء في المنتظم الدولي، فوق أرضية صلبة من المكتسبات السيادية والسياسية ليقدم نفسه صوتا للحكمة والواقعية السياسية، وفاعلا مركزيا يحمل مشعل الاستقرار والسلام في عالم يبحث عن التوازن والنماء المشترك.

3