ترامب يغزو العالم
ما جرى في فنزويلا مؤخرًا بعدما أقدمت وحدة الدلتا التابعة للجيش الأميركي على خطف الرئيس نيكولاس مادورو، يدلل على أننا نعيش في دولة مارقة كما سماها نعوم تشومسكي، ذات القطب الواحد. فرغم قوة الصين اقتصاديًا وعسكريًا، إلا أنها ما زالت تهاب الولايات المتحدة الأميركية وتحسب لها ألف حساب في أي مواجهة معها. لقد جاء خطف الرئيس الفنزويلي نتيجة جملة أسباب، منها أن الحديقة الخلفية للولايات المتحدة الأميركية لا ينبغي أن تكون مسرحًا لدول أخرى. فطيلة أكثر من عقدين، سعت الصين إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية مع بلدان أميركا اللاتينية، ونتيجة لذلك أصبحت اليوم الشريك التجاري الأكبر لدول أميركا الجنوبية، كما تحتل المرتبة الثانية في التبادل التجاري مع المكسيك، كواحدة من أوثق حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. ويُعزى هذا الانخراط الصيني إلى درجة عالية من التكامل الاقتصادي بين الطرفين، إذ ساهمت السلع الزراعية، خصوصًا فول الصويا من البرازيل والأرجنتين وأوروغواي، في تعزيز الأمن الغذائي الصيني، لا سيما خلال فترة الحرب التجارية مع الولايات المتحدة.
ينبغي ألا نذهب بعيدًا في تحليلاتنا، وخصوصًا ونحن نتكلم عما يُروَّج حول حرب محتملة أميركية إسرائيلية مع إيران. إن ما قام به ترامب من اعتقال مادورو كان من أجل تأمين النفط الفنزويلي كبديل لنفط الشرق الأوسط. فالمخطط، حسب بعض المراقبين، هو ضرب إيران، وردة فعل طهران التي سوف تستهدف القواعد الأميركية في الخليج العربي والمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط. يبقى هذا مجرد تخمين، ولكن ما هو ثابت الآن، وما تعوّل عليه الإدارة الأميركية الحالية، هو حالة الاحتجاجات والمظاهرات داخل إيران. وفي حال زادت وتيرة تلك المظاهرات فإن النظام الإيراني سوف ينهار، وتنهار معه كل مؤسسات الدولة، ويتبع ذلك ضربات موجعة للمنشآت النووية والعسكرية، وضرب منصات الصواريخ الباليستية، كما حصل في سوريا عندما انهار نظام الأسد، فقامت إسرائيل مباشرة بضرب مطارات سورية ومخازن السلاح وغيرها.
لا يستطيع أحد أن يخمّن إلى أين تتجه أحوال الكوكب في ظل حلبة الصراع التي نشهدها في كل أصقاع الأرض. فلا يستطيع أحد أن ينكر أن ما يجري اليوم في هذا العالم يذكرنا بإرهاصات الحرب العالمية الأولى والثانية
من الجدير ذكره أن الرئيس الأميركي لديه برنامج حافل لتصفية خصومه حول العالم: في أميركا الجنوبية، كوبا وكولومبيا، ولا ننسى الخصمين اللدودين الصين وروسيا. إذن يريد ترامب من إيران أن يتنحى المرشد، أو أن تتم عملية جراحية بسيطة تنهي حكم خامنئي الذي بات اليوم في وضع ضعيف لا يقوى على مواجهة الأحداث الجارية في بلاده.
السؤال الذي يتردد على لسان السواد الأعظم من شعوب الأرض: ماذا يريد ترامب من العالم؟ يعتزم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعزيز وجوده العسكري في نصف الكرة الغربي مستقبلًا لمكافحة الهجرة والمخدرات وصعود القوى المعادية في المنطقة، وفقًا لإستراتيجيته الجديدة للأمن القومي. وحسبما سطرته مجلة بوليتكو، يجب أن تكون الولايات المتحدة رائدة في نصف الكرة الغربي كشرط لأمننا وازدهارنا، وهو شرط يسمح لنا بتأكيد وجودنا بثقة أينما ومتى احتجنا إلى ذلك في المنطقة. يجب أن تكون شروط تحالفاتنا، وشروط تقديم أي نوع من المساعدة، مشروطة بتقليص النفوذ الخارجي المعادي، بدءًا من السيطرة على المنشآت العسكرية والموانئ والبنية التحتية الرئيسية، وصولًا إلى شراء الأصول الاستراتيجية بمعناها الواسع.
إذن، ترامب لا يوجد في برنامجه التوقف عند حدود معينة، فهو يواصل جزّ رؤوس ملوك ورؤساء دول العالم الذين يقفون ضد مصلحة الولايات المتحدة الأميركية. ويعتبر سنوات حكمه سنوات حصاد. “أميركا أولًا” هي عقيدة في السياسة الخارجية روّج لها واعتمدها دونالد ترامب خلال فترة رئاسته للولايات المتحدة الأميركية بين عامي 2017 و2021. وتؤكد هذه العقيدة على مبدأ إعطاء الأولوية للمصالح الأميركية في الشؤون الدولية، حتى وإن تعارض ذلك مع مبادئ التعاون المتعدد الأطراف الذي تتبعه الدبلوماسية الأمريكية تقليديًا.
لا يستطيع أحد أن يخمّن إلى أين تتجه أحوال الكوكب في ظل حلبة الصراع التي نشهدها في كل أصقاع الأرض. فلا يستطيع أحد أن ينكر أن ما يجري اليوم في هذا العالم يذكرنا بإرهاصات الحرب العالمية الأولى والثانية، وتشكيل تحالفات من أجل السيطرة على العالم. اليوم المشهد قريب مما جرى بالأمس: الصين وروسيا العدو الظاهر للولايات المتحدة والغرب برمته، الذي يتربص بالدب الروسي والتنين الصيني. وربما تبقى قضية تايوان هي الشرارة التي تشعل العالم. لنتذكر في 18 يونيو/حزيران من عام 1914، عندما لقي ولي عهد إمبراطورية النمسا والمجر، الأرشيدوق فرانز فرديناند، مصرعه في سراييفو في البوسنة والهرسك، وكانت تابعة آنذاك لإمبراطورية النمسا والمجر، وكان اغتياله السبب المباشر في اندلاع الحرب العالمية الأولى.
موجز القول: حرب طاحنة قد تشهدها المنطقة، متوقفة على إشعال شرارة واحدة كفيلة بقلب موازين العالم.