ترامب في الصين: اختبار للتنافس المنظم
زيارة ترامب إلى بكين تأتي لتختبر معادلة عمرها عقود: هل التنافس المنظم بين واشنطن وبكين يضمن الاستقرار، أم أن المواجهة المفتوحة حتمية؟ الاقتصاد والتكنولوجيا وتايوان ترسم حدود التفاهم، بينما ينتظر العالم ما إذا كان القائدان قادرين على إدارة الصراع دون انزلاق إلى فوضى تعيد رسم النظام الدولي.
بينما يغرق العالم في متاهات متعددة الجبهات -من أزمات الطاقة الخانقة في أوروبا، إلى حروب الشرق الأوسط التي لا تلوح في أفقها نهاية، مرورا بتوترات متصاعدة في المحيطين الهادئ والهندي- تأتي الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى بكين لترسم علامة استفهام كبرى على مستقبل النظام الدولي. ليست هذه مجرد رحلة بروتوكولية يعقبها بيان مشترك يودع في أدراج الدبلوماسية، بل هي اختبار حقيقي لقدرة القوتين الأعظم في العالم على إدارة تنافسهما المحتدم دون أن ينزلقا إلى هاوية مواجهة مفتوحة قد تعيد تشكيل قواعد اللعبة العالمية لعقود قادمة.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح، ويتجاوز بكثير تفاصيل أجندة الزيارة أو لغة البيانات الرسمية، هو سؤال وجودي إستراتيجي: هل سيكون العالم في حال أفضل إذا أقامت واشنطن وبكين علاقة قائمة على التفاهم والتعاون المنظم، أم أن حالة الخلاف والتباعد، بكل ما تحمله من توتر وحروب تجارية وسباق تسلح تكنولوجي، هي التي تخدم في نهاية المطاف توازن القوى ومنع هيمنة قطب واحد؟ هذا السؤال، رغم بساطته الظاهرية، يحمل في طياته إرثا معقدا من النظريات الجيوسياسية والتجارب التاريخية التي أثبتت أن العلاقة بين القوى العظمى نادرا ما كانت مستقرة أو قابلة للتنبؤ.
لنبدأ من الحالة الراهنة. العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، التي ظلت لعقود محكومة بمعادلة تبدو متناقضة ظاهريا -تعاون اقتصادي شبه اندماجي يقابله صراع جيوسياسي متصاعد حول النفوذ في آسيا والهيمنة التكنولوجية والبحار المتنازع عليها- وصلت اليوم إلى نقطة تحول. لم تعد بكين القادمة من الخلف بل أصبحت ندّا اقتصاديا وعسكريا لا يمكن تجاهله. في المقابل لم تعد واشنطن القطب الأوحد بل قوة تواجه تحديات داخلية وخارجية تجعل من الصعب عليها احتواء الصعود الصيني بالقدر نفسه الذي كانت تفعله مع الاتحاد السوفييتي سابقا. هذا التحول في ميزان القوى يجعل إدارة العلاقة بينهما أكثر تعقيدا، وأكثر إلحاحا، وأكثر خطورة في آن واحد.
هذه الزيارة، مهما كانت نتائجها المباشرة، ستظل علامة فارقة في ذلك المسار الطويل، وأداة اختبار لما إذا كانت البشرية قد تعلمت شيئا من أخطائها في القرن العشرين
ما يميز هذه اللحظة بالذات هو تزامن زيارة ترامب إلى بكين مع ظرف استثنائي عالميا. فالحرب في أوكرانيا تعيد رسم خرائط الطاقة والأمن في أوروبا. والصراع في غزة ولبنان يفتح جبهات جديدة في الشرق الأوسط كانت تبدو قبل سنوات خاملة نسبيا. وأزمة البحر الأحمر تهدد سلاسل الإمداد العالمية. وفي آسيا، التوتر حول تايوان وبحر الصين الجنوبي يصل إلى مستويات غير مسبوقة منذ عقود. في قلب هذا المشهد المتشابك، يأتي لقاء ترامب وشي جينبينغ ليس مجرد حدث ثنائي، بل محاولة لكتابة فصل جديد في قصة التنافس الدولي. السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانا سيوقعان اتفاقيات، بل ما إذا كان بمقدورهما الاتفاق على قواعد لعبة جديدة تمنع الفوضى.
على الصعيد الاقتصادي، وهو الأكثر إلحاحا للمواطن العادي في كل من البلدين وفي بقية العالم، الملفات معقدة ومتشابكة. الولايات المتحدة تسعى بكل ثقلها إلى تقليص الفجوة التجارية الضخمة مع الصين، وإلى فرض قواعد أكثر صرامة على صادرات التكنولوجيا الصينية، خصوصا في مجالات الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة. في المقابل تحاول بكين الحفاظ على انسياب صادراتها إلى الأسواق الأميركية والأوروبية، وتجنب عقوبات جديدة تطال شركاتها العملاقة مثل هواوي أو بايت دانس، وفي الوقت نفسه بناء سلاسل توريد بديلة أقل اعتمادا على الغرب. الحديث عن إنشاء “مجلس للتجارة” و”مجلس للاستثمار” كأطر مؤسسية لإدارة الخلافات يعكس إدراكا عميقا من الجانبين بأن المواجهة التجارية المفتوحة ستلحق أضرارا بالغة بالاقتصاد العالمي، وأن التنافس الشرس يحتاج إلى قنوات لإدارة الأزمات قبل أن تتفاقم.
غير أن المفارقة الأعمق تكمن في أن واشنطن، رغم كل خطابها عن “فك الارتباط” أو “تقليل المخاطر”، لا تستطيع فعليا عزل الصين اقتصاديّا. سلاسل التوريد متشابكة، والاستثمارات المتبادلة هائلة، وأسواق المال العالمية لن تتحمل صدمة انفصال القوتين. في المقابل، بكين، رغم ثقتها المتزايدة بقدرتها على الصمود، لا تستطيع تجاهل النفوذ الأميركي في آسيا، ولا يمكنها استبدال السوق الأميركية كليا بأسواق أخرى. هذا التوازن الهش يجعل أي تفاهم اقتصادي مؤقتا بطبيعته، لكنه أيضا يجعله ضروريا كصمام أمان يمنع انهيار الأسواق وتوقف عجلة النمو العالمي.
لكن إذا كان الملف الاقتصادي معقدا، فإن ساحة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تمثل اليوم ساحة الصراع الأكثر خطورة والأقل تنظيما. الولايات المتحدة تخشى، وربما ليس دون سبب، أن تستخدم الصين تفوقها التقني المتسارع في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية لأغراض عسكرية ومراقبة جماعية. وفي المقابل، ترى بكين أن واشنطن تحاول حرمانها من حقها المشروع في التطور التكنولوجي، وتفرض قيودا غير مسبوقة على نقل التكنولوجيا لا تطبقها على أي منافس آخر. هنا يأتي دور إنشاء قناة اتصال لتفادي سوء الفهم في الاستخدامات العسكرية للتكنولوجيا، وهي فكرة قد تبدو تقنية لكنها تحمل في جوهرها اعترافا بأن العالم دخل عصرا جديدا من التنافس حيث الذكاء الاصطناعي قد يكون أخطر من القنابل الذرية، لأنه يعمل بسرعة تفوق قدرة الإنسان على التحكم.
◄ النجاح في بناء هذا التفاهم يتوقف على قدرة الطرفين على تجاوز الخطاب الانتخابي والضغوط الداخلية، وتحويل الرمزية والوعود إلى خطوات عملية ومؤسسية
لا يمكن لأي زيارة أميركية إلى الصين، خصوصا في هذا التوقيت، أن تتجنب الملف الأكثر حساسية: تايوان. بكين أعادت التشديد في كل المناسبات على رفضها القاطع لصفقات السلاح الأميركية لتايوان، وأعلنت مرارا أن أي دعم عسكري مباشر للحكومة في تايبيه سيعتبر خرقا لخط أحمر قد يؤدي إلى ردود فعل لا يمكن التنبؤ بعواقبها. في المقابل، يواجه ترامب ضغوطا داخلية هائلة من الكونغرس، حيث الأغلبية الجمهورية والديمقراطية معا تميل إلى تعزيز الدعم لتايوان، ودفع صفقة أسلحة بقيمة تقترب من 14 مليار دولار. هذا الملف يمثل الخط الأحمر الأكثر وضوحا للصين، وفي الوقت نفسه اختبارا لقدرة واشنطن على الموازنة بين دعم حليف ديمقراطي قديم وبين تجنب مواجهة مباشرة مع القوة العظمى الصاعدة. أي إشارة من ترامب حول تايوان، وأي تغيير في الصياغات الدبلوماسية المعتادة، سيُقرآن بعناية فائقة في بكين، وسيحددان إلى حد كبير ما إذا كانت الزيارة ستُعتبر نجاحا إستراتيجيّا أم فشلا دبلوماسيّا.
بعيدا عن الملفات الجوهرية، تحمل الزيارة رمزية سياسية هائلة لا ينبغي التقليل من شأنها. مراسم الاستقبال في ساحة تيانانمن، مأدبة الدولة في القاعة الشعبية الكبرى، زيارة معبد السماء الذي يرمز إلى الاستمرارية الحضارية للصين، كلها رسائل مبطنة تهدف إلى تهدئة الأسواق العالمية والرأي العام الدولي. مجرد انعقاد اللقاء في هذا التوقيت العصيب هو إشارة في حد ذاته إلى أن كلا الطرفين يدرك أهمية إبقاء خطوط التواصل مفتوحة رغم الخلافات العميقة التي قد تكون اليوم أوسع من أي وقت مضى. لكن الرمزية وحدها لا تكفي. العالم الذي اعتاد على بيانات النوايا الحسنة ينتظر هذه المرة خطوات عملية، وآليات واضحة، وجداول زمنية محددة تترجم هذه الرمزية إلى تفاهمات ملموسة على الأرض.
بالنسبة إلى ترامب، الذي يواجه حملة انتخابية شرسة وعشرات التهم القانونية، هذه الزيارة تمثل فرصة نادرة لإظهار أنه قادر على إدارة الملفات المتوازية الأكثر تعقيدا في العالم: الحرب في أوكرانيا، التوتر مع إيران، التحول في الشرق الأوسط، والآن الملف الصيني الشائك. إنها لحظة لتقديم صورة “رجل الصفقات” الذي يمكنه الجلوس إلى طاولة واحدة مع أقوى خصوم أميركا والوصول إلى تفاهمات. لكن هذا الرهان محفوف بالمخاطر من الطرف الآخر: أي تنازل كبير لبكين حول التجارة أو التكنولوجيا أو تايوان قد يُفسر داخليا على أنه ضعف في وقت تحتاج فيه أميركا إلى القوة. وأي تشدد مفرط قد يُفشل الزيارة تماما ويزيد من عزلة واشنطن الدبلوماسية في حين أنها في أمس الحاجة إلى حلفاء.
واشنطن لم تعد القطب الأوحد بل قوة تواجه تحديات داخلية وخارجية تجعل من الصعب عليها احتواء الصعود الصيني بالقدر نفسه الذي كانت تفعله مع الاتحاد السوفييتي سابقا
أما بالنسبة إلى بكين، فرهانها مختلف بالكامل. استضافة ترامب في بكين رغم كل الضغوط الأميركية والغربية على الصين تعكس رغبة عميقة في إظهار الصين كقوة مسؤولة، قادرة على استيعاب الخلافات وإدارة الأزمات، وسط عالم مضطرب ومشتت. إنها رسالة إلى الداخل والخارج مفادها أن بكين قادرة على الجلوس إلى طاولة الحوار مع خصمها اللدود، وأنها ليست مجرد قوة صاعدة تطالب بتغيير النظام، بل شريك لا يمكن تجاوزه أو تجاهله في أي ترتيبات دولية كبرى. لكن هذا الرهان أيضا ليس بمنأى عن المخاطر. أي تنازل كبير من الجانب الصيني، وأي تراجع عن مواقف سبق التعبير عنها بحزم في تايوان أو التكنولوجيا، قد يُفسران داخليا على أنهما خضوع للضغوط الأميركية ويضعفان موقف الحزب الحاكم في معادلاته السياسية المعقدة. وأي تشدد مفرط، وأي موقف صلب غير مرن، قد يُفشلان الزيارة ويدفعان واشنطن إلى تبني موقف أكثر عداءً مما هو عليه اليوم.
إذا نجحت الزيارة، بمعنى الخروج بإطار مؤسسي واضح لإدارة الخلافات التجارية والتكنولوجية، وفتح قنوات اتصال في المجالات العسكرية الحساسة، وتهدئة نسبية في الخطاب حول تايوان، فقد نشهد في الأشهر المقبلة تهدئة في الحرب التجارية، وفتح أسواق جديدة، واستقرارا نسبيا في أسواق الأسهم العالمية، وانتعاشا في الثقة بالاقتصاد العالمي. أما إذا فشلت الزيارة، وإذا خرج ترامب وشي دون تفاهمات جوهرية، أو إذا صدرت تصريحات متشددة من الجانبين بعد انتهاء اللقاء، فمن المرجح أن يزداد الاستقطاب العالمي، وأن تتحول تايوان والذكاء الاصطناعي وبحر الصين الجنوبي من مناطق توتر مدارة إلى ساحات مواجهة مفتوحة، مع انعكاسات مباشرة على الاستقرار في آسيا، وأوروبا، والشرق الأوسط.
في التحليل النهائي، زيارة ترامب إلى الصين ليست مجرد بروتوكول، بل اختبار حقيقي لمعادلة كبرى ستحدد شكل القرن الحادي والعشرين: هل سنعيش في عالم قائم على “التنافس المنظم” بين القوى العظمى، مع قواعد وأطر مؤسسية تمنع الانزلاق إلى الحرب، أم أننا نتجه نحو “مواجهة فوضوية” تعيد إنتاج أخطاء الحرب الباردة ولكن بتكنولوجيا أكثر تدميرا واقتصاد أكثر تشابكا؟ العالم يحتاج إلى تفاهم بين واشنطن وبكين، ليس لأنهما صديقان أو حليفان، بل لأن غياب هذا التفاهم يعني غياب أي ضمانات للاستقرار العالمي. لكن النجاح في بناء هذا التفاهم يتوقف على قدرة الطرفين على تجاوز الخطاب الانتخابي والضغوط الداخلية، وتحويل الرمزية والوعود إلى خطوات عملية ومؤسسية.
السؤال الجوهري الذي يجب أن يواجهه القارئ في نهاية هذا التحليل هو: هل يستطيع ترامب وشي، رغم كل الخلافات والتوترات والضغوط، أن يضعا قواعد جديدة للتنافس المنظم، أم أن العالم سيجد نفسه، ربما دون قصد أو تخطيط، أمام مواجهة مفتوحة لا أحد يريدها ولا أحد يستطيع السيطرة عليها؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، بل مستقبل النظام الدولي بأسره، ومعه مستقبل الأمن والازدهار لمليارات البشر. هذه الزيارة، مهما كانت نتائجها المباشرة، ستظل علامة فارقة في ذلك المسار الطويل، وأداة اختبار لما إذا كانت البشرية قد تعلمت شيئا من أخطائها في القرن العشرين، أم أنها مقدر لها أن تكررها بأدوات أكثر تعقيدا ونتائج أكثر تدميرا.
اقرأ أيضا:
• ترامب إلى بكين بأهداف منخفضة: كيف تحولت الحرب التجارية إلى ورقة ضغط صينية؟