بين الألم والأمل: لماذا يفتقد العراقيون الثقة؟
تنساق المجتمعات التي بُنيت على أيديولوجيات متباينة، منذ نشأتها، نحو حالة من عدم الاستقرار، تتجلى في خلافات كامنة تظهر كلما تهيأت لها الظروف. وهذه الخلافات لا تنشأ من فراغ، بل تتغذى على تراكمات تاريخية وسياسية، تُستدعى أحيانًا بفعل السلطة، أو تُستثمر لإعادة تشكيلها بما يخدم صعود قوى جديدة.
وفي الحالة العراقية، يمكن تتبع جذور هذه الأزمات بالعودة إلى تأسيس الدولة الحديثة عام 1921، حين تشكلت السلطة ضمن توازنات هشّة بين مكونات متعددة، كما يشير المؤرخ حنا بطاطو في دراسته عن البنية الاجتماعية للعراق. ولم يُبنَ هذا التأسيس على عقد اجتماعي متين، بل على إدارة تنوع معقّد بوسائل سياسية غالبًا ما كانت ظرفية.
وإذا عدنا إلى جذور أعمق، فإن استحضار أحداث مثل واقعة الجمل لا يزال حاضرًا في الخطاب السياسي والديني، حيث تُستخدم هذه الوقائع التاريخية لتبرير مواقف معاصرة، ما يعكس استمرار توظيف التاريخ في تأجيج الانقسام بدل تجاوزه.
أما في العصر الحديث، فقد شكّل عام 2003 نقطة تحوّل مفصلية بعد الغزو الأميركي للعراق، حيث أُعيد تشكيل النظام السياسي على أسس المحاصصة الطائفية والقومية، وهو ما أشارت إليه تقارير مجموعة الأزمات الدولية بوصفه أحد أبرز أسباب ترسيخ الانقسام وفقدان الثقة بين المكونات العراقية.
◄ ما لم تُتخذ خطوات جادة نحو إصلاح سياسي حقيقي، وتعزيز استقلال المؤسسات، وضمان حقوق جميع المكونات دون تمييز، فإن هذه الأزمات ستبقى تتجدد
وعلى مستوى الواقع الاجتماعي، تقدم معاناة المكونات المختلفة أمثلة واضحة على عمق هذه الأزمة. فالمسيحيون العراقيون، الذين كان عددهم يُقدّر بأكثر من 1.5 مليون قبل عام 2003، انخفض هذا العدد بشكل حاد بعد موجات العنف، خاصة عقب سيطرة تنظيم داعش على مناطق واسعة عام 2014.
أما الأكراد، فما تزال ذاكرتهم الجمعية مثقلة بأحداث مثل حملة الأنفال وقصف حلبجة، والتي وثقتها تقارير الأمم المتحدة بوصفها جرائم جسيمة. ورغم حصول إقليم كردستان على حكم ذاتي، فإن الخلافات مع الحكومة المركزية، خصوصًا بعد استفتاء استقلال كردستان عام 2017، تعكس استمرار أزمة الثقة بين الطرفين.
وبالنسبة إلى الإيزيديين، فقد تعرضوا لإبادة جماعية على يد تنظيم داعش، وهو ما اعترفت به الأمم المتحدة رسميًا عام 2016. وتشير تقارير منظمة العفو الدولية إلى أن آلاف النساء تعرضن للسبي، وأن إعادة إعمار مناطقهم وعودتهم ما تزال بطيئة ومعقدة.
ولا تختلف أوضاع مكونات أخرى، مثل الصابئة المندائيين والكاكائيين، كثيرًا؛ إذ تشير دراسات صادرة عن مركز كارنيغي للشرق الأوسط إلى أن هذه الأقليات تواجه تحديات مستمرة تتعلق بالأمن والتمثيل السياسي والحفاظ على هويتها.
وفي ظل هذا الواقع، تحولت الخلافات إلى أدوات سياسية ضمن بنية النظام، حيث تُدار الدولة عبر توازنات حزبية أكثر من إدارتها عبر مؤسسات وطنية. وقد أشار تقرير البنك الدولي حول العراق إلى أن ضعف الحوكمة وغياب الثقة بين المواطن والدولة يشكلان عائقًا رئيسيًا أمام التنمية والاستقرار.
إن أزمة الثقة في العراق ليست مجرد نتاج خلافات آنية، بل هي نتيجة تراكمات تاريخية لم تُعالج جذريًا، وسياسات عززت الانقسام بدل احتوائه. وإن بناء الثقة يتطلب إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس المواطنة والعدالة، بعيدًا عن منطق الغلبة والمحاصصة.
وما لم تُتخذ خطوات جادة نحو إصلاح سياسي حقيقي، وتعزيز استقلال المؤسسات، وضمان حقوق جميع المكونات دون تمييز، فإن هذه الأزمات ستبقى تتجدد، وسيبقى العراق يدور في حلقة مفرغة من الشكوك والانقسامات، حيث تظل الحقوق تبحث عمّن يصونها في وطن أنهكته الأزمات.