بناء الحكاية الفلسطينية بين "الطنطورية" و"الخرز الملوَّن"

رضوى عاشور ومحمد سلماوي.. رؤيتان أدبيتان لقراءة الذاكرة والقضية الفلسطينية.
الأربعاء 2026/03/11
مواجهة مع الذات والسلطة (لوحة ياسر صافي)

تقدّم تجربة الكاتبة رضوى عاشور والكاتب محمد سلماوي نموذجين مختلفين في تناول الذاكرة التاريخية والقضية الفلسطينية في الأدب العربي. فبين السرد الملحمي المقاوم عند عاشور والطرح الرمزي الفلسفي لدى سلماوي، تتكشف رؤيتان أدبيتان تعالجان التاريخ والهوية والإنسان من زاويتين متباينتين.

تتبنى الكاتبة د. رضوى عاشور (1946 – 2014) موضوع أدب المقاومة والذاكرة التاريخية. ومن خلال أعمالها مثل “ثلاثية غرناطة” (1994) و”الطنطورية” (2010) تُعيد بناء فترات الانهيار والشتات (الأندلس وفلسطين) لاسترجاع الهوية المفقودة.

أما محمد سلماوي فينصبّ تركيزه على القضايا الفلسفية والوجودية، مثل تيمة الموت والذاكرة والعلاقة بين الأحياء والراحلين كما في مجموعته القصصية “ما وراء القمر”. كما ينتقد العقلية الأمنية والبيروقراطية بأسلوب رمزي أحيانًا.

رضوى عاشور روائية وناقدة بالأساس؛ تمزج في رواياتها بين السرد التاريخي والبحث الأكاديمي، أما محمد سلماوي فأديب متعدد القوالب، لكنه يبرز بشكل كبير ككاتب مسرحي (“سالومي” 1986 و”فوت علينا بكرة” 1983 و”الجنزير” 1992) وكاتب مذكرات وقصص قصيرة وروايات وترجمات ومقالات.

يتسم أسلوب رضوى عاشور بالملحمي العاطفي، المنحاز للقضايا الإنسانية والنسوية والتحررية. ولغتها تتسم بالثراء اللغوي الذي يستدعي التراث العربي. ويتسم أسلوب محمد سلماوي بـ “السهل الممتنع”؛ حيث يقدم أفكارًا عميقة ومعقدة بلغة واضحة وبسيطة بعيدة عن التكلف.

رضوى عاشور روائية وناقدة بالأساس تمزج بين السرد التاريخي والبحث الأكاديمي، أما محمد سلماوي فأديب متعدد القوالب
رضوى عاشور روائية وناقدة بالأساس تمزج بين السرد التاريخي والبحث الأكاديمي، أما محمد سلماوي فأديب متعدد القوالب

تنظر رضوى عاشور للآخر غالبًا من منظور الصراع التاريخي المتمثل في “الاستعمار، الصهيونية” دفاعًا عن الحقوق العربية. بينما يتمتع سلماوي بنزعة انفتاحية واسعة بحكم دراسته للأدب الإنجليزي وترجماته (رواية “مسيو إبراهيم وزهور القرآن”، ومسرحية “الحلم الأميركي” على سبيل المثال)، ويعالج قضايا مثل الهجرة والصراع بين الثقافات من منظور إنساني عام.

تتجلى الفوارق الجوهرية بين روايتي “الطنطورية” (2010) و”الخرز الملوّن” (1990) -على سبيل المثال- في كيفية “بناء الحكاية الفلسطينية”؛ فبينما تعيد عاشور بناء التاريخ من الداخل عبر ذاكرة الضحية، يستخدم سلماوي تقنيات التوثيق والرمزية لتقديم القضية في إطار إنساني أوسع.

تعتمد “الطنطورية” على “سيرة الأجيال” من خلال شخصية رقية. السرد هنا حميمي وذاتي جدًّا؛ إذ يتتبع نمو الشخصية من الطفولة في قرية “الطنطورة” حتى الشيخوخة في “الشَّتات”، مما يجعل القارئ يعيش النكبة كـ”تجربة شعورية” شخصية. أما “الخرز الملوّن” فتُصنف كرواية تسجيلية (توثيقية) تغطي أربعة عقود من الصراع، لكنها تركّز زمنياً على “خمسة أيام” مكثّفة من حياة الشاعرة والصحافية الفلسطينية نسرين خوري التي عاشت في القاهرة وعملت بجريدة “الأهرام” و”ترتبط أحداث حياتها ارتباطًا وثيقًا بأحداث وطنها فلسطين. ويميل سلماوي إلى تقديم “بانوراما” سياسية واجتماعية مدعومة بالحقائق والوقائع التاريخية.

وبينما جاءت “الطنطورية” ممتدة ومرحلية؛ تبدأ من عام 1947 إلى 2000، وتنتقل جغرافياً بين فلسطين (الطنطورة)، ولبنان (صيدا وبيروت)، والإمارات، والإسكندرية -ويمكن النظر إلى المكان هنا على أنه “البطل” الذي يُسلب ويُستعاد بالذاكرة- فإن “الخرز الملوّن” كانت أكثر تركيزًا وتكثيفًا في زمنها السردي الرئيسي (الأيام الخمسة)، رغم أنها تستحضر تاريخًا طويلاً عبر تقنيات الاسترجاع (فلاش باك). وتركز على العلاقة بين الفلسطينيين والمصريين، وتستعرض تداخل المصائر بين الشعبين.

تتصف الرمزية عند رضوى عاشور بأنها “عضوية” (مثل المفتاح الذي تتوارثه الأجيال). وجاءت لغتها غنائية وملحمية تستنهض الذاكرة الجمعية وتؤكد على “أدب المقاومة” لإعادة بناء الهوية المهددة بالطمس. أما سلماوي فالرمزية لديه “فلسفية”؛ وعنوان “الخرز الملوّن” نفسه يحمل دلالات على تفتت الواقع الفلسطيني وتعدده، مع الحفاظ على وحدة الجوهر. وجاء أسلوبه أكثر هدوءًا ووضوحًا، ويميل إلى التحليل الوجودي لما خلف الأحداث السياسية.

تهدف عاشور إلى “استنطاق المحو”؛ أي كتابة ما حاول الاحتلال مسحه من الذاكرة والخرائط، وتوثيق المذابح (مثل مذبحة الطنطورة وصبرا وشاتيلا) كشهادة حية. أما سلماوي فيهدف إلى تقديم القضية في إطار إنساني عالمي؛ حيث يستعرض المأساة الفلسطينية كنموذج للظلم الإنساني العام، مع التركيز على صمود الروح الفلسطينية في وجه محاولات الاقتلاع.

ورغم اشتراك عاشور وسلماوي في تخصص الأدب الإنجليزي، فإن هذا التكوين الأكاديمي دفع كلاً منهما في اتجاه إبداعي مغاير تماما، حيث أثَّرت دراسة رضوى للأدب الإنجليزي والأميركي (خاصة الأدب الأفرو – أميركي) في تشكيل وعيها بـ”أدب المقاومة”. واستلهمت من دراساتها نقد المركزية الغربية، مما جعلها تكتب التاريخ الفلسطيني والأندلسي من منظور “الشعوب المغلوبة” لا من منظور المنتصر. وتظهر لمسة الباحثة في رواياتها من خلال هوامش التحقيق والتدقيق التاريخي، وكأنها تدمج البحث الأكاديمي بالسرد الروائي لضمان دقة “الشهادة”.

عاشور استخدمت الأدب المقارن كأداة نضالية لاستعادة حقوق الشعوب المهمَّشة. بينما استخدم سلماوي الأدب الغربي كأداة فنية لتطوير تقنيات السرد العربي وجعلها أكثر عالمية وانضباطًا

أما سلماوي فقد تأثر بالبناء الدرامي الكلاسيكي والحديث في الأدب الغربي، مما جعل أعماله أكثر ميلا إلى التركيز الفني والموضوعي. كما أن دراسته للأدب الإنجليزي في جامعة أكسفورد ودراسته للاتصال الجماهيري في الجامعة الأميركية صقلتا لديه أسلوب “السهل الممتنع”. هو لا يميل إلى الإسهاب اللغوي العربي التقليدي، بل إلى اللغة المباشرة والقوية التي تميز الكتابة الغربية الحديثة. وفي “الخرز الملوّن” نجد أثر دراسته للمسرح (مثل أعمال شكسبير وبرنارد شو) في الاعتماد على الحوار المكثَّف وتصادم الشخصيات، بدلاً من السرد الملحمي الطويل الذي تتبعه رضوى عاشور.

ويلاحظ أن عاشور استخدمت الأدب المقارن كأداة نضالية لاستعادة حقوق الشعوب المهمَّشة. بينما استخدم سلماوي الأدب الغربي كأداة فنية لتطوير تقنيات السرد العربي وجعلها أكثر عالمية وانضباطًا.

وقد ظهرت البراعة الأكاديمية لكل منهما في كيفية تطويع “اللغة”؛ فبينما كانت لغة سلماوي “تفاعلية” تهدف إلى الصراع فوق الخشبة، كانت لغة رضوى “استعادية” تهدف إلى بناء وطن من الكلمات.

وبحكم تخصص سلماوي وتأثره بالمسرح الغربي (العبثي والواقعي)، فد اتسمت لغته بـالوظيفية، والحوار عنده ليس للزينة، بل هو “محرك” للفعل. كل جملة تكشف جانبًا من الشخصية أو تدفع العقدة للأمام. إنه يبرع في صياغة حوارات تقوم على “الجدل”، تمامًا كما في مسرحيات برنارد شو. ونجد في مسرحياته مثل “سالومي” تضادًا بين السلطة والحرية، أو العقل والعاطفة، بلغة رشيقة ومقتضبة. إنه يكتب بلغة تتجاوز المحلية، مما يفسر سهولة ترجمة مسرحياته وعرضها على مسارح دولية؛ فهي لغة تعتمد على “المفارقة” أكثر من الاعتماد على المجازات اللغوية المعقدة.

أما عاشور فقد تأثرت بالأدب المقارن الذي جعلها تنظر للغة كـ”وعاء للهوية”؛ لذا جاء سردها تراكميًّا، فهي لا تكتفي بنقل الخبر، بل تبني “مشقًّا” لغويّا يستحضر روائح الأماكن وتفاصيل البيوت. هي لا “تحكي” عن غرناطة، بل “تؤثثها” لغويًّا لتعويض ضياعها المادي. والسرد عندها يتسم بالبطء المتعمد والاحتفاء بالتفاصيل، وهي تقنية وجدتها في الرواية الواقعية الكلاسيكية، لتعميق ارتباط القارئ بالشخصيات قبل حدوث المأساة. والحوار في رواياتها (كما في “الطنطورية”) ليس مجرد تبادل معلومات، بل هو “نَفَس” إنساني محمّل بالتراث الشعبي والأمثال، مما يعزز فكرة “التمسك بالجذور”.

بينما يميل سلماوي إلى “النهايات الرمزية/المفتوحة” تميل عاشور إلى “النهايات الملحمية/الدائرية” التي تؤكد استمرارية الصراع
بينما يميل سلماوي إلى "النهايات الرمزية/المفتوحة" تميل عاشور إلى "النهايات الملحمية/الدائرية" التي تؤكد استمرارية الصراع

وبينما تجيئ الكلمة عند سلماوي “سهمًا”؛ يجب أن تصيب الهدف بسرعة ودقة لتحدث التأثير الدرامي، فإن الكلمة عند عاشور “حجر”؛ تضعه فوق الآخر لتبني جدارًا يحمي الذاكرة من النسيان.

في مسرحية “فوت علينا بكرة” (1983) لسلماوي جاء الحوار رشيقًا، ساخرًا، يعتمد على كشف البيروقراطية والواقع عبر المفارقة. ونضرب مثلا بالحوار التالي:

المواطن: أريد استمارة “بدل فاقد” لآمالي الطموحة.

الموظف: (دون أن يرفع عينه) فوت علينا بكرة.. الأمل يحتاج إلى طوابع دمغة من مصلحة “الأوهام المستحيلة”.

المواطن: لكنني دفعت الرسوم في مكتب “الواقع”!

الموظف: مكتب “الواقع” لا يعترف بالأمل.. اذهب وأحضر شهادة تفيد بأنك لا تزال على قيد الأحلام.

وفي رواية “ثلاثية غرناطة” جاء السرد ملحميًّا، ذا لغة غنيَّة بالصور، تركز على المشاعر والذاكرة والمكان، ولعل العبارة التالية توضح ما نقصده: “تمنت لو أن الذاكرة غابة كثيفة الأشجار، يضل فيها الإنسان طريقه، أو يضيع فيها ما يريد نسيانه.. لكنها كانت كصحراء قاحلة، كل شيء فيها مكشوف، والماضي فيها ليس خلفنا بل هو أمامنا، يتربص بنا عند كل منعطف، يذكرنا بأننا فقدنا الدار والأرض، ولم يبق لنا سوى الكلمات التي نقتات عليها لكي لا نموت من الظمأ”.

لقد لاحظنا عند سلماوي أن الحوار عبارة عن فعل؛ فالكلمات تتحرك بسرعة بين الشخصيات لتخلق صدمة أو وعيًا سياسيًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا. واللغة “خارجية” موجَّهة للجمهور. أما عند رضوى فالسرد تأمل؛ والكلمات تلتف حول الروح لتعمق الإحساس بالفقد أو المقاومة. اللغة “داخلية” تنبش في وجدان القارئ.

ونشير إلى أن الطريقة التي يسدل بها كل منهما الستار على أعماله تختلف باختلاف رؤيتهما للعالم؛ فبينما يميل سلماوي إلى “النهايات الرمزية/المفتوحة” التي تترك القارئ أمام تساؤل أخلاقي، تميل عاشور إلى “النهايات الملحمية/الدائرية” التي تؤكد على استمرارية الصراع رغم الهزيمة.

وغالبا ما تنتهي الحكاية عند سلماوي بموقف يضع القارئ في مواجهة مع ذاته أو مع السلطة. وفي مسرحياته قد تنتهي الأحداث بعودة البطل إلى نقطة البداية (الدائرة المفرغة)، ليس من باب اليأس، بل لتسليط الضوء على “عبثية” الواقع وضرورة تغييره. لذا فإن النهاية لديه هي “بداية التفكير” للقارئ/المشاهد.

أما في أعمال عاشور فالنهاية ليست “خاتمة” بقدر ما هي “تسليم راية”. ورغم أن رواياتها قد تنتهي بمأساة (مثل حرق الكتب في “غرناطة” أو الرحيل في “الطنطورية”)، فإن الشخصية الأخيرة في الرواية دائما تحمل “سرًّا” أو “حكاية” ستنقلها إلى من بعدها. ونرى أن رضوى تؤمن بأن التاريخ يعيد نفسه، لذا تنتهي رواياتها بفعل يوحي بالبقاء؛ كأن تقرر الشخصية العودة أو الكتابة. والنهاية لديها هي “فعل مقاومة” يرفض التسليم بالهزيمة النهائية.

9