"بعد نهاية الفن".. يجيب عن سؤال: كيف تألق الفكر فوق أنقاض الجمال
تحرر الفن المعاصر من التصورات المسبقة والإكراهات التاريخية التي تربط الفنانين إلى معايير محددة، وهو ما تجاوزوه في الأعمال المعاصرة التي غيرت مفاهيم الجمال والفن من خلال قوة الفكرة وسمحت للجميع بممارسة الفن، ولكن يواجه هذا الفن تحديات كثيرة، من بينها سؤال: كيف نميز بين ما هو فني وما هو غير فني؟
في كتابه “بعد نهاية الفن: الفن المعاصر وحدود التاريخ”، يقدم آرثر سي. دانتو رؤية ثورية تعيد تشكيل فهمنا للفن المعاصر من خلال مفهوم “نهاية الفن”. مستلهمًا من أطروحة هيغل حول “نهاية التاريخ”، ولا يعني دانتو توقف الإبداع الفني، بل انتهاء السرديات الكبرى التي وجهت تطور الفن عبر العصور، كمحاكاة الطبيعة في النهضة أو التجريد في الحداثة.
وانطلاقًا من ذلك، يحرص دانتو في كتابه، الذي ترجمته إلى العربية د. هادية العرقي وصدر عن هيئة البحرين للثقافة والآثار، على تحديد المبادئ النقدية التي يمكن أن توجد في غياب السرديات التاريخية، حيث يصبح كل شيء ممكنًا بمعنى مناسب.
فلسفة مرئية
ووفقًا لمؤلفه، فإن الكتاب مخصص لفلسفة تاريخ الفن، وبنية السرديات، ونهاية الفن، ومبادئ النقد الفني. يتساءل الكتاب: كيف أصبح فن مثل فن ديفيد ريد ممكنًا تاريخيًا؟ وكيف يمكننا التفكير نقديًا في مثل هذا الفن؟ ويعنى بنهاية الحداثة، ويسعى إلى تخفيف الحساسيات التي تكيفت مع التحديات التي فرضتها الحداثة على المواقف الجمالية التقليدية، وإبراز ما يعنيه الاستمتاع بالواقع ما بعد التاريخي. هناك نوع من الراحة في فهم هذا التحول كمسألة تاريخية، إذ أن تمجيد فن العصور السابقة، مهما كان رائعًا، قد يقود إلى وهم حول طبيعة الفن الفلسفية. فعالم الفن المعاصر، كما يراه دانتو، هو الثمن الذي ندفعه مقابل الاستنارة الفلسفية، لكنه مساهمة أساسية في فلسفة تؤسس لفهم الفن.

ويرى دانتو أن “الفن لم يعد يسعى لتحقيق هدف محدد كما في الماضي، بل أصبح حرًا من أيّ قيود تاريخية أو جمالية.” وقد تجلّى هذا التحول بوضوح عندما واجه لوحات علب حساء كامبل لآندي وارهول في ستينات القرن العشرين، فسأل بعمق: كيف يمكن لعنصر يومي، كعلبة حساء، أن يصبح عملًا فنيًا؟ هنا، لم يعد الجمال أو الإتقان التقني معيارًا لتحديد الفن، بل أصبح الأمر مرهونًا بالسياق، النية، والتفسير الفلسفي. في رؤية دانتو، يتحول الفن المعاصر إلى فلسفة مرئية تتجاوز الإبهار البصري لتطرح أسئلة عميقة عن الهوية، المعنى، والواقع في عصر ما بعد التاريخ، حيث “كل شيء ممكن،” لكنه يتطلب تأملًا عقليًا لفهم قيمته.
عبر التاريخ، اتخذ الفن أهدافًا محددة توجهه ضمن سرديات ثقافية كبرى. في عصر النهضة مثلا، سعى الفنانون إلى محاكاة الطبيعة بكل دقة، مجسدين مثاليات التناسق والجمال الإنساني، كما فعل ليوناردو دا فينشي وميكيل أنجيلو. أما في الحداثة، فقد تحول التركيز نحو التجريد والتعبير الذاتي، كما في أعمال بيكاسو وكاندينسكي، حيث أصبح الفن وسيلة لاستكشاف التجربة الداخلية أو الاضطرابات الاجتماعية. غير أن القرن العشرين شهد انهيار هذه السرديات بفعل ظهور حركات مثل الفن الشعبي (Pop Art) والفن الجاهز (Readymades).
كانت أعمال مثل النافورة لمارسيل دوشامب، وهي مبولة موقّعة قُدمت كعمل فني عام 1917، بمثابة إعلان فلسفي مفاده أن الفن لم يعد في حاجة إلى رواية كبرى ليحظى بقيمته. وهنا يرى دانتو أن “الفن المعاصر تحرر من التاريخ، فلم يعد جزءًا من حركة تاريخية كبرى، بل أصبح يعيش في حالة ما بعد تاريخية حيث كل شيء ممكن.”
وردًا على هذا التحول، يقدم دانتو مفهوم عالم الفن (Artworld)، وهو الإطار الثقافي والمؤسسي الذي يُعرف ما يُعد فنًا. لا يصبح الشيء فنًا بناءً على شكله أو خصائصه المادية، بل استنادًا إلى السياق الذي يُقدم فيه، والنية التي تحكم تقديمه. يشرح، أن النافورة لم تُعتبر فنًا بسبب مظهرها، بل لأن دوشامب اختار عرضها كفن، ووقّعها، ووضعها ضمن فضاء فني.
بهذا الطرح، يتحدى دانتو النظريات الجمالية التقليدية، وعلى رأسها نظرية كانط، التي تربط الفن بالمتعة الجمالية المولدة من الشكل أو الانسجام. ويعتبر أن هذه النظريات باتت عاجزة عن فهم الفن المعاصر الذي لا يستمد قيمته من الجمال بل من الفكرة. فلوحات وارهول التي تمثل علب الحساء أو صور مارلين مونرو لا تُعد جميلة بالمعنى الكلاسيكي، لكنها تفضح الثقافة الاستهلاكية للمجتمع الأميركي، وتقدم نقدًا بصريًا لآليات الإعلام والرأسمالية.
ويشير دانتو إلى أن الفن لم يعد معنيًا بإثارة الإعجاب الجمالي كما في السابق، بل بتحفيز التأمل العقلي. ويوضح أن “الجمال لم يعد معيارًا حتميًا للحكم على العمل الفني. وأنه في العصور السابقة، كان الفن يُقاس بقدرته على إثارة الإعجاب الجمالي. أما الآن، فقد يكون العمل قبيحًا أو بسيطًا، لكنه يُعتبر فنًا إذا عبّر عن فكرة قوية.”
ويبرز هذا التحول في أعمال الفن المفاهيمي مثل “كرسي واحد، صورة كرسي، تعريف كرسي” لجوزيف كوسوث، التي تتكون من كرسي حقيقي، وصورته الفوتوغرافية، وتعريف قاموسي لكلمة “كرسي”. هذا العمل لا يعتمد على الإبداع الجمالي، بل يطرح تساؤلات حول طبيعة اللغة والتمثيل والواقع. هنا، الفن يتقاطع مع الفلسفة، ليصبح أداة لتفكيك المفاهيم اليومية وإعادة تشكيلها.

يشدد دانتو على أن الفن لطالما كان انعكاسًا لروح العصر الذي وُجد فيه. ففي النهضة، جسّد تطلعات الإنسان لمحاكاة الطبيعة. وفي الحداثة، عبّر عن الفردانية والاضطرابات النفسية والاجتماعية. لكن في الفن المعاصر، لم تيعد ثمة سردية مركزية أو “روح عصر” موحدة.
ويتابع أن “الفن المعاصر لم يعد مضطرًا لخدمة أيّ سردية تاريخية، ما يمنح الفنانين حرية مطلقة.” هذه الحرية تعززت بفضل العولمة والتكنولوجيا، ما سمح للفنانين بدمج عناصر من ثقافات متعددة، واستلهام التقنيات الرقمية والفنون الشعبية. على سبيل المثال، قد يستخدم فنان معاصر تأثيرات آسيوية في عمل بصري غربي، أو يوظف الذكاء الاصطناعي في توليد صور، ما يؤدي إلى أشكال فنية غير مسبوقة.
غياب المعايير
هذه الحرية الكاملة تضع الفن أمام تحدٍ خطير: إذا كان كل شيء يمكن أن يكون فنًا، كيف نُميز بين ما له قيمة وما هو فارغ؟ يحذر دانتو من أن التعددية قد تُفضي إلى “فوضى إبداعية” إذا لم تُرافقها تفسيرات قوية. فالمعنى لا يُولد من الشيء ذاته، بل من السياق الذي يُقدَّم فيه، ومن التأويل الفلسفي الذي يكشف عمقه. فعندما عرض وارهول علب الحساء، لم تكن قيمتها في المظهر، بل في قدرتها على تجسيد رؤية نقدية للثقافة الجماهيرية. كذلك، لا يمكن فهم النافورة إلا إذا أُدرجت في سياقها الجدلي كعمل يرفض الحدود التقليدية بين الفن واللافن.
هنا يُبرز دانتو دور “عالم الفن” في توفير تلك التفسيرات. فالنقاد، والمؤسسات، والفلاسفة يشكّلون شبكة ثقافية تحدد ما هو الفن، وتساعد الجمهور على فهم المعاني الكامنة.
التعددية التي يصفها دانتو توفر فرصًا هائلة للفنانين، حيث يمكنهم استكشاف أيّ وسيط أو موضوع دون قيود. على سبيل المثال، فنان مثل بانكسي يستخدم فن الشارع لتقديم تعليقات سياسية حادة، بينما تستكشف يايوي كوساما مفاهيم اللانهائية والذات من خلال تركيباتها الغامرة. لكن دانتو يحذر من أن هذه التعددية قد تؤدي إلى فقدان المعنى إذا لم تُدعم بتفسيرات قوية. هنا يقدم رؤية فلسفية عميقة حول تعريف الفن نفسه “مفهوم الفن يجب أن يكون منسجمًا مع كل ما هو فن. ويستتبع ذلك بشكل مباشر أن التعريف لا يؤدي إلى أيّ التزامات أسلوبية مهما كانت، وذلك لأنه يصمد في فترات الثورات الفنية أمام القول إن ما تركناه وراءنا ليس فنًا حقًا.”
ينتقد دانتو، أولئك الذين حاولوا نفي منزلة الفن عن أعمال معينة بناءً على معايير تاريخية عرضية، معتبرًا ذلك خطأً فلسفيًا ناتجًا عن غياب تاريخانية قوية تتماشى مع الجوهرانية. ويضيف “الجوهرانية في الفن تستلزم التعددية، سواء أكانت تعددية تحققت تاريخيًا بالفعل أم لا.”
الفن المعاصر فلسفة مرئية تتجاوز الإبهار لتطرح أسئلة عميقة عن الهوية، المعنى، والواقع في عصر ما بعد التاريخ
ويشير إلى أن هذه التعددية قد تُقيد في ظروف خارجية، مثل الإكراه السياسي أو الديني، كما يحدث في بعض المحاولات المؤسسية، مثل تلك التي شهدها الصندوق الوطني للفنون في الولايات المتحدة، لفرض معايير اجتماعية على الفن. هذا التأكيد على التعددية يعزز رؤية دانتو بأن الفن المعاصر، في حريته المطلقة، يحتاج إلى تفسيرات تربطه بالسياقات الثقافية والاجتماعية ليحتفظ بقيمته.
في ختام تحليلاته، يطرح دانتو رؤيته لمستقبل الفن: هو متفائل بإمكانات هذه الحرية اللامحدودة، لكنه في الوقت ذاته حذر من فقدان الفن لأثره الثقافي إن لم يُدعم بتفسيرات تربطه بالواقع والإنسان.
ويبرز ما يطرحه في كتابه المتجسد في التأكيد على أن “نهاية الفن” لا تعني موته، بل تحرره من الضرورة التاريخية، وأن تعريف الفن اليوم يقوم على السياق والنية لا على الجمال أو الشكل. ففي عالم لم تعد فيه معايير الجمال كافية، يصبح الفن المعاصر سؤالاً فلسفياً مفتوحًا، وتصبح مهمته استكشاف الذات، والعالم، واللغة، والتاريخ، عبر عدسة متعددة، متحررة، لكنها تتطلب فهمًا فلسفيًا عميقًا من الجمهور. الفن ما بعد التاريخ، كما يراه دانتو، هو فن بلا قيود، لكنه ليس بلا مسؤولية: إنه دعوة للتفكير، وللبحث عن معنى في زمن تعددت فيه الأصوات، وتشظت فيه الحقائق.