"بادشاه" قصص تحول القرية إلى مرآة للإنسان والتاريخ

سعد القرش يمزج بين الواقعية الاجتماعية والعمق النفسي ليسائل السلطة والفقر والوجود.
الأحد 2026/07/19
المكان بطل سردي (لوحة للفنان عبدالوهاب عبدالمحسن)

تقدم المجموعة القصصية "بادشاه" للروائي سعد القرش تجربة سردية ثرية تستلهم تفاصيل القرية المصرية لتعيد مساءلة الإنسان في علاقته بالسلطة والفقر والذاكرة والتاريخ. وفي هذه القراءة النقدية، نتوقف عند جماليات النصوص، كشفا لما تنطوي عليه من أبعاد إنسانية ورمزية، وما تطرحه من أسئلة تتجاوز المحلي إلى الإنساني.

في مجموعة قصصية مثل “بادشاه” للقاص والروائي سعد القرش تقف حائرا أمام قصص كتبت على مدار ثلاثين عاما، أي أنها تختلف في ظروف الوقت والحياة الاجتماعية التي كتبت فيها حتى لو كان أغلبها مكتوبا عن القرية، حيث يتداعى التاريخ المثبت في آخر النصوص، وفي داخلها، لتؤكد الأحداث بتفاصيلها الدقيقة الرهيفة المغرقة في المحلية والواقعية لا بمعناها التسجيلي، ولكن بعمقها الإنساني والنفسي، وردود أفعالها المختلفة حد التناقض والغرابة واللامعقول.

إنها النفس الإنسانية التي تمجد الإنسان حدَّ التأليه ووضع كتب ومؤلفات لتقديسه حدَّ السعي لأخذ توقيعه على هذه المؤلفات التي تلهج بالدعاء له 44 مرة، وتكرر إلى أن يهلَّ البادشاه خليل السلطان رب المزرعة، وصائد التماسيح ومنقذ سنية ومبروك من الموت، ومن العقم، ومن الجوع حتى من التعب للصيد والتفرغ للدعاء له، والعيش في معيته بمعجزة الإنجاب ليلة إنقاذهما… في افتراع سنية في غمرة الخوف، كاقتناص آخر نفس للحياة، ليضعا بذرة جنين افتقداه اثني عشر عاما.

الواقعية الاجتماعية

القصص الواقعية الاجتماعية النفسية تبين صراع الإنسان من أجل لقمة العيش، والكرامة المسحوقة تحت أقدام الفقر
القصص الواقعية الاجتماعية النفسية تبين صراع الإنسان من أجل لقمة العيش، والكرامة المسحوقة تحت أقدام الفقر

ألا يستحق البادشاه من سنية وزوجها مبروك أن يظلا طوال عمرهما، الذي امتد لما بعد المئة، أسيرين لهذا السلطان، ولي النعم، صاحب المزارع الممتدة ومصانع السكر والعسل والنبيذ والخشب، وكل ما تنتجه الأرض، وواهب الطعام والشراب والملبس والمسكن؟ أفلا يكونان بأحفادهما خدام مملكته وهو في غنى عنهم، ويسأم من كثرة اللهاث بالشكر والدعاء؟!

نص “بادشاه”، رغم هذه المبررات، يفتح باب الأسئلة على تعلق العبد بسيده. تلك العلاقة التي تتعدى المنفعة للكسل والتواكل، إلى الاستماتة في التقرب والتمسح حتى بالعربة والحصان ومسح الوجه كالوضوء، ذلك الواقع الذي يدفع الأجير والعامل والحارس لأنْ يدافع عن سيده، ليس لأنه ولي نعمته، ولكن لتلك العلاقة النفسية التي استمرأ كل منهما دوره؛ حتى لو كان السيد ظالما أو ينهب أموال وأراضي وحريات العوام.

في مجموعة “بادشاه”، الصادرة عن دار الشروق في القاهرة، لا تفوتنا هذه النغمة الساخرة في رواية تفاصيل تميز هذه النصوص بسرد روائي. ولا غرابة فقد ذكر ميلان كونديرا حين عاد لكتابة القصة، بعد توقف ست سنوات، أنه اكتشف أن القصة القصيرة ما هي إلا صورة مصغرة للرواية، وهو ما نجده في أغلب قصص “بادشاه” التي امتدت بعض صفحاتها خمس عشرة صفحة، وبعضها الآخر عشرين صفحة، نفس أسلوب الرواية بتفاصيلها ومونولوجاتها وحواراتها.

ومن قصة “بادشاه” إلى “البحث عن شيطان”، وهي قصة تكاد تكون ملخص رواية فعلا، عما يسببه الفقر من التجارة في روث البهائم، “أقراص الجلة”، والصراع عليها لبيعها كوقود، وما حدث لرمضان وزوجته سكينة التي لطخ الأخضر الساخن وجهها في معركة وصفت بدقة وجمال مؤلم لواقعة يدركها ويعرفها وتصيبه بالألم والفزع كل من عاش في القرية تلك الحقبة من بدايات ثورة يوليو 1952.

ويرتفع رمضان الذي أخفق في أن يتعلم بالمعهد الديني لموت والده، وجبر خاطر زوجته وافترعها أيضا قبل صلاة الجمعة، ليغيب خطيب الجمعة. ويخطب هو بأمر العمدة، وتتدفق عليه الهدايا، بعد أن عرف كيف يحدث الناس في مشاكلهم: إلى أن اعتادوه، واضطر إلى البحث عن حادثة مشوقة يشد بها الناس، ويحافظ على أكل عيشه، إلى درجة أنه تسلل وسرق من المسجد قنديلا ومفرشا؛ ليكون حديث خطبة الجمعة، بعد أن يشيع الخبر، وبعد أن فشل في إقناع زوجته بالذهاب إلى السوق وتسقُّط الحوادث في حوار غاية في الذكاء والجمال والسخرية الرامزة الهادفة.

حين تحدثت زوجته عن العفاريت، أوحت إليه بالشيطان الذي سحبه ليتسلل إلى المسجد للسرقة واختلاق موضوع مشوق يضمن له حياة الدعة التي استكان إليها، بينما ترعبه العودة إلى العمل كأجير وسخرية الناس وتندرهم عليه وعلى أم زاهر.

نص إنساني مؤلم كتب بدرامية وحرفية وتدفق وتشويق، بما يتركه من دلالات ورموز تتخطى الواقع إلى أسئلة الوجود

إنها الواقعية الاجتماعية النفسية، وصراع الإنسان من أجل لقمة العيش، والكرامة المسحوقة تحت أقدام الفقر، وتلطيخ الوجه بروث البهائم في الصراع عليه كمصدر لقروش زهيدة وشحيحة، إلى درجة أن يتحول رمضان الأزهري المستقيم الذي تاب على يديه الكثيرون، وردت خطبه حقوق المواريث والمظالم. أية ازدواجية نفسية تصطرع الفقير، بعد أن يتحصل على بعض حقوق الحياة بكرامة؟ وكيف يصارع، ولو بالبحث عن شيطان، ليحافظ له على مكاسب تنتشله من سحق الفقر وغياب الكرامة؟

في المجموعة قصة أخرى من قصص الواقعية الاجتماعية، قصة نقدية إنسانية عنوانها “السكين”. ذلك الفقر المدقع الذي يدفع الطفل إلى تبادل الحذاء مع أخيه، للذهاب إلى المدرسة في فترتين دراسيتين مختلفتين، لينسى الصغير الذهاب إلى مكان تغيير الحذاء، ويضطر الكبير إلى الذهاب متسللا إلى الطابور والفصل، لتحدث المفارقة الساخرة المؤلمة، ويتصرف بذكاء وينقذ الفصل من العقاب بحل المسألة التي عجز عنها زملاؤه. لكنها تكون سببا في بيع الخروف في غير موسمه، بثمن بخس والذهاب لشراء الحذاء.

تكتشف الأم سرقة ثمن الخروف، لتزداد المأساة عمقا وابتلاء. ليست مجرد حادثة سرقة تتكرر في الأسواق؛ ولكنها الواقعية الإنسانية التي تسحق حتى الأطفال بالفقر، فيكبرون ويتصرفون تصرف الرجال، ولو بأخذ حقوقهم بالسكين الذي لم يعد أمام الأم سوى الدفع بولدها لاستعماله، كما لو كانت تحارب الظلم والفقر بفلذة كبدها.

نص إنساني مؤلم كتب بدرامية وحرفية وتدفق وتشويق، بما يتركه من دلالات ورموز تتخطى الواقع إلى أسئلة الوجود، مجرد أن تعيش حتى بفقرك الذي يستكثره عليك اللصوص وتجار المواشي، والسماسرة.

بالطبع لن نتطرق إلى كل القصص العشر رغم أن كل قصة تحتاج وحدها إلى دراسة مستقلة، رغم ما يجمعها من خيوط دلالية ورمزية وواقعية إنسانية إلا أنها باتساع رقعة الزمان والأحداث المؤرخة بالشخصيات كثورة يوليو، وقبلها الوفد والانتخابات ومصطفى النحاس ورمزيته، وبما تتميز به تلك القصص من تفاصيل ومنمنمات وأحداث وشخصيات تجعلها مشاريع روايات. حتى في القصة القصيرة جدا، والتي سنعرض لها فيما بعد.

كل نص يحتاج إلى دراسة منفصلة لما في المجموعة من جماليات فنية وفكرية وإنسانية، والغوص في واقع المجتمع والتاريخ والأحداث والشخصيات، وحيث ثلاثية الزمان والمكان والإنسان

قصة “الفرارجي” تطرح المعادل الموضوعي مع البيضة والإنسان، وحكمة الفرارجي في نصائحه لابنه عبده، والتي بدت تناصا مع نصائح لقمان وربما الخضر، وحتى امتحان العمدة له بهدف السخرية من غريب لا أصل له ولا اسم؛ ربما للتسلية، ربما لاختباره لقبوله مواطنا بالقرية إلى أن يصبح بحكمته سائسا وذراعا للعمدة. ومع ذلك فالطبقية موجودة في قرية أوزير التابعة لسمنود، حيث قصْر النحاس باشا، رغم مجيء الصاغ وحصوله على فدان أرض وحياة.

 إنها قصة القرية والفلاح، الإنسان، الزمان والمكان. ثلاثية الحياة، الوجود بكل عذاباته وضغوطاته، بنظرية البيض التي اخترعها الفرارجي أبوعبده، في رواية الإنسان وردود أفعاله وحياته، حتى لو في “عشَّة” على حافة الترعة يتصيد البيض من البط والإوزّ الذي يزلقه بجوار العشة، في القرية التي توافد عليها الباشا والصاغ، وكبر عبده وأصبح الفرارجي عجوزا.

سرد عجيب تقدمه المجموعة، إذ ينتظم الحكي الشعبي بالحكمة والحوار والسخرية المقنعة والقسوة المحسوبة، ليس هو الفرارجي ولا بيدبا الفيلسوف، ولكن من خلاله نرى عجائب الحياة وروعة القص والفكرة، وموهبة المبدع سعد القرش الاستثنائية.

دعنا نكمل نصائح الفرارجي الأخيرة: “وفي سكرات الموت يُذكّره بنظرية البيض، ويعده بالوصول إلى المراد، ويهمس يا عبده، حافظ على الأرض يا عبده، مالك أهلك، الناس تنسى، ببطاقة الحيازة الزراعية تضمن جذورا، وبها تأتي بعروس من قرية أخرى، عروس معروفة النسب والأهل، وزملاؤك أهلك، اهدم العشّة يا عبده، عش في البلد، وأسس بيتا جديدا على رأس الفدان، ستتغير الدنيا يا عبده، والذاكرة تخون” (ص 68).

مشروع قصصي

pp

قلنا عن القصص إنها تنتمي إلى الواقعية الاجتماعية النقدية الإنسانية التي تستدعى في قراءتها النقد الثقافي باتساع جوانبه الاجتماعية والسياسية شاملا النسوية وما بعد الكولونيالية.

إن تزامن الأحداث وامتدادها، بالتواريخ المثبتة في زمن كتابتها فقط، لكن منذ ما قبل ثورة يوليو 1952 ومصطفي النحاس زعيم الوفد ورئيس وزراء مصر ما قبل الثورة والذي ظل يقيم بقصره في سمنود بعد مجيء الصاغ وحصول الفرارجي على فدان وحيازة، كحق وجود في القرية لا كغريب في عشة على النهر كما ذكرنا من قبل.

في القصة القصيرة جدا، وعنوانها “لو”، تتجلى براعة القص، بالتكثيف وكتابة المحذوف، في فانتازيا مونولوج امرأة ميتة محمولة في نعش. تشاهد وتراقب وتتوقع وتصف ما يحدث. حيث ينطق الميت كراوية للحدث الذي يعري الواقع والحياة في هذا المونولوج المستحيل إلا في خيال فانتازي لما تفكر فيه الأم بعد موتها: من سيُعدُّ الطعام لابنها، في تلك الخلطة السحرية بدمج الخيال بالواقع والمنطق الذي يؤلف نصا يشارك فيه القارئ، كلعبة أطرافها الكاتب المبدع والقارئ المشارك والنص المشترك على حد تودوروف.

سرد روائي في قالب قصصي يغوص في واقع المجتمع والتاريخ والأحداث والشخصيات حيث ثلاثية الزمان والمكان والإنسان

نأتي إلى حرب أكتوبر المجيدة في قصة “ذاكرة المرايا” وإهدائها إلى سعد الشاذلي كموقف إيجابي من المؤلف، دون خطابية ولا مباشرة، ولكن بفنية عالية تصف أزمة القائد، وتوحده مع سائقه، في توثيق لحظة عارمة من الصراع بين السياسي والعسكري، في القرار العسكري والنتائج الكارثية التي أدت إلى الثغرة، وحصار الجيش الثالث حتى كاد القائد العسكري يجنّ وهو يحدث نفسه في مونولوج مزدوج للسائق والقائد، وهما ذاهبان إلى اجتماع عاصف يتوقع فيه الإيقاع به، ككبش فداء للخطأ والخطيئة التي لا يفعلها إلا خائن يحاول أن يلصق أثر قراره الأرعن بالقائد والبطل الحقيقي صانع النصر الفريق سعد الشاذلي، رغم فوتوشوب الثغرة التي ساوم بها العدو بعد وقف إطلاق النار.

 نصل إلى قمة الإبداع في نص”مناجاة”، قصة بدت كعتاب من العبد للرب، في مظلومية العبيد والسادة، والاقتراب من المقدس بنعومة وجمال واقتدار لا يخدش، ولا يتجاوز، ولكنها النفس الإنسانية التي تشكو إلى ربها همَّها وعذابها النفسي لذنب اقترفته قبل إيمانها الذي يجبُّ ما قبله، وموقف رسول الله منه كقاتل عمه الشهيد أسد الله حمزة بن عبدالمطلب. هذا التناص الديني مع التاريخ الإسلامي وملامسته في جرأة المشي في حقول الألغام، دون أن يجرح فنية النص أو التناص.

قلت من قبل إن كل نص يحتاج إلى دراسة منفصلة لما في المجموعة من جماليات فنية وفكرية وإنسانية، والغوص في واقع المجتمع والتاريخ والأحداث والشخصيات، وحيث ثلاثية الزمان والمكان والإنسان، في مشروع إبداعي سردي له تفرده وصوته الخاص الذي يميزه.

8