باب المندب… نهاية وهم الأمن البحري
من العام 2007 بدأ صراع دامي بين جناح الإخوان في اليمن (علي محسن الأحمر وحميد الأحمر) للوصول إلى سلطة الحكم في صنعاء، رياح ما سميّ بـ“الربيع العربي” كانت مواتية لالتهاب ليس بالطارئ في التاريخ السياسي اليمني المعاصر من بعد قيام المملكة المتوكلية الهاشمية في مطلع القرن العشرين، لطالما عرف البيت الزيدي الانقلابات 1948 و1955 و1962 كلها انقلابات داخل البيت الزيدي كانت في مضمونها وشكلها سواء التي نجحت أو فشلت تحولات كلاسيكية بما فيها من العنف السياسي نظراً لطبيعة تكوين الإنسان اليمني عبر العصور والأزمنة.
ما يستدعي العودة إلى هذا الاستقراء في التاريخ السياسي هو اللحظة التي أعلنت فيها السعودية تشكيل تحالف دفاعي دولي، بعدما انتقلت جماعة الحوثي الإرهابية من تهديد الملاحة الدولية إلى فرض حصار بحري على السفن النفطية السعودية، واستهداف سفن تجارية، إلى جانب تنفيذ هجمات على مطار أبها ومنشآت أرامكو النفطية في جازان، لم يكن ذلك مجرد تصعيد عسكري، وإنما إعلان صريح عن انتقال الصراع إلى استهداف شرايين الطاقة والتجارة في المنطقة، وجاء هذا التحول بعد إصرار إيران على كسر القيود المفروضة على مطار صنعاء، وإعادة وفد جماعة الحوثي من طهران إلى مطار الحديدة، في خطوة حملت دلالات سياسية وعسكرية، وأكدت أن طهران لم تعد تكتفي بدور الداعم، وإنما أصبحت تتصرف باعتبارها صاحبة القرار في إدارة مسار الجماعة وتحركاتها الإقليمية.
تقدير الموقف السياسي يقتضي قدراً كبيراً من التجرد والموضوعية، فالتحالف الدفاعي الدولي الذي أعلنت السعودية تشكيله في نهاية يوليو 2026، يضاف إلى تحالف “أسبيدس” الأوروبي وقوة المهام المشتركة 153، ومع ذلك، لم تتمكن هذه التحالفات مجتمعة من سدّ الفراغ الذي خلّفه انتهاء مهام القوات المسلحة الإماراتية في يناير 2026، فالتطورات الميدانية في خليج عدن والبحر العربي أظهرت أن حجم التهديدات بات أكبر من قدرة هذه القوات مجتمعة على احتوائها، ومنذ يناير 2026 تعرضت سبع سفن للاختطاف، لا تزال ثلاث منها محتجزة، فيما جرى تداول مقاطع مصورة لبحارة محتجزين يناشدون دفع فدى مقابل إطلاق سراحهم، في مشهد يعكس حجم الفراغ الأمني الذي تركه الغياب الإماراتي.
باب المندب لم يعد مجرد ممر بحري بل ساحة صراع مع جماعات مسلحة عابرة للدولة تهدد التجارة العالمية وتعيد تعريف مفهوم الأمن الإقليمي والدولي
واللافت أن جمهورية الصومال كانت ضمن الدول المشاركة في التحالف الذي أعلنت عنه السعودية، في وقت ما تزال فيه السواحل الصومالية تمثل نقطة الانطلاق الرئيسية لعمليات القرصنة في خليج عدن والبحر العربي. فمن بين السفن السبع التي تعرضت للاختطاف منذ يناير 2026، تشير المعطيات إلى أن اثنتين على الأقل نُقلتا إلى السواحل الصومالية، ولا تزال ثلاث سفن محتجزة هناك، فيما يتواصل احتجاز بحارة مصريين وسوريين وآسيويين بانتظار دفع فدى للإفراج عنهم. وكانت تلك السفن قد تعرضت للاختطاف بعد إبحارها من موانئ المكلا وشبوة، وهنا تبرز المفارقة؛ فنجاح أي تحالف بحري لا يُقاس بعدد الدول المنضوية تحت مظلته، وإنما بقدرته على معالجة مصادر التهديد الفعلية، وتأمين إطلاق سراح السفن والبحارة المحتجزين، وتجفيف البيئة التي تنطلق منها أعمال القرصنة قبل الانتقال إلى الإعلان عن ترتيبات أمنية جديدة.
ولا يمكن قراءة مشاركة حكومة بورتسودان وما رافقها من حضور للفريق أول ياسر العطا، بمعزل عن التحولات التي يشهدها البحر الأحمر، فهذه المشاركة تطرح أسئلة تتجاوز السودان إلى مستقبل الإسلام السياسي في الدول المطلة على هذا الممر الاستراتيجي، ففي اليمن، لا يزال حزب الإصلاح بوصفه الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، جزءاً من معادلة السلطة والصراع مع جماعة الحوثي، وفي السودان ما تزال جماعة الإخوان تواجه اتهامات بالاحتفاظ بنفوذ داخل مؤسسات الدولة رغم الحرب والتحولات التي شهدتها البلادـ لذلك، فإن أي ترتيبات أمنية في البحر الأحمر لن تنفصل عن سؤال أكبر وهو هل تتجه المنطقة إلى ترسيخ الدولة الوطنية، أم أنها ستبقى رهينة لمشاريع أيديولوجية تتنافس على الجغرافيا والسيادة؟.
ليس من قبيل الصدفة أن تكون السودان والصومال واليمن وهي ثلاث دول مشاطئة في البحر الأحمر تحت سلطة جماعة الإخوان، ما وفرته هذه المظلات مكنت لفروع تنظيم القاعدة في اليمن والجنوب العربي وحركة الشباب الصومالية من أن تشكل طوقاً أو إطاراً يمتلك كامل القوة وحتى الإمكانيات لفرض هجوم يماثل 7 أكتوبر في البحر الأحمر وإعلان الولاية الخاضعة لتنظيم القاعدة أو داعش، الاختلالات معروفة وما توفر لعناصر الجماعات الأصولية من حرية الحركة والتنقل غير مسبوق وخاصة بعد مغادرة الإمارات من اليمن وحلّ إضعاف الأحزمة والنخب الجنوبية التي كانت تعمل على مكافحة الإرهاب في شبه جنوب الجزيرة العربية.
الواقعية في النظر إلى باب المندب تقود إلى حقيقة يصعب تجاهلها، وهي أن هذا الجزء من العالم أصبح، بدرجات متفاوتة، خاضعاً لنفوذ جماعات الإسلام السياسي، ولم يكن ذلك نتيجة تطور طبيعي، وإنما حصيلة أكثر من عقدين من التقديرات الخاطئة والقراءات غير الموضوعية في التعامل مع خطر التنظيمات الجهادية والإسلام السياسي، فقد أفضت تلك السياسات إلى منح هذه الجماعات مساحة واسعة للتمدد والسيطرة على الجغرافيا، بينما راكمت الأخطاء جيلاً بعد جيل، حتى انتهى الأمر إلى ظهور جيوش مؤدلجة تضم مئات الآلاف من المقاتلين في اليمن والسودان، ومن هنا لا يمكن فصل أسماء مثل ياسر العطا وعلي محسن الأحمر عن هذا السياق، بوصفهما من أبرز الشخصيات التي ارتبطت، وفق هذا الطرح، بمسار جماعة الإخوان في البلدين، وهو ما يجعل أمن باب المندب قضية تتجاوز الحسابات العسكرية إلى معركة تتعلق بطبيعة الدولة وهوية السلطة على ضفتي البحر الأحمر.
الأمن البحري في البحر الأحمر يرتبط اليوم بمصير الدولة الوطنية فإما بناء مؤسسات سيادية قوية أو ترك الممرات رهينة لمشاريع أيديولوجية وعنف منظم
ها نحن أمام معادلة غير مسبوقة فرضتها جماعة الحوثي تحت شعار “الحصار بالحصار”، جماعة مسلحة استطاعت أن تفرض حصاراً بحرياً على صادرات النفط السعودية، وأن تدفع ناقلات النفط إلى تغيير مساراتها نحو رأس الرجاء الصالح، مع ما ترتب على ذلك من ارتفاع كبير في تكاليف التأمين والشحن، وفي الوقت نفسه، تحيط بباب المندب ثلاثة مراكز نفوذ مرتبطة بالتنظيم الدولي لجماعة الإخوان، الأمر الذي يجعل التهديد يتجاوز جماعة الحوثي وحدها إلى بيئة إقليمية أكثر تعقيداً، وقد أعادت هذه التطورات السعودية إلى مراجعة تقديراتها الإستراتيجية، بعد امتناعها في وقت سابق عن الانضمام إلى عملية “حارس الازدهار”، واليوم تقف المنطقة أمام معادلة مختلة بكل مقاييس القانون الدولي، فالممرات البحرية لم تعد رهينة نزاع بين دولتين، وإنما أصبحت خاضعة لابتزاز جماعات عابرة للدولة، إنها لحظة تتجاوز مجرد إعادة تقييم للمواقف، لأنها تفرض إعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي والدولي.
ما يحدث اليوم في هذا المضيق الاستراتيجي لم يعد مجرد صراع على سلطة الحكم في صنعاء، ولا حتى سباقاً للنفوذ بين الرياض وطهران إنما تجاوز ذلك ليصبح اختباراً حاسماً لمصير النظم السياسية في منطقة البحر الأحمر بأكملها، فالمعادلة الجديدة التي تنتج عن سيطرة جماعة الحوثي على أدوات التهديد، وتواطؤ بيئة الإسلام السياسي (بمختلف مكوناتها من الإخوان في السودان واليمن إلى الحركات الجهادية في الصومال)، تخلق كتلة ضغط استراتيجية تعيد إنتاج ممرات قراصنة القرن التاسع عشر، لكن بأسلحة القرن الحادي والعشرين.
إن ترك هذه الجغرافيا رهينة لجيوش غير نظامية، يمتلك بعضها أجندات أيديولوجية متقاطعة، يعني تحويل البحر الأحمر من شريان تجاري عالمي إلى بحيرة مغلقة تخضع لقوانين الابتزاز والعنف السياسي، وإذا كانت التحالفات الدولية الحالية قد عجزت عن ردع هذه التهديدات، فإن ذلك يؤكد أن الحل لا يكمن في مزيد من السفن الحربية، بل في إعادة بناء الدولة المركزية ذات السيادة الكاملة، وفصل المصالح الاقتصادية عن المشاريع الأيديولوجية المتصارعة، فإما أن ننتصر لدولة القانون والمؤسسات، أو نرضخ لمنطق الغاب الذي تحكمه جماعات لا تعترف بحدود ولا سيادة، وهنا يكمن الخطر الوجودي الذي يتهدد ليس فقط مضيق باب المندب، بل النظام العالمي القائم على حرية الملاحة والتجارة، لعل الكل وصل إلى قناعة كاملة أن نتيجة الرقص مع الأفاعي سيؤدي حتماً للدغة مباغته قاتلة، متى يتعلمون الدرس بأن استخدام الإخوان والحوثيين وغيرها من الفصائل هي سياسة قتلة تجارب العراق وأفغانستان والصومال والسودان واليمن يجب أن تنتهي تماماً لنبني شرق أوسط بلا أفاعي.