انتصروا وخسر العرب
يبدو أن الاتفاق الذي أُبرم مؤخرا بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى كان بمثابة نصر للطرفين. إيران حققت مطالبها في التموضع في مضيق هرمز، بالإضافة إلى رفع الحصار عنها، وأقصد هنا الحصار المالي. أما الولايات المتحدة فقد حافظت إلى حد بعيد على ماء وجهها بعدما كاد الحزب الجمهوري يخسر قاعدته الشعبية، خصوصا في المرحلة المقبلة والانتخابات النصفية. لهذا، عندما صرّح ترامب قبل أيام قائلا “كان بودي أن أبقى في الشرق الأوسط لمدة أطول، ولكن نزولا عند رغبة الشعب الأميركي سنخرج”، لم يأتِ هذا التصريح عبثا، إذ إن ضغط الشارع الأميركي ساهم بدرجة كبيرة في تحول سياسة ترامب والحد من الإقدام على ضرب إيران واستهداف مشاريع الطاقة والجسور.
لكن تصريحات ترامب التالية بدت متأرجحة وغير واقعية كعادته، إذ قال “يوم كبير من أجل السلام العالمي، إيران تريد أن يحدث ذلك، لقد اكتفت، وبالمثل الجميع، بالمساعدة في التكدس المروري في مضيق هرمز، ستقوم الولايات المتحدة بالكثير من الإجراءات الإيجابية، وسيتم تحقيق أموال طائلة، وسنكون فقط متواجدين للتأكد من أن كل شيء يسير على ما يرام. أشعر بالثقة في ذلك تماما، كما نشهد في الولايات المتحدة، قد يكون هذا العصر الذهبي للشرق الأوسط”.
من يتابع خطابات ترامب الأخيرة وتهديداته بضرب العصب الحيوي في المنطقة، يجد أن كل ذلك كان من أجل الضغط على إيران لقبول شروطه. لكن إصرار طهران على الحل الكلي واستبعاد الحل الجزئي، ودخول باكستان وربما الصين على الخط، دفعا بالرئيس الأميركي ومجتبى خامنئي إلى قبول الهدنة. وبحسب الاتفاق، سيكون هناك لقاء مباشر بين أميركا وإيران في باكستان للوصول إلى حل دائم وإنهاء الحرب بشكل كلي. ولا شك أن القضايا موضع الخلاف ما زالت قائمة، وبالأخص ملف اليورانيوم والصواريخ الباليستية ولبنان، الذي يُفترض أن يكون مشمولا بالاتفاق. إيران حذرت من أن استبعاد لبنان سيؤدي إلى تجدد القتال.
إيران ركزت على مصالحها، وأميركا على انتخاباتها، فيما العرب ظلوا بلا مكاسب، ما يفرض ضرورة التوحد لحماية مصالحهم بعيدا عن وعود الآخرين
لا أحد يعرف إن كانت نقاط الاختلاف ستُتجاوز بصيغة توافقية. على صعيد اليورانيوم، قد يتفق الطرفان على أن يبقى تحت إشراف دولي ولا يرقى إلى سلاح نووي، وربما يكون ذلك أقرب صيغة للتوافق. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يوافق نتنياهو على هذه التسوية؟ العقلية الإسرائيلية، وأقصد السياسية والأمنية والعسكرية، وبالذات نتنياهو، تريد أن تبقى المنطقة مشتعلة مدة أطول حتى يتجاوز موعد انتخابات الكنيست ويضمن فوزه وتشكيل حكومة على مقاسه الشخصي. غير أن ما توصل إليه ترامب مع إيران لا يحقق له الفوز، وبالتالي يفقد قاعدته الشعبية. وقد خرج زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد بتصريح يعنف فيه نتنياهو قائلا “لم تكن هناك كارثة سياسية كهذه في كل تاريخنا.
إسرائيل لم تكن حتى على طاولة المفاوضات عندما تم اتخاذ قرارات تمس جوهر أمننا القومي. نتنياهو فشل سياسيّا، وفشل إستراتيجيّا، ولم يحقق أيّا من الأهداف التي وضعها بنفسه. سنستغرق سنوات لإصلاح الأضرار السياسية والإستراتيجية التي تسبب بها نتنياهو بسبب الغرور والإهمال وانعدام التخطيط الإستراتيجي”.
إذن، لا تبدو الأمور في إسرائيل على ما يرام، والاتفاق رغم موافقة نتنياهو عليه لا يلبي أهدافه. وقد يعوّل أي رئيس وزراء إسرائيلي على ما بعد الأسبوعين ليعيد الكرة ويضغط باتجاه تخريب الاتفاق للخروج من الحرج، فكل شيء وارد. ينبغي أن ندرك أن الحرب لم تنتهِ بعد، والأيام القادمة هي التي ستحدد طبيعة المرحلة المقبلة: إما حرب أو لا حرب.
وبالعودة إلى موضوع المقالة، ليكن السؤال: ماذا ربح العرب؟ المتتبع لبنود الاتفاق لا يجد ما يخص العرب، حتى في الحد الأدنى، مثل اعتذار إيران عما أحدثته من خسائر في السعودية والخليج.
كما لم تتطرق طهران ضمن بنودها إلى إجبار إسرائيل على فتح المسجد الأقصى أمام المصلين المغلق منذ أكثر من أربعين يوما. لهذا، كما قال البعض منذ بداية الحرب بين أميركا وإيران: لا ناقة لنا فيها ولا جمل. ما يهم إيران فقط هو مصالحها، وقد شاهدنا ذلك منذ الحرب على غزة، إذ لم تحرك طهران ساكنا. لهذا، على العرب اليوم أن يتوحدوا ويفكروا جيدا في مصالحهم، فقد أثبتت التجارب أن لا عدو ولا صديق ينفعهم.