الوردة الشامية حاضرة عبر الأدب والموسيقى في إيطاليا
رشا محفوض
تورينو (إيطاليا) - الحديث عن الوردة الشامية في الأدب السوري كرمز للجمال والتراث الثقافي، وهي التي تحتل مكانة فريدة في قلب السوريين جميعا، كان محور الأمسية الأدبية التي قدمها المؤرخ والكاتب والباحث السوري سامي مبيض في ثاني أيام تظاهرة "الوردة الشامية.. من سورية إلى تورينو" التي افتتحت في الرابع من يوليو لتستمر إلى السابع من نفس الشهر بمدينة تورينو الإيطالية.
وخلال الأمسية التي أقيمت في قاعة الاحتفالات في القصر الملكي بتورينو وحضرها حشد من المثقفين الإيطاليين وعلى رأسهم البروفيسور باولو ماتييه الحائز على وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة، بدأ مبيض حديثه بعرض تاريخي وللسياق الثقافي للوردة الشامية متتبعا أصولها وزراعتها في الأراضي السورية إلى أن أصبحت مجازا للحب.
واستعرض مبيض ما كتب في الوردة الشامية من قبل الأدباء والشعراء السوريين ومنهم الشاعر الراحل نزار قباني الذي تناول الوردة عبر قصيدتين الأولى "الوضوء بماء العشق والياسمين"، والثانية في رثاء ابنه توفيق بعنوان "إلى الأمير الدمشقي توفيق القباني". وتحدث عن أثر الوردة الشامية في كتابات الأدباء غير السوريين ومنهم شكسبير الذي ذكرها على لسان أحد أبطال مسرحياته، عندما شبه حبيبته بالوردة الشامية.
وأكد مبيض أن الوردة الشامية وتحديدا في الشعر العربي المعاصر كانت رمزا للجمال الخالد، ومصدر إلهام الكتّاب العرب عبر التاريخ، مبينا أهمية ذلك في الحفاظ على التراث الثقافي، إضافة إلى الاستمرارية في إلهام الكتاب لتقديم منجزات أدبية تتغنى بالوردة الشامية ومحبيها.
كما تطرق المحاضر لأهمية الدبلوماسية الثقافية كونها قادرة على مد الجسور، بل هي أعمق بكثير كونها ممتدة بين الشعوب على اختلاف ثقافاتهم حسب تعبيره. مؤكدا أن تسجيل الوردة الشامية والممارسات المرتبطة بها على قائمة اليونيسكو وغيرها من العناصر الثقافية السورية من العود وخيال الظل والقدود الحلبية، وما سيتم تسجيله لاحقا، محاولات لإعطاء سوريا ما هو حقها، وفيها الكثير ما يستحق التوثيق والتسجيل لكون عمرها أكثر من 12 ألف عام.
وحضرت في اليوم الثاني من أيام “الوردة الشامية.. من سورية إلى تورينو” لغة الشعوب عبر رحلة موسيقية مستوحاة من الوردة الشامية بقيادة المايسترو ميساك باغبودريان احتضنتها القاعة السويسرية في القصر الملكي في مدينة تورينو الإيطالية.
وحملت الأمسية عنوان “قصيدة إلى الوردة”، وشارك فيها موسيقيون من سوريا وإيطاليا لتعبق منها أجمل المعزوفات الموسيقية والأغاني التراثية التي شكلت الذاكرة الحية للشعوب.
برنامج الأمسية كان رحلة موسيقية عبر الزمن بدأها الموسيقيون بتقديم أنشودة “نيكال”، وهي أقدم تدوين موسيقي سوري عرفه العالم، اكتشف على لوح طيني يعود لأكثر من 1400 عام قبل الميلاد في مدينة أوغاريت على ساحل البحر الأبيض المتوسط.
هذه التجربة الموسيقية جاءت بصوت مغنية الأوبرا ميرنا قسيس، لتنتقل بعدها بصوتها الأوبرالي لتقديم مجموعة من الترانيم السريانية التي تعد أقدم أشكال الغناء الجماعي في سوريا.
الموسيقيون الذين حرصوا على ارتداء البروكار الدمشقي الذي يعد من الحرف السورية العريقة قدموا مقطوعات موسيقية متنوعة منها "أغنية إيرلندية تقليدية" وميدلي "أغاني فيروز" وموشح "لما بدا يتثنى" و أغنية "أعطني الناي وغنّ".
◙ الوردة الشامية، وتحديدا في الشعر العربي المعاصر، كانت رمزا للجمال الخالد ومصدر إلهام الكتاب العرب عبر التاريخ
وأثناء الرحلة توقف الجمهور قليلا في بيت سوري جميل، يحكي قصصا اجتماعية عن الحب والمحبوب والزواج بطقوس تشكل إلى اليوم لحظات مهمة في الحياة الاجتماعية للسوريين مع الأغاني التي وصلتهم من الأجداد والتي تعتمد آلة العود والإيقاع كعنصر أساسي لأدائها، ليقدم الموسيقيون مجموعة من الأغاني التراثية السورية.
الجمهور الذي تفاعل مع الأمسية بشكل كبير عبّر عن تفاعله بالوقوف مدة دقيقتين تقديرا للأداء العالي للموسيقيين الذين قدموا عبر الرحلة أيضا أغنية شعبية إيطالية، وليستمتع بعدها على إيقاع الرومبا مع أغنية ”يا عاشقة الورد‟ وأغنية باللغة الأرمنية. واختتمت الأمسية بتقديم أغنيتين، وهما “يا زهرة في خيالي‟ ونقيلي أحلى زهرة” .
وفي تصريح له قال المايسترو باغبودريان إن “هذه الحكايات هدفها اصطحاب الجمهور لقصة الوردة لتعرّفهم على تأثيرها على الناس الذي بدأ من الجذور العميقة إلى أوغاريت التدوين الموسيقي الأول، وصولا إلى الموسيقى السريانية مرورا بالعصور اللاحقة والعصر الحديث”.
وأضاف باغبودريان إن “هذه الرحلة تجمع أربعة موسيقيين عرب هم ثلاثة سوريين وفلسطيني واثنان من الإيطاليين”، مؤكدا أن الموسيقى لغة يفهمها الجميع وهي لغة تصل إلى القلب، وهو ما عكسته ردة فعل الجمهور على الأمسية، ناهيك عن كونها تعكس حالة إنسانية وثقافية وموسيقية عشناها في سوريا التي أهدتنا الوردة وأهديناها للعالم أجمع.
وتتواصل أيام “الوردة الشامية.. من سورية إلى تورينو” التي تنظمها المتاحف الملكية في تورينو والأمانة السورية للتنمية، بالتعاون مع منظمة “سانتاغاتا” لاقتصاد الثقافة، عبر عقد مؤتمر عن التراث الثقافي السوري بعنوان “جسور السلام”.