"الهاربات" تضيء ستينية مهرجان الحمامات الدولي.. مسرح يواجه العتمة بالأمل
الحمامات (تونس)- افتتحت مسرحية "الهاربات"، من تأليف وإخراج وسينوغرافيا وفاء الطبوبي، فعاليات الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي، لتعيد التأكيد على المكانة التي يحتلها المسرح في هوية هذه التظاهرة الثقافية العريقة. فمنذ انطلاقته قبل ستة عقود، ظل المهرجان يفتتح دوراته بأبي الفنون، محافظًا على تقليد راسخ يجعل من المسرح بوابة الاحتفاء بالفنون، وهو ما يتجدد هذا العام تحت شعار "ذاكرة تعيش".
وجاء عرض الافتتاح، الذي احتضنه مسرح الحمامات مساء 11 يوليو 2026، أمام جمهور غفير، بإنتاج مشترك بين المسرح الوطني التونسي وشركة الأسطورة للإنتاج، بدعم من وزارة الشؤون الثقافية. ويصل العمل إلى المهرجان متوجًا بسلسلة من أبرز الجوائز، بعد فوزه في مهرجان المسرح العربي (2026)، وأيام قرطاج المسرحية (2025)، والمهرجان الوطني للمسرح التونسي (2025).
وعلى امتداد نحو تسعين دقيقة، ينسج العرض عالماً مسرحياً مكثفاً، تدور أحداثه داخل فضاء غامض يشبه محطة انتظار معلقة خارج الزمن، حيث تلتقي خمس نساء ورجل في انتظار حدث لا يأتي. غير أن الانتظار لا يبقى مجرد عنصر درامي، بل يتحول إلى استعارة كبرى لحالة الإنسان المعاصر، المثقل بالخوف والضياع والبحث الدائم عن المعنى.
وتتقاطع مصائر الشخصيات التي أدتها فاطمة بن سعيدان، ومنيرة الزكراوي، ولبنى نعمان، وأميمة البحري، وصابرين عمر، ومحمد بوزيد، في رحلة داخلية تكشف هشاشة الإنسان أمام واقع يضيق بالأسئلة والقلق. ومع تطور الأحداث، يغدو المكان فضاءً للتأمل في الهوية والمصير، بقدر ما يصبح ساحة لمواجهة الذات.
واستمدت الطبوبي شخصياتها من الواقع الاجتماعي التونسي؛ فحضرت على الركح عاملة نظافة مسنة، وأستاذة نائبة تعيش هشاشة مهنية، وخريجة حقوق اصطدمت بواقع البطالة، وعاملة خياطة تواجه الاستغلال، وامرأة تعيش على جمع القوارير البلاستيكية، إلى جانب شاب يطارده القضاء بسبب النفقة. وبرغم اختلاف حكاياتهم، يجمعهم جميعًا الشعور بالتهميش وفقدان الاستقرار، لتتحول معاناتهم الفردية إلى مرآة تعكس اختلالات اجتماعية أوسع.
وتلامس المسرحية، بلغة رمزية بعيدة عن المباشرة، قضايا الفقر والهشاشة والعدالة الاجتماعية وتفكك العلاقات الإنسانية، كما تضيء التحولات التي عرفها المجتمع التونسي خلال السنوات التي أعقبت الثورة، دون أن تحصر أسئلتها في السياق المحلي، بل تفتحها على أفق إنساني أكثر اتساعًا.
واعتمدت وفاء الطبوبي سينوغرافيا ذات كثافة بصرية، لعبت فيها الإضاءة دورًا محوريًا في صناعة الدلالة، فتحولت إلى لغة مستقلة تعكس التشظي النفسي للشخصيات، بينما عززت حركة الممثلين داخل الفضاء المسرحي الإحساس بالتيه والبحث المستمر عن منفذ للخلاص. كما حافظ العرض على إيقاع تصاعدي انتقل بسلاسة بين لحظات التأمل والانفعال، وبين الصمت والمواجهة.
ورغم الأجواء القاتمة التي هيمنت على معظم مشاهد العمل، فإن النهاية جاءت مشرعة على الأمل. فبعد رحلة طويلة من الخوف والضياع، تدرك الشخصيات أن النجاة لا تتحقق فرديًا، وأن الخلاص يبدأ من التضامن والانفتاح على الآخر، في رسالة تجعل الجمهور شريكًا في استكمال الحكاية بعد إسدال الستار.
وفي الندوة الصحفية التي أعقبت العرض، أوضحت وفاء الطبوبي أن الأمل يظل المحرك الأساسي في تجربتها المسرحية، مؤكدة أن نهاية «الهاربات» ليست خاتمة مغلقة، بل دعوة إلى الجمهور لمواصلة التفكير في مصير الشخصيات، باعتبار أن المسرحية تغادر الخشبة لتستكمل وجودها في الحياة. وأضافت أن الفضاء الذي تدور فيه الأحداث ليس سوى «علبة نفسية» يحملها كل إنسان في داخله، بما تختزنه من مخاوف وأسئلة وقلق تجاه المستقبل.
وأكدت المخرجة أن العمل، وإن انطلق من الواقع التونسي، فإنه يلامس أسئلة إنسانية مشتركة في عالم يتزايد فيه العنف وتتآكل فيه القيم، ويشعر فيه الإنسان بمزيد من العزلة داخل منظومات تستنزف طاقته وأحلامه. كما أشارت إلى أن النسائم التي رافقت عرض الافتتاح على ركح الحمامات انسجمت، على نحو لافت، مع الحالة النفسية للشخصيات، رغم ما فرضته من تحديات على أداء الممثلين.
ويتواصل برنامج الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي مساء الأحد 12 يوليو، مع الفنان التونسي العالمي ظافر يوسف، الذي يقدم عرضه الجديد "شيراز"، مواصلًا مشروعه الموسيقي القائم على المزج بين الجاز والموسيقى العربية والنفحات الصوفية، في أمسية ينتظر أن تشكل إحدى أبرز محطات الاحتفال بستينية هذا الموعد الثقافي العريق.